الخطبة بعنوان التحذير من الغش والمكر والخداع، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 جمادى الأول 1440هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يحذر الخطيب من خطورة الغش في جميع مجالات الحياة مستدلاً بأحاديث نبوية تبين أن من غش المسلمين فليس منهم، وأن الغاش لرعيته يحرم عليه الجنة. ويؤكد أن أعظم الغش هو الغش في الدين والعقائد الذي يضل العقول ويزل الأقدام.
يؤكد الخطيب أن العلم أمانة يجب تبليغها ويحذر من عواقب الغش في الاختبارات الذي ينتج أجيالاً غير مؤهلة. ويستعرض أحاديث نبوية تحرم الغش في البيع وتأمر ببيان العيب مبيناً أن الغاش ليس من الأمة.
يخطب المتحدث محذراً من المكر والخديعة مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية مبيناً أنها صفات اليهود والمنافقين. وينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغش في البيوع ويأمر بالصدق والأمانة داعياً للتوبة والتعامل الشرعي.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفقهم لصلاح الدين والدنيا وأن يولّي عليهم خيارهم. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، جاء في الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار». رواه الطبراني وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. اسمع إلى هذا الحديث يا عبد الله، الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا». الغش يا عباد الله، في هذا الحديث يبين عليه الصلاة والسلام خطورة الغش، وأن من غش المسلمين فليس من المسلمين، لأن أخلاق المسلمين وآداب المسلمين تنهى عن هذا الفعل المشين. فالغش خطير يا عباد الله، وإذا نشأ المجتمع على الغش فإنه يكون مجتمعًا فاسدًا والعياذ بالله. وإذا أردنا أن نعرف خطورة هذا الأمر، فلنأتِ إلى السنة النبوية، لنأتِ إلى ما قال نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر العظيم: «من غشنا فليس منا». هذا الغش يا عباد الله ليس غشًا فحسب في البيع والشراء، وإنما هو عام في كل شيء: الغش في الولاية والإمارة والمسؤولية، الغش في التربية، الغش في التعليم، الغش في التجارة، الغش في الطب والهندسة، الغش في أمور الحياة. هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام وحذر المسلمين منه، وتوعد عليه بأنه ليس من هديه عليه الصلاة والسلام ولا من سنته: «من غشنا فليس منا». انظر يا عبد الله إلى خطورة الغش إذا وقع بين المسلمين: ينشأ بين المسلمين من ليس بأهل في جميع مجالات الحياة، ويختلط الحابل بالنابل، تصير الأمور معكوسة منكوسة عند كثير من الناس إلا من رحم الله. الغش بيّن عليه الصلاة والسلام عقوبة صاحبه، فأولهم وأعظمهم وأكبرهم من يقوم بغش رعيته، من يقوم بغش الرعية حيث لا ينصح لهم. بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يرح رائحة الجنة، وأنه حرام عليه الجنة، وأنه من أهل النار. ليعلم الغاش لرعيته خطورة الغش حينما يتولى منصبًا من المناصب أو مسؤولية من المسؤوليات، حتى يدع الغش في مسؤوليته وفي منصبه وفيما هو الله الله عز وجل في رعيته. يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الحديث الصحيح المتفق عليه من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه: «ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة». وفي رواية لمسلم: «إلا لم يرح رائحة الجنة». وجاء في الطبراني من حديث أنس: «ما من راع يسترعيه الله رعية ثم يغشهم فهو من أهل النار»، والعياذ بالله. انظر يا عبد الله، انظر أيها المسلم إلى هذا الذي يغش المسلمين، يكون مسؤولًا من المسؤولين أو راعٍ يسترعيه الله رعية، فيدخل في هذا الباب، يدخل في هذا ولي الأمر الذي عنده رعية يسترعاهم، كيف لا ينصحهم؟ كيف لا يدلهم على الخير؟ انظروا يا عباد الله إلى هذا الغاش، هذا الذي ولي من أمر المسلمين شيئًا فغشهم، فهو في النار، لا ينصح لهم، يعد فيخلف وعده، وهكذا أيضًا مشاريع يعلنها ولكنها مشاريع وهمية، منصب من المناصب همه في ذلك الثروات وهمه في ذلك المال والدنيا، عياذًا بالله، يسترعيه الله رعية ثم لا ينصح لهم. فلما غشوا ملأ الأمور، صار الأمر كما نرى يا عباد الله: أناس غير مؤهلين لأن يكونوا مسؤولين، أناس غشوا رعيتهم، غشوا الرعية، فكانوا في هذه المناصب، ولهذا نرى البلاد حالها يرثى لها. وهكذا أيضًا ولاة الأمور من الآباء، وهكذا أيضًا المعلمون والمربون والمدرسون، وأيضًا العلماء والفقهاء. أعظم غش يا عباد الله أن يغش الإنسان في دين الله سبحانه وتعالى. أنت إذا غششت أو غششك رجل في سلعة من السلع، أقمت الدنيا وأقعدتها لأجل حفنة ريالات، لأجل المال، تصيح وتولول، فكيف بمن غش في دين الله عز وجل بالأخبار الكاذبة التي لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فأعظم غش يا عباد الله هو غش العقائد، وهو غش العقول والأفكار. كم من المسلمين ضل، وكم من المسلمين زل، بسبب من غشهم من المعلمين ومن المدرسين ومن الفقهاء. إن العلم يا عباد الله أمانة، أمانة في الأعناق، فيجب على كل مسلم علم من دين الله عز وجل شيئًا أن يبلغه كما سمعه، كما أمر رسول الله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بلغوا عني ولو آية». وانظر كذلك يا عبد الله، وانظر كذلك يا عبد الله، وانظر كما سمعه، وانظر كما سمعه، ونشأوا على الغش في الاختبارات وفي الامتحانات، ماذا كان المآل؟ ما هو حال الأمة لو تفكرت ولو تمعنت؟ ما هو حال الأمة عندما ينشأ نشأ يقول: عالم وليس بعالم، يقول: فقيه وليس بفقيه، يقول: متعلم وليس بمتعلم، طبيب وليس بطبيب، دكتور وليس بدكتور، وهكذا أيضًا مهندس وليس بمهندس، ومربي وليس بمربي، ومعلم وليس بمعلم، الذي نشأ على الغش في اختباراته وفي امتحاناته، ماذا تنتظر منه يا عبد الله؟ ماذا تنتظر منه حول الأمة وحول هذه الأجيال التي بين يديه؟ ماذا تنتظر من معلم يعلم الناس الغش، ومربي يربي الناس على الغش؟ ماذا تنتظر يا عبد الله؟ ووالد كذلك يغش أبناءه ويغش أهله ويغش بنيه ورعيته. فالأمر مسؤولية يا عباد الله، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فأنت ستسأل أمام الله عز وجل عن هذه الرعية، سواء كنت مسؤولًا أو كنت أميرًا أو حاكماً أو كنت أبًا أو معلمًا، فإنك ستسأل عن من ولاهم الله إياك، فهل نصحت لهم يا عبد الله؟ وأما التاجر، وأما التاجر الذي يغش في بضاعته ويحلف الحلف الكاذب في بضاعته، فقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام خطورة هذا الأمر. وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بالسوق، فرأى صُبرة في طعام، فوضع عليه الصلاة والسلام يده في الطعام، فأصابه بلل من ذلك الطعام، فقال: «يا صاحب الطعام، ما هذا؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا جعلته أعلى ليراه الناس؟ من غشنا فليس منا». هكذا يقول صلى الله عليه وسلم لهذا البائع الذي قلب الأمر، فجعل الصحيح في الأعلى ليراه الناس أنه صحيح، فبهرج السلعة كما يفعل كثير من التجار الذين يبيعون ويعرضون البضائع والسلع، فإنهم لا يبينون ما فيها، ويعرضونها أمام الناس بأحسن منظر، وربما يكون المظهر ويكون الباطل خلاف هذا المظهر الذي ظهر للناس. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول لذلك البائع: «أفلا جعلته في الأعلى ليراه الناس؟ من غشنا فليس منا». وهكذا ينبغي للمسلم أنه إذا باع بيعًا أن يبين العيب الذي في ذلك البيع، فقد جاء في الصحيح من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم يبيع بيعًا لأخيه وفيه عيب إلا بينه، إلا بينه». لأنك أنت صاحب الأمر وأنت تعلم ما في بيعك وما في سلعتك وبضاعتك، فينبغي عليك أن تبين هذا العيب للناس. وانظروا إلى واثلة رضي الله عنه لم يسكت عندما رأى بيعًا معيبًا، نصح مع أنه ليس بيعه. وهكذا المسلم، المسلم ينصح إذا رأى غشًا، وإذا رأى بيعًا معيبًا، وربما يغتر به إنسان. قال أبو سبيع: دخلت دار واثلة فاشتريت ناقة، فلما خرجت بها من الدار لحقني واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وهو يجر إزاره، فقال: يا عبد الله، اشتريت؟ قلت: نعم. قال: أبين لك ما فيها؟ أي: صاحب هذه الناقة التي باعها لك. قلت: وما فيها يرحمك الله؟ إنها سمينة ظاهرة. فقال له: وتريد بها البيع؟ أتريد بها السفر أم تريد بها اللحم؟ قال: بل أريد بها الحج. قال: فإن بها نقبة في خفها لا تصلح للسير، لا تصلح للسفر هذه الناقة، ولكنها تصلح للحم. قال: فإن بها نقبة في خفها. فقال ذلكم البائع صاحب الناقة: أصلحك الله، أفسدت علي بيعي. فقال له واثلة رضي الله عنه: «أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يحل لمسلم يبيع بيعًا إلا بينه، ولا يحل لمن علمه إلا بينه». فهذا علم رضي الله عنه وأرضاه أن العيب في هذه السلعة فبينه لذلكم المشتري. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينَا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب». متفق عليه من حديثه رضي الله عنه. وفي رواية: «ممحقة للبركة». فأي بركة تجد مع الغاش؟ أي بركة تجد مع الذي يحلف في السلعة فيكذب، وأنه باع بها كذا وكذا؟ وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم». قلنا: خابوا وخسروا يا رسول الله، من هم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». نسأل الله السلامة والعافية. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن مسعود المتقدم: «والمكر والخديعة في النار». المكر والخديعة في النار، أي أن صاحب المكر وصاحب الخديعة في النار، لأن هذه أفعال اليهود، وهذه أفعال المنافقين، كما بيّنها رب العالمين سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. قال الله عز وجل عنهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. في اليهود والمنافقين، أولئك الذين يأتون بالمكر ويأتون بالحيل ليخدعوا عباد الله جل وعلا. وانظر يا عبد الله إلى ما فعل اليهود في الشحوم، لما حرمها الله عز وجل عليهم قاموا فجملوها، أي أذابوها، ثم باعوها، ثم أكلوا أثمانها، يخادعون. لكن يخادعون من؟ يخادعون الله عز وجل، وهو خادعهم، هو العالم سبحانه وتعالى بمكرهم، وهو العالم سبحانه وتعالى بخديعتهم. ألا فلا يتصف المسلم بأولئك الأقوام المغضوب عليهم الذين لعنهم الله جل وعلا وهم اليهود، وغضب الله عز وجل عليهم، وكذلك يتشبه بالمنافقين فيكونوا ماكرين خداعين، والعياذ بالله. لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل. هكذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «احذروا يا عباد الله». انظروا إلى تعامله عليه الصلاة والسلام، تعامله مع غيره تعاملًا شرعيًا، يبين عليه الصلاة والسلام لأمته كيف يتعامل بعضهم مع بعض. جاء في صحيح الإمام البخاري، وبوب عليه: «باب ما ينهى من الخداع في البيوع»، ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رجلًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يخدع في البيوع، فقال له عليه