الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 102، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تناول المقطع قاعدة الوسائل لأحكام المقاصد، موضحًا أن الوسيلة تأخذ حكم المقصد، مستندًا إلى أدلة من الأحاديث النبوية. هذه القاعدة تشمل مختلف الأحكام من الوجوب إلى التحريم.
ناقش المقطع أحكام الوسائل في العبادات، مشيرًا إلى أن الوسائل تكون مشروعة إذا كان المقصد كذلك، والعكس صحيح. كما أشار إلى أن الوسائل غير المشروعة لا تنال أحكام المقاصد الشرعية.
تناول المقطع أهمية التمييز بين الوسائل المشروعة وغير المشروعة في الدعوة إلى الله، محذرًا من استخدام وسائل محرمة أو محدثة لتحقيق مقاصد شرعية، مستشهدًا بأمثلة من الممارسات المرفوضة.
أشار المتحدث إلى أنه سيتناول في المستقبل مواضيع متعلقة بالأحكام الوضعية مثل الرخصة والعزيمة والمحكم، وختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول النظم -رحمه الله تعالى- والشرط ما رتب الإجزاء وصحته عليه، أو نفي حكم حين يفتقد، ونافذ وبه اعتد الصحيح، كما مقيضه باطل ليست له عمد. تقدم الكلام عن الباطل الصحيح من الأحكام التكليفية، وأذكر بعض الأحكام الوضعية، هذه بعض الأحكام الوضعية: باطل، الصحيح، والسبب، والمانع. والأحكام التكليفية هي المعروفة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم. ثم قال -رحمه الله تعالى-: ثم الوسيلة تعطى حكم غايتها فرضا وندبا وحضرا عنه يبتعد. أشار -رحمه الله تعالى- هنا إلى قاعدة أخرى، وهي الوسائل لأحكام المقاصد. الوسائل لها أحكام المقاصد، فالوسيلة تعطى حكم المقصد. ثم الوسيلة تعطى حكم غايتها، تعطى حكم المقصد، أي تعطى حكم المقصد إذا كان المقصد واجبا فتعطى الوسيلة ذلك الحكم، فتكون واجبا، إذا كان المقصد مندوبا الوسيلة تعطى هذا الحكم، وهو الندب، وهكذا في المكروه، وفي المحرم، وفي المباح. فالوسيلة تعطى حكم غايتها، أي تعطى حكم المقصد. الوسيلة بمعنى الطريق الموصل إلى ذلك، فلكل عمل طريق. فالواجب لا يتم إلا بأمور يجب أن يفعلها الشخص حتى يأتي بالواجب، من صلاة، وحج، وبر، وغير ذلك. وهكذا المندوب لا يتم إلا بفعل أسباب من الشخص بفعل هذا المندوب، هذه الوسائل وهي الأسباب التي يأتي بها الشخص للإتيان إما بالواجب أو بالمندوب أو بالمحرم أو بالمكروه أو بالمباح. فهذه الأسباب والوسائل التي يتخذها الشخص بأداء واجب أو أداء مندوب أو أداء مستحب أو أداء مكروه أو أداء محرم، حكم هذه الوسائل حكم تلك المقاصد. وهذه القاعدة لها أدلة، منها حديث أبي بن كعب -رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من الأنصار كان بيته بعيدا من المسجد، فقيل له: لو اتخذت حمارا تركبه وتأتي إلى المسجد لتشهد الصلاة. فقال: إني أحتسب ممشاي ورجوعي إلى أهلي. يحتسب ذهابه إلى المسجد ورجوعه إلى أهله يحتسب ذلك بالأجر. أي هذه الوسيلة، أداء الصلاة في المسجد لابد لها من ذهاب ورجوع، فهو يذهب ماشيا يحتسب الذهاب والرجوع، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: قد أعطاه الله ذلك كله. جاء في لفظ: أنطاه الله ذلك كله، أو أنطاك الله ذلك كله، بمعنى أنه أعطي أجر الذهاب وأجر الرجوع. لماذا؟ لأن الذهاب وسيلة لإتيان بالواجب، وهي الصلاة في المسجد، والرجوع كذلك. فمعناه أن الوسائل لها حكم المقاصد، والوسيلة حكم المقصد. وهكذا كذلك ما جاء في بعض الأحاديث، حسنها بعضها العلم، بقول عليه الصلاة والسلام: من خرج يلتمس علما فهو في سبيل الله حتى يرجع. أصل اللفظ الصحيح: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. جاء خارج الصحيح: من خرج يبتغي علما فهو في سبيل الله حتى يرجع. حسن بعضها العلم، هذا الحديث، وهذا الحديث يفيد أن الشخص حين خرج من بيته وهو يطلب العلم، فهو في أجور وهو في سبيل الله إلى أن يرجع، فهو في سبيل الله. طلعوا في السيارة، سفروا إلى بلاد العلم، جاء من بريطانيا، جاء من أمريكا، جاء من فرنسا، كم ساعات قطع، وكم مسافات، منذ أن خرج من بيته وهو يريد مثلا دار الحديث في الشحر، أو دار حديث في بلاد أخرى، أو بلاد الحرمين، إلى آخر ذلك، فهو في أجور. كل الوسائل التي يستخدمها ليصل إلى هذا الغرض، وطلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع. والنبي -صلى الله عليه وسلم- حين ذكر أغواما بالمدينة، كما في الصحيح، قال: ما نزلتم واديا، وما سلكتم شعبا إلا شركوكم الأجر. حبسهم العذر، كم من الشعاب قطعوا، وكم من الأودية سلكوا، خرجوا في سبيل الله، أودية عديدة قطعوها، سلكوا شعابا كثيرة، كل ذلك محسوب، الخطوات، والنزول، والطلوع، كل ذلك في سبيل الله. الذين خرجوا، والذين جلسوا في المدينة وقعدوا، لأنهم قعدوا عن عذر. فالذي يخرج من بيته مهاجر، يقع أجره على الله، كما قال سبحانه: فقد وقع أجره على الله. أجره على الله، كل ما حصل منه، كل ما وقع منه، وما فعل، مدام أنه في سبيل الله، فهو في أجور ذلك. لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فهذه قاعدة عظيمة. كما يقال في الطاعات، وقال في المعاصي: إنسان خرج في معصية الله، فهو في ذنوب ومعاصي، ووزر وأوزار، أوزار متتابعة. لماذا؟ لأن المقصد محرم، أراد مقصدا محرما، المقصد المحرم لا يتأتى إلا بوسائل، بالمشي إليه، بطلوع للسيارة، وهذه كلها أوزار، كلها أوزار. يرجى يذهب إلى مرقص من المراقص، والعياذ بالله، أو مكان من أماكن الدعارة، منذ أن يخرج وهو في آثام، لأن قصده الحرام، وتحصيل الحرام، وفعل الحرام، وفعل الحرام لا يتأتى إلا بوسائل توصل إليه، فهو يطلع في السيارة، ويدفع عجرة، ويسير، ويمشي لإتيان بذلك المقصد، فهذه الوسائل كلها لها حكم المقصد الذي أراده. وهكذا في المكروه، وهكذا في المندوب. إنسان أراد أن يفعل نافلة، أراد أن يذهب إلى العمرة مثلا، قد اعتمر العمرة الواجبة، أو قد حج حج الفريضة، أراد أن يذهب مرة أخرى للحج أو العمرة، حج نافلة، الوسائل مندوبة، الوسائل كلها مندوبة، مستحبة، لأن المقصد مندوب، أداء عمرة نافلة، أو أداء حج نافلة. وأداء الحج الفريضة واجب، ووسائله كذلك واجبة، ويجب عليه أن يأتي بها في الواجب، لوسائل لأداء الواجب يجب عليه أن يأتي بالوسائل الواجبة لإتيان بالواجب. وإن كان مندوبا فلا يجب عليه أن يأتي بالوسائل لأداء المندوب، لكن لو أتى بذلك فهو مأجور. وهكذا في المكروه، فإذا الوسائل لها أحكام المقاصد. هنا ينبه على أمر، وهو أن الوسائل لا أحكام المقاصد المراد الوسائل المشروعة. الوسائل المشروعة ليست كل وسيلة، ما دام أن المقصد مقصد حسن، فإذا الوسيلة لا ينظر إليها، وحكم حكم المقصد. نقول: لا بد أن تكون الوسائل مشروعة. الوسائل المشروعة محبة النبي -عليه الصلاة والسلام- واجبة، مقصد عظيم، أمر به الشرع. طيب الوسيلة إقامة الموالد، إقامة الموالد، طيب وسيلة للإتيان بهذا المقصد، ألا وهو محبة النبي -عليه الصلاة والسلام-. فيقول: الوسائل لأحكام المقاصد تصدق محبة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، والوسائل لأحكام المقاصد، وهذه وسيلة من الوسائل إقامة الموالد. نقول: لا، الوسيلة هنا غير مشروعة، الوسيلة منهي عنها، محدثة. ذكر الله -جل وعلا- التسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، مقصد أمر بالشرع، أمر بذكره -جل وعلا-، وأمر بتسبيحه، وأمر بحمده، هذه مقاصد أمر شرع بها. لكن يجب أن تؤدى بوسائل مشروعة، إذا أديت بوسائل مشروعة، فهذه الوسائل لها أحكام المقاصد. لكن إذا أديت بوسائل غير مشروعة، فهي مردودة. حديث عبد الله بن مسعود عند الدارمي وغيره، حين دخل على أصحاب الحلق، حلق تحلق ويذكرون الله، على كل حلقة الرجل يقول: سبحوا الله مئة، معهم حصائل: سبحان الله، كبروا مئة. هذا ذكر، وهذا تسبيح، هذه مقاصد، مقصد أمر به الشرع: التسبيح، والتكبير، والتحميد. لكن لماذا ينكر عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- على هؤلاء، ويقول لهم: ما أراكم إلا مفتتحي باب ضلالة؟ وهو ذكر: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ضلالة، لا إله إلا الله ضلالة. اليوم يقول له واحد: هذا ضلالة الذي يفعلونه: سبحانا، استغفر الله، استغفر الله، لا إله إلا الله ضلالة. وابن مسعود ماذا قال؟ ما افتتحوا باب ضلالة والغمة، ما يسبون ولا يلعنون، يكبرون، يسبحون، ويهللون. الوسيلة، الطريقة محدثة، فهذه ليست لها حكم المقصد. فننتظر في هذه القاعدة: الوسائل لأحكام المقاصد، الوسائل المشروعة. أما الوسائل غير مشروعة، فلا تشرع، نهى عنها، وينكر ابن مسعود من هذا الباب. وهذا الحديث قاصمة ظهر المبتدعة، أشد حديث على أهل البدع، هذا الحديث أشد حديث. كما أن حديث عبد الله بن مسعود أيضا في القدر قاصمة ظهر القدرية. لله در عبد الله بن مسعود، قسم ظهور أهل البدع، قسم ظهور المبتدعة في إنكاره على هؤلاء أهل البدع، وقسم ظهور القدرية حين حدث بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القدر، وأن الأجال كتبت، والشقاوة والسعادة. والقدرية لا يقرون بذلك. طيب الدعوة إلى الله -جل وعلا-، نشر دين الإسلام، ده مقصد من المقاصد، أمر به الشرع أن ينشر الدين، ويحرص على الدعوة. لكن لابد أن تكون الوسائل مأذونا بها، إذا كانت الوسائل غير شرعية، فلا يقال: الوسائل لأحكام مقاصد. نحن هدفنا الدعوة إلى الله -عز وجل-، نفعل مسرحية، نأتي بعشرة من طلبة العلم، ونمثل مسرحية، ونمثل تمثيلية في قصة صحابي، وإذا في غزوة من الغزوات، واحد في رأسه يطرح له السيف في ظهره، وهذا أبو جهل، وهذا أبو لهب، ونمثل دعوة إلى الله، كيف نصر الله -عز وجل- الإسلام؟ ينكر علينا ما هذا الذي تفعله؟ نقول: ننشر دين الإسلام، نميل الناس، نميل الناس كيف كانت الدعوة، وكيف كان الانتصار، وكيف هذا من الدين؟ مقصد عظيم، وهذه وسيلة نحن اتخذناها. نقول: وسيلة محرمة، يخرج عن نطاق التمثيل من النار، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلم، وأنه وكل بثلاثة منهم ممثل من الممثلين، فسر التمثيل هنا بالمثلة، وفسر كذلك بهذا التمثيل. وللشيخ العلامة بكر أبو زيد رسالة في الإنكار على التمثيل بأدلته. فإذا الدعوة لله مطلوبة، ونشر الإسلام مطلوب، لكن لا يكون بوسائل محدثة. أنظر في التمثيل، أنا سمعت في رمضان هذا العام في مسلسل عمر بن الخطاب، والله المستعان، مثل عمر بن الخطاب، الفاروق، في السابق مثلوا حمزة، وفي الرسالة مثلوا زيد بن حارثة، ومثلوا جماعة من الصحابة. وأما الآن فقد انتقلوا إلى الخلفاء الراشدين، هذا العام عمر، ومن بعد العام المقبل من؟ أبو بكر. جاء عن يوسف، نبينا محمد ما هو ببعيد. إذن الله المستعان، باسم الدين، ولأجل الوسائل لأحكام المقاصد، والغاية تبرر الوسيلة، وهذه قاعدة باطلة أخرى ينتبه لها. الغاية تبرر الوسيلة، خلاص إيش الغاية؟ نصرة الدين، خلاص الوسيلة مبررة، كأنه يقول: افعل ما شئت من وسائل، مدام غايتك نصرة دين الإسلام، إذن يجوز أن تكذب، كذب لنصرة الدين، يجوز الكذب، يجوز الكذب لنصرة الإسلام. يجوز ماذا؟ للغاية نصرة دين الإسلام. طيب نصرة دين الإسلام بالعمليات الانتحارية، بالتفجيرات، يفجر وينتحر، لماذا؟ الأجل الغاية نصرة دين الإسلام. الغاية تبرر الوسيلة، اقتل نفسك، والله عجبه، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وينتحر على قواعد يظنونها حقا وهي باطلة، والعياذ بالله. فهذه القاعدة معنا: الوسائل حكم المقاصد، يجب أن تفهم بما يوافق لدلة الشرعية، بفهم السلف الصالح، وإلا فقط ضل، ضل الطوائف في هذا، حتى من ربما يظن أنه من أهل العلم، زلت به القدم في هذا. وسيأتي معنا -إن شاء الله- بعد ذلك بعض الأحكام الوضعية الأخرى: الرخصة، والعزيمة، وغير ذلك، والمحكم، وغير ذلك -إن شاء الله-. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.