الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 134، ألقاها
شرح شيخنا مقبل المهاجر لحديث البراء بن عازب عن عرابي سأل النبي ﷺ عن عمل يدخله الجنة. الحديث يبين أهمية الأعمال الصالحة.
عتق الرقبة يعتبر من أعظم الأعمال الصالحة ويؤدي إلى عتق العبد من النار. فك الرقبة يشمل العتق والمعاونة في عتق الرقاب.
الإحسان إلى ذي الرحم الظالم له أهمية كبيرة، وتعدد صور الإحسان مثل إطعام الجائع وسقي الضمآن والأمر بالمعروف. كف اللسان عن الشر مهم إذا عجز الإنسان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل المهاجر -رحمه الله-: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا يحيى بن عادم. يحيى بن عادم هو الأموي مولاه، الكوفي، صاحب كتاب الخراج، وهو إمام وحافظ، محفاظ الحديث. ذكره الإمام أبو الحسن علي بن مديني فيمن انتهى إليه العلم. ذكر علي بن مديني أئمة انتهى إليهم علم الناس، فذكر منهم يحيى بن عادم -رحمه الله-، كان حافظا من الكبار. قال: حدثنا يحيى بن عادم وأبو أحمد. أبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، الزبيري الأسدي على أن ينتسب إلى الزبير بن العوام. فأبو أحمد من مشايخ الإمام أحمد، وهو الأصل فيه أنه ثقة، إلا أنه أخطأ في أشياء عن سفيان الثوري. والإنسان معرض للخطأ مهما كان حفظ الإنسان، لابد أنه يتعرض للخطأ. فقد أخطأ الأئمة الكبار كسفيان وشعبة ومالك، لأن كثرة حفظهم يقعون في الخطأ، لكن قلة أو هذا الخطأ الذي وقعوا فيه يكون قليلا جدا بالنسبة لما يحفظونه. الإمام الدارقطني ألف جزءا سماه "ما أخطأ فيه مالك"، وذكر تقريبا عشرين حديثا أو أكثر قليلا، فهذا بالنسبة لمالك لا شيء لحفظه -رحمه الله-. قال: وأبو أحمد -وهو الزبير كما قلنا- محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، قال: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي، من بني بجيلة، من بني سليم، وهو ثقة كوفي، عن طلحة. وطلحة هو ابن مصرف اليامي. وهذا الإسناد كله كوفي: يحيى بن عادم وأبو أحمد كوفيان، وعيسى بن عبد الرحمن البجلي أيضا كذلك. قال: قال عن طلحة، قال أبو أحمد: حدثنا طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة، وهو أيضا كوفي، عن البراء بن عازب، قال: جاء عرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة. فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة». فقال: يا رسول الله، أوليست بواحدة؟ قال: «لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، أو أن تفرد بعتقها. أفك رقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوقوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، وأسقي الضمآن، وأمر بالمعروف، وأنه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير». قال شيخنا: هذا حديث صحيح. وهذا الحديث فيه أعمال صالحة بينها النبي ﷺ، ينبغي للمسلم أن يحرص عليها. فهذا العرابي -رضي الله عنه- الذي جاء يسأل النبي ﷺ، وقد كانت العرب تحرص على السؤال. وكان أنس يقول: «كنا إذا جاء عرابي فرحنا، رجاء أن يسأل لرسول الله ﷺ». فجاء عرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة. مع أنه عرابي، لكنه سأل سؤالا عظيما. لكن هذا السؤال عريض على أعمال الجنة كثيرة، فلهذا قال النبي ﷺ للعرابي: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة». يعني أنت تكلمت بكلام قليل، كأنك خطبت بكلام قليل، لكن هذا السؤال هو عريض، يعني له أشياء كثيرة، أعمال كثيرة تدخل الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام للعرابي: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة». يعني أعطاه عملا من الأعمال الصالحة العظيمة، لأن أعتق الرقبة من أعظم الأعمال، أن الإنسان يعتق رقبة إنسان آخر مملوك، يعتقه فيجعله حرا. لهذا جاء في الصحيحين: من أعتق عبدا كان له بكل عضو منه عتقا من النار، حتى فرجه بفرجه. أن كل عضو من هذا العبد يعتق عضوا من المعتق. فأعتق العبد ليس بالهينة أن تخرجه من الرق إلى الحرية. ولهذا قال النبي ﷺ: «لا يجزي والد ولده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه». لا يجزي ولد والده لما يقوم به من تربيته ومن النفقة عليه وغيرها، لكن جعل من أعتق والده أو ابنه مملوكا فأعتقه، هذا جزاء يجازي به ما فعله الوالد به. وهذا يدل على عظم العتق وأنه عمل عظيم، حتى قال النبي ﷺ: «أنه يعتق بكل عضو منه عتقا من النار». فقال عليه الصلاة والسلام: «أعتق النسمة وفك الرقبة». فقال: يا رسول الله، أوليست بواحدة؟ فقال النبي ﷺ: «لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها»، يعني أنت الذي تعتقها فقط. معنى إما أنك تشتريها من صاحبها من السيد، أو أن هذا العبد يكون لك فتعتقه. وهذا العبد سواء كان ذكرا أو أنثى. لكن جاء في حديث أبي هريرة: من أعتق ذكرا فلهذا ذهب بعض العلماء أن عتق الذكور أفضل من عتق الإناث، لماذا؟ لأن الذكر يساعد في أمور كثيرة، ومنها الحروب والقتال والجهاد في سبيل الله، فلهذا عتقه أعظم، أن عتقه ينفع، أقرب وأنفع في أعمال الآخرة. والأنثى غالبا نفعها في أمور الدنيا. قال -رحمه الله تعالى-: قال عليه الصلاة والسلام: «وفك الرقبة». قال: أن عتق النسمة تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، أن تعين غيرك، تدفع مال. لكن هناك من يدفع كذلك، إما تعين مثلا في مكاتب كاتب أهله، فتعينه على هذه المكاتبة، فهذا يعتبر من فك الرقبة. وقد بين الله عز وجل أن فك الرقبة أجره عظيم، حتى أنه جعله اقتحام العقبة: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. يعني هذه العقبة الطويلة، وهي عقبة كأود، متعبة، فلهذا تحتاج إلى عمل. فما هذه الأعمال التي تجعل الإنسان يمر هذه العقبة دون أن ينقطع بها؟ فهذه الأعمال منها فك الرقبة. قال: «والمنحة الوقوف». والمنحة الوقوف هو البعير الذي يكون عنده حليب، فيخرج حليبه ويمنحه للفقراء، يعني يأتي الفقراء في أماكن الدر، أماكن تربية الإبل، الري، فتشرب الإبل أو تشرب الغنم، فيكون فيها في ذلك المكان معنى ضراعة تكون ملأى باللبن، فيحلبها ويعطي من كان هناك من الفقراء الذين يتلمسون شيئا من الطعام. فالمنيحة هي التي يجعلها لله، لمن يعطيه هذا اللبن. منيحة اللبن، قد كان الأنصار يمنحون النبي ﷺ منيحة اللبن. فقال: «والمنحة الوقوف». وجاء في رواية عند أحمد: «والمنحة الرغوب». قال: «والفيء على ذي الرحم الظالم». والفيء أي الإحسان على ذي الرحم الظالم، وظالم بقطعه لرحمه، وظالم أيضا بأخذه حقوق غيره. معنى مع ذلك، إلا أن الإنسان يحسن إليه. وهذا من أعظم الإحسان، لماذا؟ لأن هذا الوصل للرحم والإحسان للرحم يدل على رحمة هذا الشخص وعلى عدم تنفيذ غيظه، بل على ترك هذا الغيظ الذي في قلبه. لأن الإنسان غالبا إذا وصل رحمه وهم يقطعونه، غالبا تجد أنه يسئم ويقطع، أو يجد مثلا هناك من رحمه من يظلمه في بعض الأمور، مثلا يأخذ حقه من ميراث أو من غيره، فتجد هذا الشخص لا يبالي مثل هذه الأمور، ويحسن إلى هذا الرحم الظالم. يحسن إلى هذا الرحم الظالم إذا احتاج إلى ذلك الإحسان، يحسن إليه بالمال، أو يحسن إليه بالكلام الطيب، أو يحسن إليه في معاملته، وغيرها من الإحسان. فلهذا النبي ﷺ كما جاء في صحيح مسلم: لما جاءه رجل وقال: يا رسول الله، إن لي أرحاما أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، فقال النبي ﷺ له: «فكأنما تسفهم المل». ولا يزال معك ظهير من الله عليهم ما دمت على ذلك. فالله عز وجل يؤيدك ويعينك، ويجعل معك من يرافقه. قال: «والفيء على ذي الرحم الظالم». قال: «فإن لم تطق ذلك»، يعني ما استطعت أن تفعل مثل هذه الأمور. قال: «فأطعم الجائع، وأسقي الضمآن». يعني أن هذه أمور كلها تعود بالنفع لغيره. وهذا الحديث مما أخذ به ما قاله بعض العلماء: أن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر. لكن كما ذكرنا أكثر من مرة: أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، أن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، ليست على إطلاقها، وإنما هي أفضل في الجملة. وإلا فهناك أشياء من النفع القاصر هي أعظم من النفع المتعدي. فهذا التوحيد هو أعظم شيء في الإسلام، الصلاة من أعظم الأعمال في دين الله جل وعلا، فهي من النفع القاصر. لكن كما قلنا: المراد بهذه القاعدة في الجملة، فالغالب إذا قارنا بين نفع متعد ونفع قاصر، يقدم النفع المتعدي. مثل الآن الإحسان لذي الرحم الظالم، هذا نفع متعد. قال: «فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، وأسقي الضمآن». وهذا معنى يعمله لله عز وجل، يطعم الجوعى، ويسقي ضمآن ماء. قال: «وأمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر». وهذا لا بد منه. فإن لم تطق ذلك، يعني ما استطعت لأجل مثل الأسباب لم تهيئ لك، أو لأجل أن الزمان لم تستطع أن تفعل ذلك، لأجل أنك مثلا فقير أو لغيرها من الأسباب. «فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير». فكف لسانك إلا من الخير، وهذا مثل ما قال النبي ﷺ لأبي ذر كما في الصحيحين: قال له «فكف الناس عن شرك»، فكف الناس عن شرك، فإن لم تستطع فكف الناس عن شرك، بعد ما ذكر له أعمالا مثل هذه الأعمال. فهذه الأعمال تبين أن الإنسان إذا قام بها فإنه لا شك أنه من أهل الجنة، أن الله عز وجل يدخله الجنة. فهذا العمل الذي ذكره النبي ﷺ لهذا العرابي -إن شاء الله- نكتبه. هذا والله تعالى أعلم.