الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يسأل زر بن حبيش الصحابي صفوان بن عسال عن حكم المسح على الخفين بعد الغائط والبول في السفر، فيروي له أن النبي ﷺ كان يأمرهم في السفر ألا ينزعوا خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ويجوز المسح من الحدث الأصغر كالبول والغائط والنوم، مع التأكيد على أهمية سؤال أهل العلم لرفع الحرج.
يبيّن المقطع جواز المسح على الخفين تخفيفاً من الله واستحباب عدم نزعهما استدلالاً بحديث المغيرة بن شعبة، ويذكر أول شروط صحة المسح وهو أن يلبس الخفين على طهارة كاملة (وضوء)، مستدلاً بقول النبي ﷺ: «فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما».
يستعرض المقطع شروط المسح المتمثلة في لبس الخفين على طهارة واقتصار المسح على الحدث الأصغر دون الأكبر كالجنابة، ويحدد المدة الشرعية بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
يختم المتحدث بالتأكيد على أهمية مراعاة شروط المسح على الخفين خاصة في فصل الشتاء لتخفيف المشقة، ويشير إلى أن استكمال أحكام المسح وتفصيلاته سيتم في اللقاء القادم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فلازلنا في الحديث السابع، حديث صفوان بن عسال، بسؤال زر بن حبيش له. فمما ذكر في هذا الحوار أن زر بن حبيش قال: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت أسألك. قوله: «حك في صدري» يعني: ماذا أفعل لما ألبس الخفين؟ كيف أمسح عليهما؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾. قال: ﴿ وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْكَاعِبَيْنِ ﴾ يعني: الغسل في الكعبين، يعني غسل الرجلين إلى الكعبين. فكيف أمسح على الخفين؟ هل سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا في ذلك؟ وهذا فيه أنه ينبغي إذا أشكل على الإنسان شيء أن يسأل ويبحث عن من هو أعلم بهذا الشيء، وهم أهل العلم، حتى لا يبقى في قلبه حرج، ولا يبقى في قلبه إشكال. فهذا الرجل زر بن حبيش جاء وسأل هذا الصحابي الجليل، فأفتى بعلم بما سمع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال صفوان بن عسال: «نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم». فذكر صفوان بن عسال شيئًا من أحكام المسح على الخفين، والخفان قد يحتاج إليهما المسلم، لا سيما عند اشتداد البرد، أو عند وجود مرض في قدميه، أو نحو ذلك. فمن تخفيف الله عز وجل على أهل الإسلام أن شرع لهم المسح على الخفين بشروط. المسح على الخفين يجوز، لكن بشروط تحتاج إلى فقه، وتحتاج إلى علم، حتى لا يمسح عليهما فيبطل وضوءه بسبب تخلفه عن شرط من شروط صحة المسح على الخفين. ويجوز المسح على الخفين ولو لم يكن هناك حاجة، طالما أنك لابس لهما. بل ذكر أهل العلم أن الأفضل المسح على الخفين، وعدم نزعهما، وعدم نزعهما، وعدم نزعهما. واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين: أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم، فأهوى المغيرة لينزع خفيه، أي خفي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهما، أي اتركهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما». فاستدل العلماء بهذا الحديث على أن من كان لابسًا للخفين فالأفضل له أن يمسح عليهما، وأن لا ينزعهما، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة عن أن ينزع خفيه. وكما تقدم أن المسح على الخفين يحتاج إلى علم وفقه، فقد جمع العلماء نظرًا في الوارد من الأحاديث في المسح على الخفين، فجعلوا شروطًا منها: أولًا: أن يضعهما على طهارة. ومعنى «على طهارة»: يعني يلبسهما وهو على وضوء، وهو على وضوء. نعم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة كما تقدم: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما». ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق. المهم أن يكون طاهرًا حال لبسه للخفين، حال لبسه للخفين. والشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر. بمعنى: لو كان لابسًا للخفين ثم أجنب باحتلام أو بجماع أو نحو ذلك، فلا يجوز له أن يتركهما ويغتسل، لا يغتسل وينزعهما، بل لابد أن ينزعهما. ولهذا قال في حديث صفوان بن عسال: «إلا من جنابة». يعني: لا يجوز المسح عليهما إذا كان الحدث من الجنابة. أما إذا كان الحدث من غائط وبول ونوم، فهذا استدل به العلماء أيضًا على أن من نواقض الوضوء: الغائط، والبول، والنوم. فإذا انتقض الوضوء بشيء من هذه الثلاثة، فهنا يجوز المسح على الخفين، لأن العلماء يسمون ذلك بالحدث الأصغر. أما الحدث الأكبر ك الجنابة، أو الحيض، أو النفاس، أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز إبقاء الخفين عند التطهر. نعم، وأيضًا الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، كما جاء في حديث صفوان بن عسال. فلو لبستها الفجر، تبقى فيها إلى ثاني يوم قبل الفجر، وهكذا. متى ما لبستها طاهرة، فتحسب يومًا إذا كنت مقيمًا في بلدك، لست مسافرًا. أما إن كنت مسافرًا، فالمسافر ينشغل ويحتاج إلى مدة أطول، فأجاز له الشرع أن يمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن. نعم، ثلاثة أيام بلياليهن يمسح على الخفين، ولا يلزمه نزعهما. فهذه لمحة يسيرة عن شروط المسح على الخفين، لا سيما ونحن في هذه الأيام في بداية فصل الشتاء والبرد، فقد يحتاج كثير منا في مثل هذه الأيام للبس الخفين، فينبغي أن يراعي هذه الشروط التي ذكرها أهل العلم، ولا يصح المسح على الخفين إلا بها. نكتفي اليوم بهذا، والحديث بقي، نكمله إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.