الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع اسم الله "البصير" الوارد في القرآن أكثر من أربعين مرة مع الاستشهاد بآيتين، ويوضح أن البصير هو الذي يرى كل شيء ظاهراً وباطناً دقيقاً وجليلاً لا تخفى عليه خافية في السماوات والأرض.
يؤكد المقطع أن علم الله تعالى بتفاصيل خلقه يورث العبد الذل والخضوع ودوام المراقبة، فيبعده عن الذنوب استحياءً من نظر الله، ويضرب مثالاً بامرأة ذكرّت رجلاً في خلوة بأن خالق الكواكب يراهم فتردعه عن المعصية.
يسوق المقطع آية ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ وقصة الفتاة التي رفضت غش اللبن قائلة: "إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا"، فاستحسن عمر موقفها وزوجها لابنه فكان من نسلهما عمر بن عبد العزيز، مبيناً أثر المراقبة في صلاح الفرد والمجتمع.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم بكل شيء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف وفقه الله في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله "البصير". قال: وهو اسم تكرر وروده في القرآن الكريم في مواضع تزيد على الأربعين، منها قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58]. و"البصير": أي الذي يرى جميع المبصرات، ويبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى مجارى القوت في أعضائها، ويبصر ما تحت الأراضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع، ويرى تبارك وتعالى تقلبات الأجفان وخيانات العيون، فلا يخفى على الله جل وعلا شيء من أمور العباد، وهو يبصر أعمالهم ويبصر أفعالهم، ما ظهر وما بطن، ما أعلن وما أسر، ما عظم وما دق، فإن الله سبحانه وتعالى يراه. وقد أحسن من قال: يا من يرى صف البعوض جناحه ** في ظلمة الليل البهيم الأليلي ويرى مناط عروقها في نحرها ** والمخ من تلك العظام النحلي أمن علي بتوبة تمحو بها ** ما كان مني في الزمان الأول ثم إن لهذا الاسم العظيم اقتضياته من الذل والخضوع، ودوام المراقبة والإحسان في العبادة، والبعد عن المعاصي والذنوب؛ لأن الإنسان إذا علم أن الله سبحانه وتعالى يبصره ويراه، فإنه يكف عن المعاصي، ويستحي أن يراه الله سبحانه وتعالى على معصية، فيورثه ذلك البعد عن الذنوب والمعاصي، والذل والخضوع لله جل وعلا بلزوم الأوامر واجتناب النواهي. قال ابن رجب رحمه الله: راود رجل امرأة في فلاة ليلًا، أي في أرض منقطعة، فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مكوكبها؟ أي: أين خالقها ومدبرها؟ ألا يرانا؟ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [العلق: 14]، وكفى بهذا زاجرًا ورادعًا. وما أحسن ما ثبت كذلك في السيرة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يتفقد الرعية في ليلة من الليالي، وإذا به يسمع امرأة وهي تقول لابنتها: اخلطي اللبن بالماء، فقالت هذه البنت الصالحة: يا أماه، إن أمير المؤمنين عمر قد نهى عن ذلك، قالت: أين عمر؟ وأين عمر لا يرانا؟ قالت: فإذا كان عمر لا يرانا، فرب عمر يرانا. هكذا المراقبة والإيمان بمراقبة الله سبحانه وتعالى للعبد وإبصاره لأعمالهم. لما سمع هذا عمر رضي الله عنه، رغب أحد أبنائه في الزواج من هذه البنت، ثم كان من ذريتهما عمر بن عبد العزيز رحمه الله. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يسخطه ويأباه، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا من عباده الطائعين، ومن عباده المتقين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.