الخطبة بعنوان نماذج من تطبيق السلف لطاعة ولي الأمر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ذو القعدة 1441هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
تؤكد الخطبة وجوب طاعة العلماء والأمراء عند أمرهم بطاعة الله والمعروف مستندة إلى نصوص قرآنية وسنية وأقوال ابن باز، مبينة أن معصيتهم تعد معصية لله ورسوله. وتوضح أن السلف الصالح كانوا يمتثلون لهذه الأوامر في جميع الأحوال تحقيقاً للمصلحة الشرعية.
يسرد المقطع قصصاً عملية من سيرة الصحابة والتابعين تجسد طاعة ولاة الأمور في المصالح العامة، كامتثال عمار بن ياسر لتصحيح عمر في التيمم، ومنع عمر لتميم الداري وعوف بن مالك من القصاص دون إذن. وتبرز قصة المرأة المجذومة التي أطاعت أمر عمر بالجلوس في بيتها حتى بعد وفاته قائلة: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً.
يؤكد المقطع وجوب طاعة ولي الأمر ونوابه لتحقيق المصلحة الشرعية مستشهداً بقصة صبيغ بن عسل وهجر الناس له بأمر عمر حتى تاب. ويبين أن إكرام السلطان بالسمع والطاعة والنصيحة سبب لإكرام الله للعبد يوم القيامة، بينما إهانته بالخروج عليه أو الاستهزاء به موجبة للإهانة الإلهية محذراً من شق عصا الطاعة.
يروي المقطع واقعة نفي الخليفة عثمان بن عفان لأبي ذر الغفاري إلى الربذة، مبيناً امتثال أبي ذر الفوري للأمر وخروجه معتزلاً الناس. ويشير إلى أن ناساً من أهل العراق لحقوا به في منفاه، مما يعكس حرص الصحابة على طاعة ولي الأمر حتى في الشدائد.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يقول العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: دلت هذه الآية الكريمة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، وهم العلماء والأمراء، ودلت السنة الصحيحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذه الطاعة لازمة وهي فريضة في المعروف. هذه الطاعة لازمة، هذه الطاعة عباد الله وهي فريضة واجبة فيما يأمر به العلماء والأمراء؛ لأنها من طاعة الله عز وجل، أي إذا أمروا بطاعة الله وأمروا بالمعروف ونأوا عن المنكر، فيجب على المسلمين طاعتهم. ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يُقاتل من ورائه ويُتقى به». فمن يطع الأمير فقد أطاع رسول الله فهو مطيع لله عز وجل؛ لأن من يطع الرسول يكون مطيعًا لله سبحانه وتعالى. ومن يعصي ولاة الأمر يعصي أمره ويعصي سلطانه وحاكمه فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو عاصٍ لله عز وجل. وإنما جعل الله سبحانه وتعالى أولي الأمر جنة للناس، أي سِترًا ووقاية، فهم يحمون المسلمين من عدوهم، وهم يمنعون المسلمين بعضهم من الاعتداء على بعض، فهذه من خصائص ولاة الأمر يا عباد الله. ولهذا ينبغي أن نعرف كيف كان السلف رحمهم الله تعالى يتعاملون مع هذه النصوص الشرعية وكيف يفهمون هذه النصوص الشرعية، هل كفهمنا وهل كعملنا وهل كتطبيقنا؟ إنه فرق وبون شاسع بيننا وبينهم، فهم يمتثلون للأوامر ويعملون بالأوامر كما يجتنبون النواهي. الأدلة يا عباد الله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عمل السلف الصالح كثيرة على طاعة ولاة الأمور في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة عليهم. فهذا عمار رضي الله تعالى عنه في قصته مع عمر التي رواها الإمام مسلم في صحيحه كما رواها الإمام النسائي رحمه الله تعالى، لما كان في سرية فأجنبا فلم يجد الماء، فأما عمر فلم يصل، وأما عمار كما يحكي القصة يقول: فتمسح في التراب ثم صليت، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك». فقال عمر، قال عمر رضي الله عنه لعمار: اتق الله، أي ما هذا الذي تحدث به؟ اتق الله. قال: يا أمير المؤمنين إن شئت لم أحدث به. فقال: إنما نوليك ما وليت، إنما نوليك ما وليت. فهذا عمار رضي الله عنه فهم معنى قول الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. يقول عمر: إن شئت أن لا أحدث بهذا الحديث فعلت. هكذا يكون السمع والطاعة لولاة الأمور، أي إذا منعوا التحديث ومنعوا الكلام في المساجد وغيرها فإنه يمتثل لأمرهم إذا كان في ذلك مصلحة للناس وللبلاد والعباد. وهكذا جاء تميم الداري رحمه الله إلى عمر يريد أن يقص ويعظ ويذكر الناس بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: لا، فنهاه عن ذلك. ثم جاءه الثانية فنهاه، ثم جاءه الثالثة فقال له عمر: إن شئت، وأشار بيده هكذا أي الذبح. إن هذا الأمر خطير يا عباد الله أن لا يمتثل لأمر ولاة الأمور فيما فيه مصلحة للناس. وهذا عوف بن مالك رضي الله عنه دخل المسجد فوجد كعب بن عياض يقص ويحدث الناس، فقال لبعضهم: هل استأذن هذا الأمير؟ أي هذا الذي يقص، هل استأذن الأمير؟ وكان في زمن معاوية. ثم حدث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحديث، فامتنع بعدها كعب بن عياض رضي الله عنه عن القصاص، أي عن أن يقص ويحدث الناس في المساجد. فامتناع أهل السنة من التحديث ومن الدروس أو المحاضرات أو نحو ذلك امتثالًا لولاة الأمر إنما هو من طاعة الله سبحانه وتعالى. وروى مالك كذلك أثر عمر رضي الله عنه عندما جاء إلى المسجد الحرام ورأى امرأة تطوف بالبيت وهي جذماء، أي فيها مرض الجذام، قال لها: يا أمة الله لا تؤذي الناس، هذا مرض ربما يعدي وينتشر في الناس. فهذه المرأة كانت جذماء، وعمر رضي الله عنه لما رأى قال لها: يا أمة الله لا تؤذي الناس، فلو جلست في بيتك. قال: ففعلت. هذه المرأة أفقه من كثير ممن يدعي أنه على السنة، أفقه من كثير من الناس ممن يدعي أنهم يطيعون ولاة الأمور ولكنهم في مَناء عن ذلك. هذه المرأة كان بها مرض الجذام فامتنعت وجلست في بيتها بعد أن قال لها عمر ذلك. فلما مات عمر رضي الله عنه وأرضاه قيل لهذه المرأة: إن الذي منعك قد مات. انظروا يا عباد الله ماذا قالت هذه المرأة؟ قالت: ما كنت لأطيعه حيًا وأعصيه ميتًا. هكذا هم الذين يسمعون آيات الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويفهمونها ويمتثلون بها ويعملون بها: ما كنت لأطيعه حيًا وأعصيه ميتًا. إن غاب ولي الأمر لكن أمره موجود فهو يطاع ولو لم يكن موجودًا حاضرًا. ما دام أن له نوابًا وأن له من يعينه على تطبيق ما أمر به مصلحة للناس فإنه يسمع ويطاع. ولهذا كتب أبو موسى رضي الله عنه كما في سنن الدارمي إلى عمر أن صبيغًا قد حسنت توبته، أن صبيغ بن عسل قد حسنت توبته، وقصته مشهورة في كتب التاريخ. وهذا كان يحدث ببعض الأمور التي تشتبه على الناس، فأمر عمر رضي الله عنه بنفيه إلى العراق، وكان عاملها أبو موسى، وأمر أن لا يجالسه أحد وأن لا يكلمه أحد بل ولا يسلم عليه أحد. امتثل الناس لأمر عمر رضي الله عنه لمصلحة شرعية حتى حسنت توبته، فرجع بعد ذلك إلى الحق وتاب إلى الله عز وجل. فكتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فأمر بعد ذلك عمر الناس بكلامه، فرفع الحظر عنه لما رأى أن المصلحة الشرعية قد تحققت. وهكذا ولاة الأمور، نحن لا ندرك ما يفعلونه وهم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى، فإنهم ليسوا مسؤولين عن واحد ولا عن اثنين ولكن عن أمة بكاملها، سيقفون بين يدي الله فيسألهم الله عز وجل عن من ولاهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها المسلمون عباد الله، جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا أهانه الله يوم القيامة». رواه الإمام أحمد من حديث أبي بكر وحسنه العلامة الألباني في الصحيحة. هذا الحديث العظيم يا عباد الله فيه إكرام السلطان، وإكرام السلطان يكون بعدة أمور: يكون بالسمع والطاعة، ويكون بمشاورته، ويكون باستئذانه، ويكون بمعاونته، ويكون بنصحه، ويكون بأمور كثيرة مما فيها الخير للبلاد والعباد. ولهذا يُكرم سلطان الله في الأرض، فإذا أكرمت السلطان - والسلطان اسم لما يُحْكَم به، ذلكم الإنسان الذي ولاه الله عز وجل على البلاد والعباد، سلطان حاكم أو أمير أو غيرهم - فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر في هذا الحديث أن من أكرم السلطان في الدنيا أكرمه الله عز وجل يوم القيامة، وهو ظل الله في الأرض كما قال عليه الصلاة والسلام. ومن أهان السلطان أهانه الله عز وجل يوم القيامة بين الخلائق، يهان هذا الذي أهان سلطان الله. ويهان السلطان بالخروج والافتئات عليه، بالخروج عليه ومحاربته ومقاتلته، هذه إهانة، وعدم السمع والطاعة له فيما أمر، والاستهزاء والسخرية بهذا السلطان، كل هذا لا يجوز عباد الله. بل الواجب على المسلم أن يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز له أن يشق عصا الطاعة وأن يخرج على ولاة الأمور. وانظروا يا عباد الله إلى فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، جاء عند ابن أبي عاصم من حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال: لما خرج أبو ذر إلى الربذة لحقه ناس من أهل العراق، وقصته معروفة مع عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان الخليفة آنذاك هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. خرج أبو ذر وامتثل الأمر، خرج إلى الربذة وامتثل أمر السلطان وهو الخليفة عثمان رضي الله عنه، وترك أمور الدنيا وذهب واعتزل الناس في الربذة. فجاءه ولح