خطبة عيد الأضحى المبارك لعام ١٤٤٠هـ

الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام ١٤٤٠هـ، وكانت بمصلى المنصورة الجديدة بالشحر ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

عظمة يوم النحر وهدي النبي في البدء بالصلاة والنحر

يبيّن الخطيب أن يوم النحر هو أعظم الأيام عند الله، مستعرضاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم في البدء بالصلاة ثم النحر. ويؤكد على وصية النبي المتكررة بالإحسان إلى النساء ورعايتهن لضعفهن وحاجتهن للعطف والإنفاق.

مسؤولية الرجل في رعاية أهله وتحذير من المحرمات

يشدد الخطيب على وجوب قيام الرجل بواجب الرعاية والتعليم لأهله خاصة النساء لوقايتهم من النار، محذراً من إدخال المحرمات كالهواتف الذكية للبيوت. ويستعرض وصايا النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء والجيران والمساكين والأيتام داعياً إلى تحقيقها لبناء مجتمع متماسك.

وصايا العيد بالمواساة وبر الكبار وآداب التشريق

يؤكد الخطيب على وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى المساكين والضعفاء في يوم الأضحى وتوزيع الأضاحي بنية المواساة لا الرياء. ويبرز وجوب احترام كبار السن والعلماء، مختتماً بذكر فضائل أيام التشريق وما تشرع فيها من تكبير وتزاور وتوزيع لحوم الأضاحي.

الختم بالصلاة على النبي والحمدة لله

يختتم المتحدث الخطبة بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم يختم بالحمد لله رب العالمين خاتماً المجلس بالذكر والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، في هذا اليوم العظيم، يوم النحر، الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر»، وهو اليوم الذي بعد هذا اليوم، يوم النحر. عباد الله، كان أعظم الأيام عند الله سبحانه وتعالى لأن فيه أمورًا عظيمة. في هذا اليوم المبارك العظيم هو عيد الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة ووجد أهل المدينة يلعبون في يومين، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قد أبدلنا الله، قد أبدلنا الله، قد أبدلنا الله خيرًا منهما: عيد الفطر وعيد الأضحى». فهذا العيد، وهو يوم النحر، أعظم الأيام عند الله، فيه تراق الدماء، دماء الهدي ودماء الأضاحي لله رب العالمين، فتقع من ذلك المسلم، تقع هذه الدماء وتقع عند الله سبحانه وتعالى وتعالى بمكان، ربنا سبحانه وتعالى عظم هذا اليوم. عباد الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك عندما قدم المدينة قال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما نقوم به في هذا اليوم أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا». هكذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه من حديث البراء بن عازب: «أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا». عباد الله، إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا اليوم العظيم أوصى، أوصى بفئة غالية على قلوبنا، فئة تعيش في بيوتنا، إنهم النساء. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في يوم الأضحى: «استوصوا بالنساء خيرًا، استوصوا بالنساء خيرًا»، متفق عليه، جاء من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك في غير الصحيحين من حديث عمر بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه. النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بهذه الفئة الغالية من النساء: من النساء الأمهات، ومن النساء الأخوات، ومن النساء البنات، والزوجات، والعمات، والخالات، أوصى بهن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الرؤوف الرحيم، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذه الفئة من الناس فئة ضعيفة، وهن أسيرات كسيرات، فيحتجن عباد الله إلى العطف، ويحتجن كذلك إلى الحنو، ويحتجن إلى القيام بأمورهن وشؤونهن من الإنفاق عليهن، وكسوتهن، وإطعامهن. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات». هكذا نبينا عليه الصلاة والسلام يوصي بالضعفاء، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. يعلم أن كلنا يحتاج إلى النساء، فمن منا يا عباد الله يستغني عن النساء؟ سواء كانت والدته، أو كانت أخته، أو عمته وخالته، أو زوجته وابنته، كلنا نحتاج إليهن. ومن نحن بعد الله سبحانه وتعالى إلا بهؤلاء النساء التي جعلهن الله عز وجل تحت أيدينا؟ فالله الله يا عباد الله في النساء. يقول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ينبغي على كل مسلم أن يقي أهله كما يقي نفسه، يقي أهله من النار، وخاصة النساء، فيبذل وسعه ويجتهد في تعليم النساء، يبذل وقته ويبذل جهده في تعليم النساء ووقايتهم ووقايتهم مما حرم الله سبحانه وتعالى. النبي عليه الصلاة والسلام من رحمته بالنساء ومن اهتمامه بالنساء في يوم العيد خطبهن عليه الصلاة والسلام، وجعل لهن خطبة لحالهن، فجاء مع بلال كما في حديث جابر للمتفق عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر النساء، إني رأيتكن أكثر أهل النار»، أو قال: «حطب جهنم». فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله، ولمذاك؟ ولمذاك؟ النبي عليه الصلاة والسلام أمرهن بالصدقة وأمرهن بالاستغفار، لأنهن عندهن أمور، أمور عظيمة، ينبغي علينا أن نهتم بهن. يا عباد الله، فلهذا وعظهن نبينا صلى الله عليه وسلم. لمذاك يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير». قال بلال، أو قال جابر: «فجعلن يتصدقن من حليهن وخواتيمهن، يلقين في ثوب بلال». النبي عليه الصلاة والسلام كان رؤوفًا رحيمًا، يهتم بمثل هذه الشرائح في المجتمع، لكي يكون مجتمعًا متماسكًا ومجتمعًا قويًا. فإذا كان الناشئات في البيوت مطيعات لله عز وجل، قائمات، حافظات للغيب بما حفظ الله، نشأ البيت بيتًا مسلمًا، بيتًا مستقيما على طاعة الله عز وجل. فالله الله أيها الرجل، أيها المسلم، يا من ولاك الله عز وجل على النساء، أن تدخل عليهم، أن تدخل على النساء في البيت ما حرم الله سبحانه وتعالى. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول، أن يضيع من يقوت، كفى به إثمًا». لا أحد أعظم من هذا الرجل الذي ما صان أهله وما حفظ أهله، وأدخل عليهم ما حرم الله سبحانه وتعالى، أو تركهم دون نصح ودون رعاية ودون اهتمام حتى ضاعوا. وخاصة نحن يا عباد الله في زمن ابتلينا فيه بوسائل، وسائل التواصل، وهذه الجوالات التي صارت في أيدي الكبير والصغير، الرجل والمرأة والطفل، تراهم مشغولين بهذه الجوالات، الكثير منهم يضيعون الصلاة ولا يحافظ على الصلاة إلا من رحم الله، ضيعوا كثيرًا من الأمور بسبب هذه الفتن التي دخلت. فأنت الراعي أيها الرجل على أهل بيتك، ومسؤول عن رعيّتك، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأوصى نبينا عليه الصلاة والسلام كذلك بالجيران، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». جارك يا عبد الله، عليك به، عليك به من الوصاية، وكذلك عليك به من النصح، وعليك به من الزيارة، تعاهد جيرانك بالخير، فإن هذه وصية جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومما أوصى به نبينا عليه الصلاة والسلام كذلك، أوصى بالضعفة، أوصى بالمساكين، أوصى بالأيتام، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: «أوصاني خليلي بوصايا من الخير، وقال منها: بالدنو من المساكين وبحبهم». أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالقرب من المساكين لأنهم ضعفاء لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال، فحري بنا عباد الله في مثل هذا اليوم العظيم، ممن امتن الله عز وجل عليهم بالنعم العظيمة والمال الكثير، الذين عندهم أضاحي، أن يتفقدوا الجيران، ويتفقدوا الفقراء والمساكين، ويتفقدوا ذوي الاحتياجات، فإن هذا يوم مواساة، يوم المواساة، يوم إظهار العطف، يوم إظهار الرحمة، يوم إظهار الشفقة. كذلك عباد الله، يوم إظهار التعاون وإظهار التكاتف بين عباد الله المؤمنين. النبي عليه الصلاة والسلام كان يذبح في المصلى، وكان عليه الصلاة والسلام يفرق اللحمة على الضعفاء والمساكين. احذر يا عباد الله أن يكون، أو أن تكون تلك الأضحية التي تضحي بها تكون للمحاباة، أو تكون للمباهاة، فإنها هذه الأضحية تقع عند الله عز وجل بمكان، فينبغي أن تواسي بها كما تأكل منها، كذلك تواسي بها المحتاجين. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «ليس منا، ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا»، يعرف حق كبيرنا، أي الكبار في السن. هذه وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أوصى بالكبار، أوصى بكبار السن، لأن لهم خبرة، وإن كذلك لهم مزية في المجتمع المسلم، فينبغي على الصغار أن يتأدبوا مع الكبار، يتأدبوا معهم، ويحترموهم، ويقدروهم. وكيف إذا كان الكبار من أهل العلم؟ فإن لهم مزية خاصة، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ويعرف لعالمنا حقه». فالعلماء أيضًا موصى بهم. هكذا نبينا صلى الله عليه وسلم أوصى بهذه الشرائح في المجتمع، كذلك أوصى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطلاب العلم الذين يحملون العلم في صدورهم ويبينونه للناس، ويدعون إلى الله سبحانه وتعالى. كان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه إذا رأى طلبة الحديث قال: «أهلًا ومرحبًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم». هؤلاء المشمرون، هؤلاء الذين ينيرون للناس الطريق، ويبينون للناس، طلبة العلم ينبغي الاهتمام بهم، طلبة العلم ينبغي الاحتفاء بهم، طلبة العلم كذلك عباد الله ينبغي علينا أن نقدم لهم الغالي والنفيس لأجل أن يستمروا في طلب العلم، لأنها وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه الوصايا العظيمة كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحث بها أمته، وينبههم في أكثر المحافل، وخاصة في العيد، لأنه يجتمع فيها أناس كثر، فكان عليه الصلاة والسلام يوصي بالضعفاء، ويوصي بهؤلاء من النساء وغيرهم، لأجل أن يكون هذا المجتمع مجتمع رحمة، مجتمع تعاطف، مجتمع تكاتف. المجتمعات لا تقوم إلا بهذا، تقوم وتكون قوية إذا كان بعضهم يرحم بعضًا، ويعطف بعضهم على بعض. في هذه الأيام، الأيام المباركة، أيام التشريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل». فأنعم يا عبد الله، أنعم وأكرم بهذه الأيام المباركة الفاضلة التي يسن فيها التكبير أدبار الصلوات. وهكذا أيضًا يا عباد الله، يكون فيها الأضاحي إلى آخر أيام التشريق، توزع ما استطعت من اللحم على عباد الله الفقراء، تواسي المحتاجين، وتواسي كذلك الجيران، وتواسي الأهل والأقارب. في هذه الأيام تشرع التهنئة، تشرع التهنئة بالعيد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله تعالى عليهم يهنئ بعضهم بعضًا. يشرع التزاور والتحابب في الله سبحانه وتعالى. إن هذه الأيام أيام مباركة وأيام فاضلة، نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا فيها وإياكم للعمل الصالح، يوفقنا فيها وإياكم لما فيه خير لديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.