الصلاة والسلام: إذا بعت فقل: لا خلابة. إذا بعت فقل: لا خلابة». أي: لا خديعة. قل لهذا البائع: لا خديعة. احذر يعد الله الخديعة، فإنها في النار كما قال صلى الله عليه وعلى... صلى الله عليه وسلم. وجاء في البخاري معلقًا، ووصله كذلك أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث العداء بن خالد بن هوذة رضي الله عنه أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترى منه عبدًا أو أمة، قال عليه الصلاة والسلام: «اكتبوا له العهد». فكتب العداء: «هذا ما بايع عليه العداء، أو هذا ما اشترى العداء من محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبدًا أو أمة، لا داء ولا غائلة ولا خبثة». بيع المسلم للمسلم، بيع المسلم للمسلم، ما هو بيع المسلم للمسلم يا عباد الله الذي نراه الآن في أسواقنا إلا من رحم الله، إلا من رحم الله؟ انظروا يا عباد الله، هل هو بيع المسلم للمسلم؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الكتاب: «بيع المسلم للمسلم: لا داء، لا غائلة، لا خبثة». لا داء، لا عين حتى يبين. لا غائلة، لا غائلة يعني لا خسوق ولا إباق، ولا كذلك عمل خبيث من هذا العبد، ولا خبثة. هكذا يبين عليه الصلاة والسلام أن الأصل في بيع المسلمين أن يكون نزيهًا، أن يكون كذلك صادقًا، يبين فيه العيوب إذا كان هناك عيوب. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للتجار، قال لهم عليه الصلاة والسلام، وقد ذهب يومًا إلى المصلى فوجدهم يتبايعون فيما بينهم، قال لهم صلى الله عليه وسلم رافعًا صوته: «يا معشر التجار». قال: فنظروا وارتفعت أعناقهم وأبصارهم إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال لهم عليه الصلاة والسلام: «يا معشر التجار، إنكم تبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق، إلا من اتقى الله وبر وصدق». رواه الترمذي من حديث رافع، وصححه الألباني. انظروا يا عباد الله إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين أن الأمور ينبغي أن توضع في مواضعها، فلا غش ولا خديعة ولا مكر بين المسلمين. فينبغي عليهم أن يتراحموا، وينبغي عليهم أن يصدقوا في أحوالهم وفي تعاملاتهم وفي أقوالهم، حتى يسود الخير في المجتمعات. أما أن يتعاملوا بالغش والعياذ بالله، أو يتعاملوا بالكذب، أو يتعاملوا بالمكر والخديعة، فإنها تحل نقم الله سبحانه وتعالى بالمجتمعات. وما ترى أحوالنا وساءت أمورنا إلا لأننا لم نرجع إلى ديننا، ولم نتعامل فيما بيننا تعاملًا شرعيًا، ولهذا أنزلت العقوبات علينا. فينبغي أن نتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن نقوب إليه، وأن نرجع إليه في جميع أحوالنا، ونصدق مع الله سبحانه وتعالى في تعاملاتنا وفي أقوالنا وأفعالنا، لعل الله سبحانه وتعالى أن يرفع الغلاء، وأن يرفع سبحانه وتعالى الأذى، وأن يرفع سبحانه وتعالى الوباء وكل الأمراض والأسقام. نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وإحسانه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، ويدمر أعداء الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا لأحسن الأخلاق التي لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها، فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا هو. نسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يرد ضال المسلمين، وأن يهدي المسلمين. نسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما فيه صلاح لديننا ودنيانا. نسأله سبحانه وتعالى أن يولي علينا خيارنا، وأن يصرف عنا شرارنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.