باب التوبة من رياض الصالحين 6

باب التوبة من رياض الصالحين 6

الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حديث المسح على الخفين وبشارة طالب العلم

يروي زر بن حبيش سؤاله لصفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فيخبره بحديث النبي صلى الله عليه وسلم المجيز للمسافر المسح ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. ويبشره صفوان بوضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم الشرعي رضا به، مبيناً فضل طلب العلم ومكانته العظيمة.

فضل طلب العلم الشرعي وضرورته في شؤون الحياة

يوضح المقطع أن العلم الشرعي شرط أساسي في جميع أعمال المسلم من جهاد وتجارة ومعاملات، وأن الله رفع قدر أهل العلم ووعدهم بالدرجات العلى. ويستشهد بآيات القرآن وأحاديث صفوان بن عسال وأبي الدرداء داعياً المسلم إلى طلب الفقه في الدين والاعتقاد بالغيب.

باب التوبة المفتوح وختام الدرس

يتناول المحاضر حديث باب التوبة الواسع الذي خلقه الله مفتوحاً في المغرب حتى تطلع الشمس منه، مؤكداً سعة رحمة الله تعالى بقبول التوبة. ثم يختم الجلسة بالإشارة إلى طول الحديث وتأجيل استكمال ما تبقى منه إلى دروس قادمة.

  • 25 جمادى الأولى 1447هـ - 15/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب التوبة، الحديث السابع: وعن زر بن حبيش رضي الله عنه قال: أتيت صفوان بن عسال رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فبين نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد! فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوًا من صوته: "ها أنا". فقلت له: ويحك، أغضض من صوتك، فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهيت عن هذا. فقال: والله لا أغضض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة. فما زال يحدثنا حتى ذكر بابًا من المغرب، مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عامًا. قال سفيان - أحد الرواة -: قبل الشام، خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي وغيره، وقال: حديث حسن صحيح. والحديث أيضًا رواه الإمام أحمد وابن ماجة والنسائي، وحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. والشاهد منه في آخره، الشاهد منه في إيراد الإمام النووي لهذا الحديث الطويل، والذي اجتمل على جمل عظيمة وكثيرة فيها من الفوائد، وفيها من الأشياء التي يحتاجها المسلم. فالشاهد منه كما سمعتم في آخره، وهو أن الله سبحانه وتعالى جعل بابًا خاصًا بالتوبة، وهذا الباب أيضًا مما جاء في وصفه أنه كبير، مسيرة عرضه أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة، شك من الراوي. فقال سفيان - أحد الرواة -: قبل الشام، خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. وهذا من كرم الله على عباده، أن رغبهم في التوبة، وجعل لهم من أسبابها ما يحثهم على الإكثار منها. والحديث لما فيه من الفوائد، وما فيه من الجمل المهمة، يناسب أن نتكلم وأن نستعرض هذه الجمل وما فيها من فوائد. فأولًا: ذكر في أول هذا الحديث أن زر بن حبيش أتى صفوان بن عسال. صفوان بن عسال من صحابة رسول الله، جاء من أجل أن يتعلم العلم منه، وأن يسأله عن مسألة فقهية تتعلق بأمر الطهارة، وهي المسح على الخفين. والخف هو ما يلبس على الرجلين، ما يلبس على الرجلين. فقال صفوان بن عسال لزر بن حبيش: ما جاء بك؟ لماذا جئت؟ ماذا تريد؟ فقال: ابتغاء العلم، جئت من أجل أن أطلب العلم، وأنت من صحابة رسول الله. ففرح صفوان بن عسال ورغبه في هذا العمل الجليل، وهو طلب العلم والسؤال عن العلم. فقال صفوان بن عسال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. وهذا فيه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم، وعلى طلب العلم. والمراد هنا بالعلم: العلم الشرعي الذي جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا إذا أطلق العلم في الشرع، في الكتاب أو في السنة، فيتوجه مباشرة إلى العلم الشرعي من الكتاب والسنة. أما علم الدنيا فالدنيا لها طلابها. فالمراد بالعلم هنا العلم الشرعي. وهذا فيه نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، طلب العلم نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله. فالجهاد في سبيل الله كما أنه يكون بالسيف والسنان، كذلك يكون بالحجة والعلم والبيان. بل ذكر بعض أهل العلم أن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسيف والسنان، لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم، إنما يكون بالعلم، والجهاد بالسلاح مبني على العلم، مبني على العلم. فالمجاهد إذا لم يكن عنده علم بالشريعة لا يستطيع أن يجاهد ولا يقاتل، ما يدري متى يحجم ومتى يقدم، ومتى تحله الغنيمة ومتى لا تحله الغنيمة، وما هو القسم الذي يستحقه من الغنيمة، وكيف يتعامل مع الأسرى، وكيف كذلك يتعامل مع الأمير. كل هذا يحتاج إلى علم. ما من أمر من أمور الدين والدنيا إلا وهو بحاجة إلى علم، حتى تجارتك وبيعك وشراؤك وحرفتك، هذه تحتاج منك إلى علم، تحتاج منك إلى علم تبتعد عن الربا إذا تعرف أنواع الربا، تبتعد عن الغش تعرف ما هو هذا الغش، وهكذا كيف تتعامل مع البائعين ونحو ذلك. وكل هذا يحتاج إلى علم. ولذلك رفع الله عز وجل أهل العلم، لما في هذا العلم من شرف ومن أهمية. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. ولذلك في قول صفوان بن عسال هذا فضل من فضائل العلم، وهو أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، رضا بما يطلب. فالله عز وجل يرضى عن طالب العلم، والملائكة ترضى عن طالب العلم، وهكذا المؤمنون يرضون عن طالب العلم، لأن بطالبه للعلم حفظًا للدين، وهكذا رفعًا للجهل. وهذا أمور لا شك أنها مما يرفع به المؤمن. فالملائكة تضع أجنحتها رضا بما يطلب، واحترامًا له وتعظيمًا. ولا يقول قائل: أنا ما أشاهد الملائكة، وأنا ما أشعر بذلك، فهذا أمر غيبي، فإن لم تشعر به فواجب عليك الإيمان به. فالأمور الغيبية يجب على المسلم أن يؤمن بها وإن لم يشاهدها وإن لم يحس بها. وهذا من صفات أهل الإيمان: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، الذين يؤمنون بالغيب. فالواجب عليك أن تؤمن بمثل هذا، وأن تعلم صدق ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في حديث أبي الدرداء بمعنى ما ذكر صفوان بن عسال: وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، رضا بما يصنع. وفي هذا رضا بما يطلب. ففي هذا فضل العلم، فينبغي للمسلم أن يجعل له حظًا من هذا العلم، وأن يسأل عن أمور دينه، وأن يتفقه في شرع ربه سبحانه وتعالى. فبهذا يعبد الله عز وجل على علم وبصيرة. والحديث طويل، فله بقية، فإن شاء الله نؤجل ما بقي منه في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم.