الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 118، ألقاها
يتناول هذا الفصل تفاصيل سنة التكبير في الصلاة كما كان يؤديها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون، مشيرًا إلى أن التكبير يكون في كل خفض ورفع. يستشهد ببعض الأحاديث والروايات التي تثبت ذلك.
يتناول هذا الفصل تحليل بعض الاختلافات في الروايات حول أداء التكبير في الصلاة، ويشير إلى أن بني أمية كانوا ينقصون التكبير في بعض المواضع مثل السجود والقيام للتشهد. يبين أن الإمام أحمد وإسحاق إبراهيم فسروا نقص التكبير عند بني أمية بعدم التكبير عند السجود الثاني.
يتناول هذا الفصل آراء العلماء في حكم التكبير في الصلاة، حيث اختلفوا بين القول بالوجوب والقول باستحبابه. يذكر آراء بعض السلف والعلماء في هذه المسألة، مشيرًا إلى أن الإمام أحمد وإسحاق إبراهيم قالوا بوجوب التكبير بينما قال الجمهور باستحبابه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقل بن هاد الواد رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله: أكبرنا قتيبة بن سعيد، وقتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل، أتقى في البغلاني، اجتمع في آبائه ثلاثة من السعداء: سعيد، وطريف، وجميل، فيها معنى السعادة وطيبة بن سعيد. وكان حافظًا كبيرًا، روى عنه أهل الكتب الستة، بل حتى الإمام أحمد روى عنه. كذلك أيضًا أهمة الإسلام: إسحاق إبراهيم، وأيضًا أبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم من أئمة الإسلام، كلهم قد روى عن قتيبة بن سعيد. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عوانة، وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري البصري رحمه الله، كان عبدًا لرجل من أهل البصرة ثم اعتقه، وصار حافظًا من حفاظ الحديث، وهو مملوكًا عبدًا، لكنه اجتهد في العلم حتى صار حافظًا من حفاظ الحديث. قال عن عبد الرحمن بن الأصم، وهو بصري ثقة، قال: سئل أنس بن مالك عن التكبير في الصلاة، فقال: يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين. فقال حطيم: الظاهر أن حطيم عندك عنا بالحوط، حطيم، مهو حكيم؟ في بعض النسخ: الظاهر فقال حكيم. قال: فقال حطيم: عن من تحفظ هذا؟ فقال: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ثم سكت. فقال له حطيم: وعثمان؟ قالوا: عثمان. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال الإمام محمد: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأصم، قال: سئل أنس عن التكبير في الصلاة وأنا أسمع، قال: يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام بين الركعتين. قال: فقال له الحكيم -هنا في رواية الإمام محمد: حكيم، الظاهر هذا الصحيح- فقال له حكيم: عن من تحفظ هذا؟ قال: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر، ثم سكت. فقال له حكيم: وعثمان؟ قال: عثمان. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال الإمام محمد أيضًا: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان -هذا الثوري، سفيان الثوري، أبو نعيم إذا روى عن سفيان فهو الثوري، وإذا روى عن ابن عيينة فإنه يسميه، يقول: ابن عيينة، لكنه مكثر بالرواية عن سفيان، وهو كوفي- قال: حدثنا سفيان أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، سعيد بن مرزوق الثوري، عن عبد الرحمن الأصم، قال: سمعت أنسًا يقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان يتمون التكبير إذا رفعوا وإذا وضعوا. ومعنى يتمون التكبير: أن يكبروا في كل خفض ورفع، يكبر في كل خفض ورفع، فهذا معنى إتمام التكبير. ولأن هذا كان بنو أمية ينقصون التكبير، كان بنو أمية ينقصون التكبير. فقال الإمام أحمد: إنهم لا يكبرون عند السجود الثاني، ولا عند السجود الأول. معنى ما يكبرون: لا عند السجود الأول ولا الثاني، معنى عند الهوي ما يكبرون، وعند أيضًا السجود الثاني إذا سجدوا السجود الثاني لا يكبرون، وإنما يسجدون بدون تكبير. وهذا صار على بني أمية حتى عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يفعل ذلك، حتى صارت مثل السنة. وقيل: إن أول من فعل هذا كما جاء عن عبد الله بن مسعود أنه الوليد بن عقبة كان يفعل ذلك. وجاء حديث من حديث عبد الرحمن بن عبزة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر تكبيرة الإحرام ثم ينقص التكبير، لكن هذا الحديث لا يثبت لأن فيه رجل مجهول، وأيضًا فيه اختلاف في سنده، فهو لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينقص التكبير. ومعنى ينقص التكبير: أي لا يكبر في بعض التكبيرات، لا يكبر في بعض التكبيرات كما قلنا حمله الإمام أحمد على تكبيرة السجدتين الأولى والثانية، وحمله إسحاق إبراهيم على التكبيرة، قال إسحاق إبراهيم: كان بنو أمية لا يكبرون تكبيرة السجود الثاني. وأيضًا جاء في بعض الآثار عن ابن عباس أن بني أمية أيضًا كانوا لا يكبرون في قيامهم في التشهد، كانوا لا يكبرون في قيامهم للتشهد. فالظاهر أنهم كانوا لا يكبرون في الأمور الظاهرة. وأما تكبيرة الركوع والقيام منه فإنهم يفعلونه. وانتشر هذا الأمر حتى أنكر على بعض الناس. والظاهر أن هذا ليس من بني أمية وإنما كان من قبلهم، لأنه قد جاء في الصحيحين من حديث مطرف بن عبد الله قال: صليت أنا وعمران بن حسين مع علي بن أبي طالب بالبصرة، قال: فصل فكان يكبر في كل خفض ورفع، فكان يكبر في كل خفض ورفع. فلما انتهى من صلاته، فقال عمران بن حسين: ذكرني هذا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ذكرني هذا يريد علي بن أبي طالب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء في رواية أن عمران بكى، وقال: لقد ذكرني بصلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما جاء أبو هريرة، صلى أبو هريرة في المدينة، فكان يكبر في كل رفع وخفض. ما جاء في صحيح مسلم، والحديث صحيحين، فقال أبو سلمة: فقالوا: يا ما هذا يا أبا هريرة التكبير؟ وهذا معنى من المشكلات العظيمة أن هذا التكبير نقصه الناس حتى في مدينة رسول الله، أن هذا حصل في المدينة. فقالوا: ما هذا التكبير يا أبا هريرة؟ فقال: هذا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال أيضًا أبو صالح وغيره: قال: دخل علينا أبو هريرة، فقال: إن الناس قد تركوا ثلاثة من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وذكر منها أنهم ينقصون التكبير، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتم التكبير، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتم التكبير. وفي هذا الحديث استنكر على أنس رضي الله عنه كلامه، فلما سئل عن التكبير في الصلاة، قال: يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام بين الركعتين. وجاء في رواية أنه قال: يكبر في كل ما خفض ورفع، فاستنكروا هذا، فقالوا: عن من تحفظ هذا يا أبا حمزة؟ فقال: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر. قال حكيم: وعثمان؟ قالوا: عثمان. يعني أن هذا كان في عهد هؤلاء الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاء الثلاث. والظاهر أنه تغير هذا الأمر في عهد عثمان لما كان الوليد بن عقبة أمير المدينة كان يصلي بهم أحيانًا، وجعله أمير الكوفة كان يصلي بهم في الكوفة الوليد بن عقبة، فكان ينقص في التكبير. وسبحان الله كيف انقطعت هذه السنة عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض التابعين. وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت عن أحد منهم أنه قال غير ذلك. ولما صلى عكرمة في مكة، قال: صليت خلف رجل في مكة -أي في الحرب- قال: فكان يكبر في كل خفض ورفع. وهذا الحديث في البخاري. قال عكرمة: فقلت لابن عباس: صليت مع رجل أحمق يكبر كل ما خفض ورفع. قال ابن عباس: هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا أم لك. وغيرها جاهضًا كذلك عبد الله بن مسعود أيضًا أنه أنكر صلاة بعض أهل الكوفة في نقصهم التكبير. فتبين من هذه الأحاديث أن السنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه كانت إتمام التكبير، إتمام التكبير أي تكبير في كل خفض ورفع. وأما ما جاء أنه كان أو بعض كان ابن عمر ينقص التكبير، جاء في بعض الآثار عن عبد الله بن عمر وهو صحيح، رواه مسعر بن كدام عن يزيد الفقير عن ابن عمر أنه كان ينقص التكبير في الصلاة، ينقص إليه لا يكبر في السجدة الثانية. ولكن إن كان هذا ثابتًا عن ابن عمر كما قال بعض الأئمة كان الحافظ ابن رجب، فقد ثبت عنه بالأسانيد الصحيحة المعروفة من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، ومن طريق الجريري عن سالم عن نبيه أنه كان يتم التكبير، أنه كان يتم التكبير. فقد يكون مثلًا لصوته كان منخفض فلم يسمعه يزيد الفقير، ويجيد ليس ممن كان يداوم مع ابن عمر، وليس ملازمًا له كنافع وسالم ابنه، وهم أعرف بابن عمر من غيره. فلهذا قد روى سالم وكذلك نافع عن ابن عمر أنه كان يتم التكبير. وما ثبت أو ما جاء عن يزيد الفقير فإنه يحمل على أنه لم يسمع صوته، أن لعله كان صوته منخفض فظن أنه كان ينقص التكبير مثل ما يفعل بنو أمية. أو أنهم تركوه للفتنة مثل ما قال أبو هريرة: ثلاث سنن تركها الناس. وجاء كذلك عن عمران بن حسين أنه قال: كنا نعرف ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد يكون الصحابة تركوا ذلك لأجل الفتنة، لأجل الفتنة. وقد جاء عن بعض السلف قالوا: أنها جاء عن ظاهر أنس وغيره أنه من أنقص التكبير فصلاته صحيحة، صلاته صحيحة، وجعل ذلك إنما هو من أمور مستحبة. فخلاصة هذا الكلام أن التكبير الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه هو إتمام التكبير كما يفعل الناس الآن. وما حصل في زمن بني أمية فهو خطأ، وهذا كما قلنا من الأشياء العجيبة، حتى في مدينة رسول الله والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمت قديمًا في زمن عثمان في زمن علي كان يفعل ذلك في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا من أمور العجيبة أنها تترك مثل هذه السنن في ذلك الزمان، لكن الصحابة رضي الله عنهم لم يتركوا ذلك، بل نبه الناس على هذا الأمر. قد ذكر الإمام البخاري رحمه الله ثلاثة أحاديث ذكر في باب إتمام التكبير، ذكر قصة عمران، وأيضًا ذكر قصة عمران أيضًا مرة أخرى من الطريق الأخرى، وذكر قصة ابن عباس. وحصلت أيضًا هذه القصة كما عند أحمد لأبي موسى الأشعري أنه صلى مع علي، وقال: قد ذكرني بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان كلما كبر أو كلما صلى كلما على كبر، وكلما خفض كبر. وقد جاء كما ذكر الحافظ ابن رجب عن سبعة أو عشرة من الصحابة أو أكثر هذا الأمر، قد جاء عن كثير من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتم التكبير. وجاء هنا رواية الإمام أحمد من طريق سفيان الثوري عن عبد الرحمن الأصم، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يتمون التكبير إذا رفعوا وإذا وضعوا. وكما قلنا إتمام التكبير أي الجهر به، الجهر بالتكبير في كل خفض ورفع. فهذه الآن المسألة: هل التكبير في كل خفض ورفع واجب أم أنه مستحب؟ فأما أحمد وإسحاق إبراهيم قالوا بوجوبه، قالوا بوجوبه، بل قالوا أو قال أحمد وإسحاق: إن من تركها تعمدًا فصلاته غير صحيحة، صلاته لا تجزئ. من ترك التكبير تكبيرات الانتقال. أما تكبيرة الإحرام فلا خلاف أنها ركن من أركان الصلاة، إلا ما جاء عن الزهري أنه قال: إنها سنة، وهو قول شاذ، وإلا أكثر العلماء، بل بعض ذكر الإجماع على أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة. لكن اختلفوا في تكبيرات الانتقال: تكبيرة عند الركوع، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وغيرها. فقال أحمد: إنها واجبة. وقال الجمهور من العلماء: إنها مستحبة، إنها مستحبة لا تبطل الصلاة لأجلها. وكان الإمام أحمد يرى أنه لا ينبغي لمن قال: إن في الصلاة قرآن فرض وسنة، فهو جاء ببدعة. من قال: إن في الصلاة فرض وسنة جاء ببدعة. وقال الإمام أحمد: هذا كلام الزنادقة، وهذا هم يريدون ليس يريدون هذا المعروف الكلام أن هذا مستحب، صلاة صحيحة، فيه الإمام مالك نفسه يقول: صلاة صحيحة، لكن يريدون التقسيم في الصلاة، فجعل شيء يعمل به وشيء لا يعمل به، أو التهاون بأشياء في الصلاة، فهذا الذي لا ينبغي. لهذا قال الإمام مالك: هذا كلام الزنادقة، يريد أنه لا يهول شيء في الصلاة، هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فيعمل بما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يقال: هذا واجب، هذا مستحب، هذا كذا، حتى يهول أو عدم العمل بها. لكن استقر كلام العلماء على هذا التقسيم لأجل أن يعرف الإنسان ما هو واجب في الصلاة فلا يتركه أبدًا، وما هو مجزئ في الصلاة إذا تركه. والأدلة دلت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن هذا التكبير هو قد يكون من الواجبات. فمن ذلك ما جاء في سنن أبي داود في حديث رفاعة بن رافع، ذكر فيه الأمر بالتكبير، تكبيرات الانتقال. وحديث رفاعة بن رافع مختلف فيه، لأن علي بن يحيى أو يحيى بن علي بن رافع مختلف: هل هو مجهول أو أنه يقبل حديثه؟ والظاهر أنه يقبل حديثه. ففي هذا الحديث فيه الأمر بالتكبير، لكن هذا الحديث كما قلنا فيه اختلاف، فلا يعتمد عليه اعتماد كل، إلا إذا جاء هناك حديث آخر. وإلا أكثر السلف يرون التجوز في التكبير، معنى إذا ترك شيء من التكبيرات لم يرفع صوته أو لم يكبرها، فصلاته صحيحة، صلاته صحيحة. وجاء ذلك عن ابن عمر، وعن أنس، وعن جماعة من الصحابة، وأبو هريرة كذلك. فلهذا هذه من ناحية مسألة لهذا التكبير: هل هو فرض أو سنة؟ وأما من ناحية إتمام التكبير، فهو مثل ما ذكرنا قبل: هو أن يكبر بكل خفض ورفع، وهو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا ما يذكر الله تعالى أعلم.