الصوارف عن الحق

الدرس في الصوارف عن الحق، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التمسك بالصراط المستقيم وخطر الجهل والبدعة

يؤكد المحور على وجوب اتباع صراط الله المستقيم الذي جاء به النبي ﷺ، محذراً من الانحراف الناتج عن الجهل بالشرع واتباع البدع. ويستشهد بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء كابن تيمية وابن القيم، مبيناً أن الحق لا يُعرف إلا بأهل العلم ومضرباً المثل بسلمان الفارسي وعمرو بن عبسة في تحري الحق.

التحري عن الحق والصوارف المانعة منه

يشدد المحور على أن معرفة الحق تتطلب تحرياً صادقاً وطلباً جاداً مستنداً إلى أقوال العلماء وآيات القرآن. ويحذر من الصوارفة التي تبعد عن الصراط المستقيم كاتباع الهوى والكبر ومخالطة أهل الباطل، مبيناً عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.

الصوارف عن الحق وأسباب الانحراف التفصيلية

يستعرض المحور أبرز الصوارف المفصلة التي تبعد المسلم عن الحق، ومنها صحبة أهل البدع، والاغترار بالكثرة، والتقليد الأعمى للآباء، والذنوب التي تسلب الهدى. ويؤكد أن الحق يُعرف بالدليل والبرهان لا بالكثرة، مستدلاً بأقوال النبي ﷺ وسلف الأمة في التحذير من هذه المزالق.

ضرورة الهداية وسؤال الله التوفيق والثبات

يقرر المحور أن كل عبد محتاج للهداية مستشهداً بالحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته». ويختتم بالدعاء إلى سؤال الله التوفيق والثبات على الحق حتى اللقاء به، مؤكداً أن الهداية منة إلهية لا غنى للعبد عنها.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. في هذه الآية الكريمة يأمر الله عز وجل باتباع صراطه المستقيم ونهجه القويم الذي هو هذا الدين العظيم، ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحذر سبحانه من الانحراف عن هذا الصراط المستقيم والخروج عنه أو الصد عنه. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال كما في حديث النواس بن سمعان: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران عليهما أبواب مفتحة، وعلى تلك الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتفرقوا»، وفي رواية: «ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، إذا أراد أحد أن يدخل تلك الأبواب قال له: ويلك لا تدخله، إنك إن تدخله تلجه». فالداعي على رأس الصراط كتاب الله تعالى، والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم. ولهذا يجب علينا عباد الله أن نتمسك وأن نمشي على هذا الصراط المستقيم الذي رسمه الله عز وجل لعباده في كتابه الكريم وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً، وخط حوله خطوطاً متفرقة، فقال: هذا صراط الله» - أي الخط المستقيم - «وعلى جوانبه السبل، وعلى رأس كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليه». يجب على كل مسلم أن يحذر من الانحراف عن هذا الصراط المستقيم، وإنه لا يتأتى الانحراف عن هذا الصراط المستقيم إلا بأسباب قد بيّنها الله عز وجل في كتابه الكريم، كما بيّنها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأسباب كثيرة، ونذكر منها ما تيسر. فمن هذه الأسباب التي تصرف الإنسان عن الحق وتخرجه عن الصراط المستقيم: الجهل بما في شريعة الله عز وجل، الجهل بهذا الدين العظيم الذي بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ولا تجد أحداً وقع في بدعة إلا لنقص اتباعه، إلا لنقص اتباعه للسنة علماً وعملاً، وإلا فمن كان بها عالماً ولها متبعاً لم يكن عنده داعٍ إلى البدعة، فإن البدعة يقع فيها الجهال بالسنة». وهكذا قال رحمه الله: «وكثيراً ما يضيع الحق بين الجهال الأميين». أي أنك لا تجد الحق يا عبد الله عند الجهلة، فلا تجده في الأسواق، ولا تجده في المقاهي والطرقات والشوارع، ولا في الملاعب، وإنما تجد الحق عند أهل العلم. إذا أردت الحق أن تثبت عليه وتعرفه واضحاً جلياً، فعليك أن تعرفه من أهل العلم. وهكذا يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في «هداية الحيارى»: «والأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جداً، فمنها الجهل به، فإن هذا هو السبب الغالب على أكثر النفوس، هذا هو السبب الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئاً عاداه وعاد أهله». هكذا يقول رحمه الله. وفي هذا المعنى يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة». إذا أردت أن تعرف الحق فعليك أن تعاينه بنفسك وتنظر إليه بعينيك وتسمعه بأذنيك. ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «إنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». من خالف الحق وخرج عن هذه الشريعة السمحة، فإنما لجهله بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». لا يعلمهن كثير من الناس، الشبهات لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، فهم الذين يبينون للناس ما أراد الله عز وجل في كتابه وما أراد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. فلهذا ينبغي على كل مسلم أن يتعلم، وينبغي عليه أن يعرف الحق من مظانه، على الله عز وجل أن يوفقه وأن يهديه للاستمساك بالحق والسير عليه حتى يتوفاه الله عز وجل. ومن الصوارف عن هذا الحق العظيم، عن الصراط المستقيم والنهج القويم الذي جاء به رسولنا الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم: التفريط والتقصير في تحرّي الحق عند كثير من الناس. ولهذا يضيع الحق بين أوساطهم لأنهم لم يسألوا عنه ولم يتحرّوه. فإذا سألوا عنه وتحرّوا الحق كما تحرّاه من قبلهم لعلموه ولعرفوه. ولنا أسوة عباد الله بسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، كيف أنقذه الله عز وجل من بين أحضان المجوس عبدة النيران، هداه الله للإسلام لحرصه على الحق ولشدّة تحرّيه للحق، وفّقه الله عز وجل فكان من المهتدين. وهكذا عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه، بحث عن الحق وجاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الدين العظيم، ويقول له: من أنت؟ فيقول له النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا نبي». فيقول: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله». قال: وبما أرسلك؟ قال: «أرسلني بكسر الأوثان، وصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً». عمرو بن عبسة وفّق للحق لأنه تحرّاه وذهب وطلبه، كما طلبه أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه فوفّق للإسلام، ما جلس في قومه بل رحل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بخبره، كل ذلك لأجل أن يصل إلى الحق. يقول العلامة صديق بن حسن بن خان رحمه الله تعالى كما في «قطف الثمر»: «ولا يعرف الحق إلا من اتصف بخمسة أوصاف، لا يعرف الحق إلا من اتصف بخمسة أوصاف: أعظمها الإخلاص، وثانيها الفهم، وثالثها الإنصاف، ورابعها الحرص على معرفة الحق، وخامسها شدة الدعوة إلى ذلك». انظروا رحمكم الله إلى قول هذا العالم: من الذي يعرف الحق؟ إن الحق لا يهجم على القلوب، وإنما الحق يعرف بالتحرّي وبالطلب، فإذا طلبه الإنسان وجده. ولهذا لما سألوا معاذاً رضي الله تعالى عنه عن العلم والإيمان ومن يرجعون بعده، قال: «إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما»، أي في الكتاب والسنة. من أراد العلم والإيمان، من أراد العلم والإيمان فعليه أن يتحرّاهما في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إنما وضع في البدع من وضع لقلّة اتباعهم للأنبياء عليهم الصلاة والسلام علماً وعملاً». كثير من الناس ما يتحرّى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، معرض عن الهدى، ومعرض عن الخير، ومعرض عن العلم، ولهذا يقع في الشهوات ويقع في الشبهات. والله سبحانه وتعالى حكم عدل، ولا يظلم ربك أحداً. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «تكفل الله عز وجل لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة». انظروا عباد الله إلى من طلب الحق فوجده، فإن هذا سبب عظيم من أسباب الثبات على هذا الدين العظيم وهذا الصراط المستقيم والنهج القويم. فمن لم يتحر الحق، فمن لم يتحر الحق وقع في ظلمات الشبه، ووقع في ظلمات البدع والخرافات، عياذاً بالله. ومن الصوارف عباد الله، ومن الصوارف عباد الله عن هذا الصراط المستقيم والنهج القويم وهذا الحق العظيم الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اتباع الهوى. إن كثيراً من الناس ربما يخالف أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام تبعاً لهوى وشهوات نفسه. الله سبحانه حذر نبيه داود عليه الصلاة والسلام من اتباع الهوى لأنه يصد عن سبيل الله. قال الله عز وجل: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. من يهديه من بعد الله؟ من يهديه من بعد الله إن كان متبعاً لهواه؟ أفلا تذكرون؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال الصديق رضي الله تعالى عنه: «إني أخشى إن تركت شيئاً من أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أزيغ، أن أزيغ عن الحق». إن ترك شيئاً من أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام خشي على نفسه أن يزيغ الله قلبه. قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «حذار حذار من أمرين، حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء: أحدهما رد الحق لمخالفته هواك». كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. عاقبهم بتقليب القلب، عاقبهم بتقليب القلب لأنهم ردوا الحق باتباع أهوائهم. ألا فليخشَ كل مسلم على نفسه أن يرد شيئاً من أوامر الله جل وعلا أو أوامر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسبب اتباع هواه. ويقول العلامة المعلمي رحمه الله تعالى: «وأما من كره الحق واستسلم للهوى فإنه يستحق أن يزداد من الله ضلالاً». أما من استسلم لهواه وكره الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا يستحق من الله جل وعلا أن يزيده ضلالاً. ومن الصوارف عن الحق عباد الله، وعن الصراط المستقيم والنهج القويم الذي كان عليه نبينا الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الكبر. الكبر يخرج الإنسان عن الحق، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ابن مسعود: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». الكبر بطر الحق، أي دفع الحق ورده، والعياذ بالله. قال الله سبحانه حاكياً عن إبليس أنه أبى السجود لآدم عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. انظر إلى هذا المتكبر على الله. قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. استكبر عن أمر الله عز وجل فصرفه الله عز وجل عن الحق. اليهود، اليهود عليهم من الله ما يستحقون، عرفوا نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم بما عندهم من الأخبار، ولكنهم كبراً، ولكنهم كبراً في نفوسهم وظلماً وعلوّاً ردوا ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. الجزاء من جنس العمل، علموا الحق وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، وإن كثيراً منهم ليعلمون الحق، ﴿لِيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. انظر يا عبد الله إلى هؤلاء كيف صرفهم الله سبحانه وتعالى عن الهدى وعن النور وعن الإسلام بسبب أنهم تكبروا في أنفسهم. ومن الصوارف عباد الله عن الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مخالطة أهل الباطل. فإن الله عز وجل حذر في كتابه الكريم من مخالطة أهل الباطل، ومن مخالطة أهل السوء لأنهم يصدون عن الحق وعن الطريق المستقيم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في السنن من حديث أبي هريرة: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي موسى: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن تحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة». وهكذا يقول الإمام الذهبي كما في «السير»: «صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق، صحبة الفساق، صحبة الأشرار تورثك يا عبد الله الإعراض عن الحق وعن هذا الدين العظيم وعن هذا الخير الذي جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». ومن الصوارف عن الحق والانحراف عن الطريق المستقيم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن بعض الناس يغتروا بكثرة أهل الباطل، فيظن أن الكثرة هي المحمودة. كلا والله، الكثرة جاءت مذمومة في كتاب الله جل وعلا. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِن كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، فوصفهم بأنهم قليل. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء». انظروا يا عباد الله، إن الحق لا يعرف بالكثرة. لهذا قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى: «إياك أن تغتر بما يغتر به الجاهلون، فإنهم يقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما كانوا أقل الناس عدداً، والناس على خلافهم، والناس على خلافهم». هذه مقالة الجهال ومقالة أهل الإغترار. وأما أهل البصيرة في الدين فإنهم لا يغترون بالكثرة، وإنما يعرف الحق بالتمسك به، يعرف الحق بالدلائل، ويعرف الحق بالبرهان وبالحجة والبيان، لا بكثرة الهذيان. عباد الله، يعرف الحق بـ «قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها المسلمون، عباد الله، ومن الصوارف كذلك عن الصراط المستقيم والنهج القويم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: التقليد الأعمى للآباء والأجداد، أو للأسلاف والأعراف، أو للمشايخ ونحوهم. فإن هذا قد ذمه الله عز وجل في كتابه الكريم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُم﴾. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمرهم باتباع ما أنزل الله عز وجل، لا باتباع الآباء، ولا باتباع الأجداد، ولا باتباع المشايخ وأهل الأعراف وغير ذلك، وإنما أمرهم باتباع الكتاب والسنة، ما أنزل الله جل وعلا. ولهذا قال الإمام المعلمي رحمه الله تعالى: «واعلم أن الله عز وجل قد يوقع بعض أهل الفضل في شيء من الخطأ، قد يوقع بعض أهل الفضل في شيء من الخطأ والزلل، ليعلم سبحانه: أيتبعون الحق ويدعون قوله، أم أنهم يغترون بفضله وجلالته؟». ثم ذكر حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه وهو في الصحيحة، أنه قال رضي الله تعالى عنه لأهل البصرة وقد خرجت عائشة رضي الله تعالى عنها بالجيش: «والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أإياه تطيعون، ليعلم أإياه تطيعون أمها؟». انظروا عباد الله إلى هذه الموعظة العظيمة من عمار، يذكرهم بطاعة الله واتباع ما أنزل الله، وأن الفضلاء قد يصيبون ويخطئون، يصيبون ويخطئون، فلا يتابعون على ما أخطأوا فيه، وإنما تحفظ لهم كرامتهم ويحفظ لهم جاههم. هكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا عباد الله، من أعظم الصوارف عن الحق: الذنوب والمعاصي. الذنوب والمعاصي فإنها سبب من الأسباب التي يسلب الله عز وجل بها من العبد الهدى والعلم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمَةً أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. تتابعت وتكاترت عليهم الذنوب والمعاصي، فحرمهم الله عز وجل نعمتين: حرمهم الهدى فهم في ضلال، وحرمهم العلم فهم في جهل عظيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والله عز وجل جعل مما يعاقب به الناس على ذنوبهم سلب الهدى والعلم، سلب الهدى والعلم. إذا سلب الله عز وجل من العبد الهدى فمن يهديه من بعد الله؟ وإذا سلب الله عز وجل منه العلم، إذا سلب منه العلم فمن الذي يعلمه؟ من الذي يعلمه؟». عباد الله، وهكذا يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «إن الرجل ليعمل بالذنب فينسى العلم الذي كان يعلمه». ونذكر أنفسنا عباد الله بما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من سؤال الله عز وجل الهداية وهو أعظم المهتدين. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: «اللهم أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، واهدني ويسر الهدى إلي». وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وعلم الحسن رضي الله تعالى عنه أن يقول: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت». إن سؤال الهداية لا يستغني عنه عبد من العباد، لأن الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم». فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للهداية، ونسأله سبحانه أن يثبتنا وإياكم على الحق حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.