كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5

كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5

الدرس في كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حد القذف: تعريفه وأدلته وشروط المحصن وعقوبته

يشرح المقطع حد القذف لغةً واصطلاحاً مستدلاً بآيات سورة النور وحديث السبع الموبقات، ويبين أنه من الكبائر. يفصل شروط المحصن في باب القذف وهي: الحر، البالغ، المسلم، العاقل، العفيف، ويوضح أن عقوبة قذف المحصن هي الجلد ثمانين جلدة ورد الشهادة والتفسيق، بينما قذف غير المحصن يستوجب التعزير فقط.

شروط إقامة حد القذف في المقذوف والقاذف

يبيّن المقطع شروط المقذوف لإقامة حد القذف وهي: أن يكون حراً، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، وعفيفاً مع تفصيل علامات البلوغ واستثناء الكافر والمجنون ومن اشتهر بالفجور. كما يذكر شروط القاذف وهي: البلوغ، العقل، والاختيار، مستثنياً الصبي والمجنون والمكره من إقامة الحد عليهم مع جواز التعزير.

ألفاظ القذف الصريحة والكناية وحكم العفو فيه

يشترط في القاذف أن يكون مسلماً فلا حد على كافر قذف مسلماً أو كافراً، وتتفاوت ألفاظ القذف بين صريحة يُقام الحد بها مباشرة وكناية تحتاج لاستيضاح القصد من القاضي. اختلف العلماء في هل حد القذف حق لله فلا يسقط بالعفو ولا يشترط طلب المقذوف، أم حق للآدمي يسقط بالعفو.

موقف الحنفية وابن حزم من مسألة فقهية في حد القذف

يشير المقطع إلى تبني الحنفية وابن حزم رأياً موحداً في مسألة فقهية متعلقة بحد القذف، إلا أن النص مقطوع ولا يوضح طبيعة ما قرروه بالتفصيل. يظهر الاتفاق المنهجي بين المذهب الحنفي وابن حزم في هذه المسألة الخاصة.

  • 19 جمادى الآخرة 1447هـ - 09/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «منهج السالكين وتوضيح الحق في الدين»: «حد القذف». والقذف لغة هو الرمي، يسمى قذفًا. وأما في الاصطلاح فهو الرمي بالزنى وباللواط ونحوه، مثل قول: يا زاني، يا لوطي. هذا هو المراد بالقذف: الرمي بالزنى أو باللواط. والقذف كبيرة من كبائر الذنوب، وردت فيها الأدلة الكثيرة من القرآن والسنة. فأما من القرآن: فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وفي الآية الأخرى أيضًا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، ومنها: قذف المحصنات. فهذا هو أدلة تحريم القذف. قال: «ومن قذف بالزنا محصنًا» - وسيأتي معنا ما المراد بالمحصن. المحصن في هذا الباب يختلف عن المحصن في باب حد الزنا. حد الزنا: قلنا المحصن هو الذي قد تزوج، ليس العبد الذي قد تزوج، كما مر معنا، هذا يسمى محصنًا. وأما في اصطلاح القذف فسيأتي من كلام المؤلف أنه: الحر، البالغ، المسلم، العاقل، العفيف. هذا هو المحصن في هذا الباب. ففرقوا بين البابين، فيقال: ومن قذف بالزنا محصنًا، والمحصن قلنا: هو الحر البالغ المسلم العاقل العفيف، سيأتي تفسيره وبيانه. أو شهد عليه به ولم تكمل الشهادة. نعم، فهنا جلد ثمانين جلدة. يعني: حكم القذف يكون بعدم وجود الشهداء، بمعنى أن الشهود لم يكتملوا، يعني يكون شهودًا أربعة. طيب، فهو أتى باثنين أو بثلاثة، فهنا لا يثبت الزنا، لا يثبت الزنا، فهو قذف. وإن رأوا الميل في المكحلة، هؤلاء الثلاثة لا يقبل القاضي قولهم، لا يقبل القاضي قولهم. أو كذلك يكون أربعة، طيب، لكن بعضهم غير عدول. سيأتي معنا أن من شرط القاذف أن يكون عدلًا، أن يكون ماذا؟ عدلًا. طيب، فإذا لم يكن عدلًا فهنا لا تكتمل الشهادة، لا تكتمل الشهادة. فمن قذف بالزنا محصنًا، أو شهد عليه به ولم تكمل الشهادة، يعني لم يتوفر أربعة شهداء رأوا الميل في المكحلة، فهنا يقام عليه حد القذف، وهو جلد ثمانين، أو جلد ثمانين جلدة كما في الآية، في قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. وجاء أيضًا عقوبة أخرى كذلك، وهي: لم تقبل شهادته بعدها، لم تقبل شهادته، خلاص ترد شهادته لأنه يعد فاسقًا، لأنه رمى مسلمًا بغير بينة، ويحكم عليه بالفسق كما في الآية، قال الله عز وجل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: «وقذف غير المحصن فيه التعزير». غير المحصن هو الرقيق مثلًا، الرقيق إنسان قال لعبد أو لأمة: يا زانية، ولم يكن معه شهداء، فهذا لا يقام عليه حد القذف، وإنما يكون فيه التعزير، لأنه رمي كذب بغير حق فيعزر. وسيأتي معنا الكلام على التعزير. التعزير يعني: الذي لا حد له، فيرجع أمره إلى اجتهاد القاضي أو الإمام، يسجن أو يضرب ضربًا بأقل، يعني رأى مثلًا يضرب عشر ضربات أو يسجن شهرًا أو نحو ذلك، كتأديب له على ما يراه القاضي والحاكم. وكذلك لو رمى مثلًا كافرًا، سيأتي معنا من شروط المحصن أنه يكون حرًا، والحر خرج به ماذا؟ خرج به العبد. فمن قذف يعني عبدًا فلا حد عليه، لأن الإحصان يطلق على الحرية. ودليل ذلك: ما هو الدليل على أن الإحصان يطلق على الحرية؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يعني: فإن أتين بفاحشة، يعني الأمة، الأمة إذا أتت بفاحشة ينصف عليها العذاب وهو الجلد. فالحرة تجلد مائة، صح، كما مر معنا في حد الزنا، وأما الأمة فإنها تجلد خمسين. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. إذن ما المراد هنا بالمحصنات؟ المراد بالمحصنات الحرائر، المراد بالمحصنات: الحرائر. نعم. وكذلك يكون حرًا، يكون حرًا، يكون بالغًا. انتهينا من الحر، يكون بالغًا. والبالغ هو العاقل، هو المكلف، يعني البالغ هو المكلف الذي عليه التكليف، عليه التكليف. وإن البلوغ يثبت بثلاثة أمور، لا يشترط فيه السن، لا يشترط فيه السن، فيكون مثلًا قد احتلم، أو نبت شعر عانته، أو بلغ خمس عشرة سنة. فبأي هذه العلامات، وكذلك يزاد في الأنثى ظهور الحيض، ظهور الحيض. فإذا كان المقذوف بالغًا بإحدى هذه العلامات الأربع فالقاذف يقام عليه الحد، يقام عليه الحد. أما إذا لم يكن بالغًا، صغير ما بلغ بعد، فهنا يرجع إلى التعزير. طيب، لأن البلوغ شرط في القذف، ثبوت حد القذف، لأنه من الإحصان. وكذلك المسلم، لن يكون مسلمًا، فخرج بهذا الكافر. فمن رمى كافرًا فلا يعني يقام عليه حد القذف، لا يقام عليه حد القذف، وإنما فيه التعزير على ما يراه الحاكم. نعم، لأن الكفر أعظم من الزنا، صح، قد وقع فيما هو أعظم من الزنا، هذا الكافر. لكن لا يجوز الافتراء عليه، فهذا يدخل في باب الافتراء. وهذا الإسلام سبحان الله، يعني لم يجز للمسلم أن يرمي ولو كافرًا بباطل، ولو كافرًا لا يجوز أن تكذب عليه، تقول: هذا الكافر سرق وهو لم يسرق، أو زن وهو لم يزني، هذا لا يجوز حرام. لكن هنا المسألة، يعني الكلام على القذف: هل من رمى كافرًا ولم يأت ببينة يقام عليه حد القذف؟ لا، لا يقام عليه حد القذف، لأن من شرط حد القذف أن يكون المقذوف مسلمًا. وكذلك يكون عاقلًا، فخرج بهذا المجنون. فمن رمى مجنونًا بالزنا فهذا لا يقام عليه الحد، لأن المجنون لا يعقل. نعم. والعفيف: المراد بالعفيف هو الذي اشتهر بالعفة، بمعنى ما عنده فجور ولا مجون ولا سوابق، نعم، ولم يتب منها، معروف يعني بفجوره وزناه. فالعفيف هو الذي ليس عنده ذلك الفجور وذلك الاشتهار. فمن قذف المعروف بفجوره أو المشتهر بالعبث والمجون فلا يحد، لأن القذف شرع لحفظ كرامة الإنسان، وهذا لا كرامة له، قد عرف بهذا، قد عرف بهذا. لكن مع هذا كذلك كما تقدم لا يجوز أن ترميه بهذا إذا لم يكن معروفًا وقد شهد عليه بذلك. أما أنه مثلًا يعني ينظر إلى النساء أو يحب التحدث مع النساء، هذا لا يسوغ لك أن ترميه بالزنا. لكن لو عرف بأنه قد زنى وأنه يحب الزنا واشتهر بذلك، وقلت: هذا معروف زانٍ، هذا ليس عليك حد، ولو لم ترَ، لأنه قد اشتهر بذلك، قد اشتهر بذلك وقد علم عنه ذلك، وقد علم عنه ذلك، والله أعلم. طيب، وهنا أيضًا شروط للقاذف. هذا الآن شروط المقذوف وهو المحصن، المقذوف، صح. في هناك أيضًا شروط للقاذف، فينبغي أن يكون القاذف كذلك: بالغًا، عاقلًا، مختارًا. ما معنى بالغ؟ يعني لو صبي قال: فلان زانٍ، هذا لا يقام عليه الحد، لكن فيه التعزير لو رأى الإمام ذلك. كذلك مجنون جاء عندك وعند الناس وقال لهم: فلان زانٍ، أو فلان لوطي، وهو مجنون، فهذا لا تكليف له، لعموم الأدلة: «رفع القلم عن ثلاثة»، ذكر منهم: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق. هذا لا يعني ماذا؟ لا عبرة بقوله. والمختار: خرج بهذا المكره. إنسان مثلًا قيل له: إما أن تقول فلان زانٍ وإلا قتلناك، فقال مكرهًا: فلان زانٍ، فسمعه هذا المتهم، طيب، أو المقذوف سمعه، فذهب عند القاضي وقال: شوف فلان يقول إنني زانٍ، فاستدعاه، قال: لماذا قلت هذا؟ هذا شهود. قال: والله أنا قلت هذا، أكرهني فلان وفلان، وعنده شهود على أن أكرهه فلان. فهنا القاضي يأتي بفلان وفلان، تكون قضية أخرى، أما هو فلا شيء عليه لأنه مكره، لأنه مكره. نعم، هذا أيضًا من الشروط. ومن الشروط كذلك: اشترط في القاذف أن يكون مسلمًا. فلو رمى كافر مسلمًا، أو كافر كافرًا، فهذا لا يدخل في هذا الحكم، لا يدخل في هذا الحكم، لأن الله عز وجل قال في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، «المؤمنات» يستدل به على الأمرين: أن لا يكون القاذف كافرًا، ولا يكون المقذوف كافرًا، ولا يكون المقذوف كافرًا أيضًا. طيب. بقيت مسألة هنا تتعلق بالقذف، وهي: أن ألفاظ القذف منها ما هو صريح، ومنها ما هو كناية ليس بصريح. فالصريح مثل ماذا؟ مثل قولك مثلًا: يا زاني، أو يا لوطي، أو فلان زانٍ، فلان لوطي. هذا لفظ صريح، ما فيه تأويل، صح، وما فيه كناية، فهذا لا شك هو اللفظ الذي يقام عليه حد القذف. طيب، لو أتى بلفظ كناية مثل ما الكناية؟ كأن يقول على امرأة: يا خبيثة، أو فلان خبيثة، أو فلان فاجرة، أو يا فاجرة. هذا اللفظ ليس بصريح، فيحتمل الخبث هنا بمعنى الزنا، ويحتمل الخبث هنا بمعنى عمل سيء آخر، كأن يكون مثلًا يشرب الخمر، أو يعني يعتدي على حقوق الناس، أو نحو ذلك، فهذا أيضًا أعمال خبيثة. فمن قال مثل هذا وطلع أمره إلى ولي الأمر، فهنا قال أهل العلم: يستدعيه الإمام، يستدعيه الإمام، ثم يقول له: ما تقصد بي يا خبيث؟ إذا قال: الزنا، خلاص هذا يقام عليه حد القذف. لكن إذا قال: ما أريد الزنا، وإنما أريد أنه مثلًا سارق، أو أنه مثلًا يشرب الخمر، أو أنه مثلًا يكذب، أو أي معصية أخرى، المعاصي كلها خبيثة، صح، وهو لفظ محتمل. أو يفاجر، الفجور قد يكون بالكذب، قد يكون بالزنا، قد يكون بغيره، صح. فهو قال: أنا أريد بالفجور الكذب، هذا يكذب، أو أريد به مثلًا النظر إلى النساء، ينظر إلى النساء، أو نحو ذلك. فهنا يطلب الإمام يمينه، يطلب يمينه، ويقول له: احلف أنك تقصد هذا، يقول: والله أني أقصد هذا، ولا يقام عليه الحد، لأن هذا اللفظ ليس بصريح، هذا اللفظ ليس بصريح. فإذن ألفاظ القذف منها ما هو صريح، ومنها ما هو غير صريح، ومنها ما هو غير صريح. وهنا مسألة أخرى نختم بها إن شاء الله، وهي: اختلف العلماء، هل حد القذف من حقوق الله أم من حقوق الآدميين؟ ما معنى هذا؟ يعني: إذا كان القذف من حقوق الله، وهذا قول الحنفية، ورجحه ابن حزم، طيب، أنه لا يعني يلغى بالعفو إذا بلغ الإمام، يعني لا يلغى بالعفو إذا بلغ الإمام، لأن هذا حق الله. طيب، فلو مثلًا إنسان قذف إنسانًا واشتكى عليه، فقيل له: أنت قذفت، قال: نعم، قال: خلاص أنا عفوت عنه. إذا قلنا أن القذف حق لله، طيب، فلا يعفى هذا القذف من ماذا؟ من الحد، ولو عفى صاحب الحق، لأن باعتبار هذا حق لمن؟ حق لله، مش للمخلوق، طيب، مش للمخلوق للآدم، وإنما هو حق لله. كذلك يقام عليه الحد بدون طلب، إذا كان هذا من الحد حق من حقوق الله، بمعنى أن الشخص لو قال: فلان زانٍ، فسمعه بعض الناس واشتكى عليه، قال: هذا يرمي فلانًا بالزنا، فلان ما هو الذي طلب، ما هو الذي اشتكى، فإذن هنا يقام عليه الحد ولو لم يطلب صاحب الحق وهو المقذوف قيام الحد عليه، ولو لم يشتكِ، لأن هذا حق لله. فهمتم هذا الآن؟ مثل الزنا، الزنا حق لله، واضح. فإذا مثلًا فلان زنى بامرأة، ثم المرأة قالت: عفوت عنه، هل يلغى الحكم؟ ما يلغى حكم حد الزنا، لأن هذا حق لله. وهم هكذا، هؤلاء الحنفية وابن حزم، جعلوا