الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول معنى آية ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ويبين دلالتها على وجوب الدخول في الإسلام. يُصنف الناس إلى فئتين: من لم يتدين بالإسلام أصلاً ومن يدعي الإسلام لكنه لا يلتزم بشريعته.
يتناول المقطع الثاني تحذيراً من ادعاءات بعض الفرق التي تزعم إلغاء التكاليف الشرعية والوصول إلى درجات أعلى من الأنبياء. يبين أن العبودية لله هي أساس الدين وأن التكاليف الشرعية لا تسقط عن أحد.
يشرح المقطع الثالث خطورة الابتداع والخروج عن الإسلام، ويعتبر أن المبتدع لم يسلك الإسلام الصحيح. يُؤكد أن من يعمل عملًا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود.
يختتم الخطيب خطبته بدعاء الله أن يجعلهم من المتبعين لأحسن الأقوال ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يُظهر تواضعه واعترافه بقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية مبوِّبًا عليها هذا الباب. بالأمس انتهينا من ذكر الآيات والأحاديث والآثار المروية تحت باب تفسير الإسلام، وهذا بابٌ جديد، لكن المؤلف رحمه الله تعالى لم يذكر لنا عنوانًا، وإنما ذكر لنا آيةً كريمة: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وهذه الآية قد مرت معنا، لو تذكرون، في باب وجوب الدخول في الإسلام، فذكر هذه الآية. لكن هذه الآية أخواني في الله فيها مسألةٌ مهمة، وهو أن الدخول في الإسلام ووجوب الدخول فيه، ودلالة الوجوب قد لا يفهم منها عدم إيجاب أو الدخول في شيء آخر. مثاله: لو قال رجل لأحد الناس: يا فلان أدخل إلى هذا الباب، هذا أمر واجب، فأنت ستدخل إلى هذا الباب ائتماراً لأمر الآمر، لكن هل يستفاد من هذا الخطاب أنك لا تدخل من بابٍ آخر؟ لا يستفاد، ستدخل لهذا الباب للأمر، وستدخل من بابٍ آخر لأنك ما منعت منه. فدلالة الوجوب لا يفهم منها لوحدها دلالة المنع. لكن هذه الآية المذكورة يفهم منها هذا الفهم، وهو أنك تدخل في الإسلام ولا يجوز بحال أن تدخل إلى غيره. ﴿ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، أن هذه الآية يستفاد منها المنع من أن تتدين بدينٍ غير دين الإسلام، فلا يبقى معك إلا الإسلام فقط، إلا الإسلام فقط، فغير الإسلام باطل. وفي هذا الحكم إخواني في الله ممن خرج عن الإسلام تظهر لنا فئتان من الناس. الفئة الأولى هو من لم يتدين بالإسلام أصلا، هو في أصالته معدودٌ من الكفار، لم يتدين بدين الإسلام، سواء كان دينه دين كتابي كاليهود والنصراني، أو غير كتابي كالبوذي والنجوسي، وما إلى ذلك من الأديان الكثيرة. فهؤلاء هم أهل خسارة لأنهم ما دخلوا في الإسلام، ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قاتل الجميع، قاتل هذه الطوائف من عبد عيسى، من عبد الصليب، من عبد الأشجار، من عبد الأحجار، من عبد الأوثان، قاتلهم جميعا، وأجل اليهود من ديارهم. وقبل القتال دعاهم بدعوة الإسلام، فدعا اليهود، ودعا النصارى، ودعا الكفار جميعا. لماذا دعاهم؟ لأنهم لم يرتض لهم هذا الدين الذي هم فيه، لأنه دين باطل. وفي هذا أعظم رد على من زعم أن اليهودية والنصرانية من الأديان المقبولة حتى في هذه الأزمان، وهذا كذب وافتراء وبهتان، فلا دين إلا دين الإسلام، وما سواه فهو دين باطل. وأما الفئة الثانية من من لم يأتي بالإسلام أو تدين بغير دين الإسلام، من هو في ظاهره أنه قد انتمى للإسلام وأنه تحت شعار الدين الإسلامي، لكنه ما يتدين بهذا الدين. وذلك وجهه أنه يرى أنه غير ملزم بشريعة الإسلام، وأنه يسعه الخروج عن شريعة الإسلام، فتجده لا يتقيد ولا ينضبط لا بشرائع ولا بأحكام، ولا يلتزم لا بحلال ولا بحرام. مثاله إخواني في الله، حتى نعلم أمثال هؤلاء ممن هو في ظاهره يدعي الإسلام لكنه يسير على خلاف ما أمره به الإسلام. مثاله من يرى أن هناك في الدين درجة إذا وصل إليها فإن التكاليف الشرعية تسقط عنه، تسقط عنه فلا يمر بصلاة ولا بزكاة ولا بصيام ولا بحج ولا بحلال ولا بحرام، ما يلزم بشيء قط. كمن يدعي بوجود طبقة تسمى بدرجة اليقين، ويستدلون على هذا الباطل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، فيزعمون أنها درجة يصل إليها العبد فحينها يقف عن العبادة. سبحان الله، يقف عن العبادة، إذا تكون عبداً لمن؟ إذا توقفت عن عبادة الله تكون عبداً لمن؟ وهذه من اللوازم العظيمة، من لم يكن عبداً لله سيكون عبداً لغيره. ومن هذا الغير؟ ومن هذا الغير يا عبد الله؟ ومن هذا الذي يزعم أن العبد يمكن أن يصل إلى درجة تسقط عنه التكاليف؟ فإذا كان خير الملأ، سواء كان الملأ العلوي من الملائكة أو الملأ الأرضي من الأنبياء والرسل، الكل أمره ربه جل وعلا بأن يقيم العبودية لله سبحانه وتعالى. هذا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الرمق الأخير كان يتعبد الله، بل كان من أشد الناس تعبُدا، لربما قام الليل حتى تتفطر قدمه. سئل عن ذلك، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً». عبودية لله سبحانه وتعالى، وهكذا جميع المسلمين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، إذا تبقى على الإسلام حتى الرمق الأخير، ما دام هذه الروح تضطرب بين جانبيك، فلابد أن تكون مستسلماً للإسلام، وهو الاستسلام لله بالذل والطاعة والانقياد والمتابعة. فمن أين يأتي من الخزعبلات؟ ثم يفسر هذه الآية، يقول تأويل هذه الآية: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، هي درجة. هذا ليس تأويل، وليس بتفسير، هذا لعب، عبث بكتاب الله جل وعلا، وهذا من فعل الزنادقة. فهذا خروج يرى أنه يتدين بدين غير دين الإسلام، لأنه خرج عن ربقة الإسلام أصلاً، فلا يستسلم لله، وإنما يستسلم لهواه ولنزواته وشهواته. طائفة أخرى من أمثال هؤلاء من زعم أن الولي أرفع من درجة النبي، ثم للولي أن يفعل ما يشاء وما يحلو له. ثم إذ به يقرر بعد هذا التقعيد على أنه هو هو ولي من أولياء الله، أو أن شيخه ولي من أولياء الله، فماذا سيكون المردود؟ وما هي الثمرة والنتيجة؟ الثمرة والنتيجة أنه هو أو شيخه يفعل ما يشاء، يفعل ما يشاء. ولهذا وجد من أقوام من الناس من يبررون لهم على كرامات أتباعهم ومشائخهم، وهي عبارة عن منكرات من زنى وخنى وفعل الفواحش، ما يدنى له الجبين. من أين جاءت هذه الفواحش؟ لما قعدوا هذه القاعدة بأن الولي أرفع من النبي ويفعل ما يشاء، فهم لا يتقيدون بالإسلام، لا يتقيدون. الزنا حرام نعم، لكن في حق الأولياء لا يفعل ما يشاء، فهذا هو الباطل. أمثال هؤلاء مثلا إخواني في الله من لم يلتزم بشريعة الإسلام، يقول: أنتم من أين تأخذون هذا الدين -بين قوسين الدين الإسلامي- من أين تأخذون دينكم؟ إنما تأخذون دينكم من أموات، وأنا آخذ ديني كما يدعي صاحب المقال، وأنا آخذ ديني من الحي الذي لا يموت، فأنا حدثني قلبي عن ربي. إذن من أين يأخذ دينه؟ يأخذوا من هوى، من وحي الشيطان، لأن قلبه حدثه عن ربه، وما يدري من الذي حدث ربه، حدثه أم شيطانه؟ شيطانه الذي حدثه. وقد صرح العلماء أن من تفوه بهذا الاعتقاد، بأنه يأخذ دينه عن ربه مباشرة، فقد كفر. هذا خروج عن الإسلام. الناس يمتثلون الإسلام، وأنت تمتثل الذي في قلبك وهواك، بحجة أنك تأخذ من ربك، وما تأخذ إلا من هواك ومن شهواتك ونزواتك. طائفة أخرى على هذا النمط إخواني في الله، وهو من يرى أن هذا الدين عبارة عن طبقتين، طبقة تسمى بالشريعة، وهم عوام الناس مثلي ومثلك، الذين قاموا بهذه الأعمال الظاهرة، بهذه الأعمال الظاهرة من صلاة وصيام وما إلى ذلك، هؤلاء أهل شريعة، وعلمهم ما يسمى عندهم علم ظاهر. وهناك طبقة أخرى أعظم أجل، وهي طبقة الحقيقة، وهو الذين عندهم العلم الباطن، أو ما يسمى بالعلم اللدني، وهو لأصحاب الكشف والذوق والوجد، وهو لأهل دينهم ليس كديننا، نحن دينهم نأخذ بالظاهر، هذا نأخذه صلاة وصيام، ما تفهمون شيء، هذا لا شيء، هناك دين آخر باطني، هو موجود في الكشف والذوق والوجد، ولا يعرف إلا للخلص، ما من دين هذا؟ هذا أتوا بدين غير دين الإسلام. فهؤلاء إخواني في الله، ومن سمعتم من أفكار، من آراء، من فرق، هؤلاء ابتغوا ديناً غير دين الإسلام، كما تلاحظون، الإسلام يسير هكذا، وهم لهم شق آخر، تدين بغير دين الإسلام كذلك. أدخل العلماء في من لم يتدين بدين الإسلام سائر المبتدعة بشتى صورهم وفرقهم ونحالهم، لأن المبتدع إخواني في الله لم يسر على الدين الإسلامي الصحيح. نحن مأمورون بأن نسير به على هذا الإسلام الذي أمرنا الله بالسير عليه، لكن المبتدع والمبتدعة ساروا على ما على إسلام، لكن ليس بالإسلام الصحيح الذي يرضاه الله ورسوله، وإنما ساروا على دين إسلامي ملطخ، مزور، مغير، مبدل، مليء بالخزعبلات والشطحات والمنكرات والإضافات والبدع والمحدثات والمبتكرات، هذا دينه ملطخ. إذا أردت أن تعرف هل هذا الدين الإسلامي ترقى الشوه؟ ما هذا الدين الذي أمرنا الله بسلوكه؟ ما هذا الدين الذي أمرنا الله بسلوكه؟ وقد مر معنى أن من تدين بعبادة وطاعة لم يأتي بها نبينا صلى الله عليه وسلم فهي مردودة على وجه صاحبها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، يرد، لا يقبله الله عز وجل، لأنه طاعة مبتدعة مبتكرة محدثة. ويؤيد هذا المعنى أيضا ما جاء في الصحيح عن يوم القيامة، ومن مشاهدها أن تجتمع الأمة على حوض النبي عليه الصلاة والسلام، فإذ بأقوام من أمة محمد عليه الصلاة والسلام يُذادون، يُمنعون، يُمنعون عن ورود الحوض، فيقول عليه الصلاة والسلام: «أمتي أمتي»، يُنادي بهم رأفةً بهم رحمةً عليهم، «أمتي أمتي أمتي»، فيُقال له: «يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا». قال: «فأقول سحقا سحقا»، وفي رواية: «سحقا لمن بدل بعدي». بدلوا، هذا حال مبتدع إن صح التعبير. ولهذا أدخل العلماء في هذا الحديث أحوال المبتدعة، لأنهم غيروا وبدلوا من هذا الدين الصحيح الصافي الذي جاء به ربنا عز وجل على لسان النبي عليه الصلاة والسلام. وبهذا أخواني في الله أدخل العلماء المبتدعة أنهم غيروا، غير أدخلوا، وابتغوا دينا غير دين الإسلام، بما أنشأوا من بدع. ثم قال ربنا جل جلاله: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. والخسارة إخواني في الله ليست واحدة، بل الخسارة تتفاوت، هناك خسارة كبرى، وهذا الذي لا يدخل الجنة أبدا، وهناك إن صح التعبير خسارة صغرى، وهو الذي يدخل الجنة متأخرا بعد أن يتعرض لماذا؟ لعقوبة الله سبحانه وتعالى على ما كان من تركه لحقيقة الإسلام. فهذا إخواني في الله ما يستفاد من هذه الآية: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. ومما يستفاد إخواني في الله من هذه الآية أولا: فضل الإسلام، إذ أنه هو دين البشرية جمعا، فمن كان في شرق الدنيا أو في غربها، أو في شمالها أو في جنوبها، أو فوقها أو من تحتها، فليس له دين سوى دين الإسلام. فمن تدين لله جل وعلا بغير دين الإسلام فهو مرفوض، وهو مردود وغير مقبول. ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وأيضا من فوائد هذه الآية أخواني في الله خطورة الخروج عن الإسلام، سواء من خرج عن أصل الإسلام أو من خرج عن حقيقة الإسلام، وأن الخسارة ستلحق صاحبه، إما خسارة كبرى كما سمعت، أو خسارة صغرى، لأن الخروج عن الإسلام إما خروج كلي أو خروج جزئي، وعلى قدر الخروج تكون الخسارة. وفائدة أخيرة كذلك، فائدة أو لطيفة استفادها جماعة من المفسرين في هذه الآية، في قول تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام﴾، الإبتغاء هنا بمعنى الطلب. قال العلماء: إذا كانت هذه الآية إنما نزلت بالحكم بالخسارة على من طلب، لا زال يطلب، يعني الآن ما وصل، لا هو خرج عن الإسلام ويبحث عن دين غير دين الإسلام، يبحث هنا، يبحث في القنوات، ينظر، يدع أن يغير من هذا الدين الذي اتضح حقيقته كما يزعم، قد غششنا بهذا الدين، ضيق عليه بهذا الدين، خرج من الدين ويبحث عن دين آخر. قال العلماء: هذه الآية تدخل في أمثال هؤلاء، يبتغي أن يبحث، يطلب دينا غير دين الإسلام، هذا في خسارة. فما ظنك بالذي يدخل في دين غيره واطمأن به؟ كما قال أبو السعود رحمه الله، قال: «فلا شك أن خسارته أعظم وأفضع». أعظم وأفضع. إلى هنا إخواني في الله نكتفي بما ذكر، وأسأل مولانا جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.