الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 7، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبرأ المؤلف من مذهب الفلاسفة أتباع أرسطو ويبين تأثر بعض أهل الإسلام بهم مثل ابن سينا والفارابي. يذكر اعتقادات باطلة للفلاسفة مثل القول بقدم العالم ونفي المعاد.
ينتقد الشيخ مذهب وحدة الوجود ويبرز ضلال أتباعه مثل ابن عربي وابن سبعين. يوضح أن هذا المذهب يؤدي إلى اعتبار كل شيء معبودا ويبرر عبادة الأصنام.
يتناول انتقاد المذاهب الفاسدة للوحيين مثل المعتزلة وأتباع أرسطو ووحدة الوجود. يحذر من انتقاد الوحيين ويطلب الفقه في الدين والعلم من الله.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وما أرسطو ولا الطوسي أئمتنا ولا ابن سبعين ذاك الكاذب الفند ولا ابن سينا وفارابي به قدوتنا ولا الذي لنصوص الشرع يستند مؤسس الزيغ والإلحاد حيث يرى كل الخلائق بالبارئ قد اتحد معبوده كل شيء في الوجود بدأ الكلب والقرد والخنزير والأسد ولا الطرائق والأهواء والبدع الضلال ممن على الوحيين ينتقد ذكر رحمه الله تعالى في هذه الأبيات البراءة من عدة مذاهب، بعد أن تبرأ فيما تقدم من مذهب الجهمية والمعتزلة والجبرية وغيرهم، تبرأ هنا رحمه الله من هذه المذاهب. مذهب الفلاسفة أتباع أرسطو، فهو من الفلاسفة الذين تأثر بهم بعض أهل الإسلام ونقلوا أقوالهم، كابن سبعين أو كالقونوي وهكذا ابن سينا والفارابي. فابن سينا والفارابي وهكذا القونوي وغيرهم تأثروا بالفلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو. فهناك فلاسفة اتبعوا أرسطو من المتأخرين، تأثر بهم ابن سينا والفارابي وابن الفارض والقونوي وجماعة، فنقلوا أقوالهم وتأثروا بهم. حين ترجمت كتب اليونان والرومان في عهد الخلافة العباسية، فانتشرت كتبهم، فتأثر بها الناس وأعرضوا عن منهج الحق، منهج الكتاب والسنة وسلف الأمة، فكان في نشر تلك الكتب الشر الكثير، وهو انتشار كتب الفلاسفة حين ترجمت للناس، ففيها من العقائد الباطلة. فالمؤلف رحمه الله تعالى تبرأ من أرسطو الفيلسوف وأتباع أرسطو، ومن تأثر به كابن سينا والفارابي وغيرهم. والفلاسفة لهم اعتقادات باطلة، فأرسطو هو أول من قال بقدم العالم، فجعل العالم وجود العالم ووجود الرب جل وعلا متقارنين. وجود العالم ووجود الرب جل وعلا متقارنين، أي لم يسبق وجود الرب جل وعلا وجود العالم، بل العالم والرب جل وعلا جعلهما وجودين مقترنين، وهذا الضلال كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى. وهكذا كذلك الفلاسفة أنكروا المعاد، والفلاسفة كذلك في الحقيقة أنهم لم يؤمنوا بالله جل وعلا ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر. لأنهم يقولون الله جل وعلا موجود بلا ماهية، لا ماهية لله جل وعلا ولا حقيقة، إذن أي وجود هذا يثبتونه إذا لم يجعلوا لهذا الوجود ماهية وحقيقة؟ إذن هو نفي لوجود الله جل وعلا. ولهم اعتقادات باطلة، وهكذا يقولون الله جل وعلا ما كلم الأنبياء. فالفلاسفة لا يثبتون أن الله جل وعلا يتكلم وأنه كلم الأنبياء، وإنما عندهم أن كلام الله الذي قاله الأنبياء إنما هو فيض فاض على نفوسهم. من أين هذا الفيض الذي فاض على نفوسهم؟ قالوا من العقل الفعال. ما هو العقل الفعال؟ منهم من يجعل العقل الفعال الرب جل وعلا، أي أن الأنبياء الكلام الذي تحدثوا به ودعوا الناس إليه وإلى الشرع والشرائع إنما هو فيض فاض على نفوسهم من العقل الفعال. منهم من يقول العقل الفعال هو الله، ومنهم من يقول العقل الفعال فلك القمر، فلك القمر فاض من فلك القمر على نفوس الأنبياء هذا الفيض، لأنهم على استعداد لتقبل هذا الفيض. فلما فاض عليهم ذلك الفيض تكلموا وأنشأوا هذا الكلام. وكأن الرسالات التي دعا إليها الأنبياء لم يأمرهم ربنا جل وعلا بها، وإنما هم تصوروا ذلك وتخيلوا ذلك نتيجة ذلك الفيض الذي فاض عليهم وعلى نفوسهم، فتحدثوا بما تحدثوا به. ولهم اعتقادات كثيرة فاسدة هؤلاء الفلاسفة. فلما ترجمت كتبهم إلى العربية تأثر بها الناس تأثرا، بل المعتزلة تأثروا بهم، وهكذا كذلك جماعة ممن قرأ كتب الفلاسفة تأثروا بهم تأثرا عظيما. فنحن في غنى عن أوزار الفلسفة وأدران المنطق، فكل ذلك لا ينفع صاحبه، بل هو وبال على صاحبه، لأنه عارض عن شرع رب العالمين جل وعلا. ثم لما تبرأ من مذهب الفلاسفة وأتباع الفلاسفة، تبرأ من مذهب آخر وهو مذهب وحدة الوجود، ومذهب أهل الحلول والاتحاد، أتباع ابن عربي وأتباع كذلك ابن سبعين. فهؤلاء قائلون بوحدة الوجود، وأن الوجود وجود المخلوق ووجود الخالق واحد، فلا يفرقون بين وجودين: وجودا للخالق ووجودا للمخلوق، بل عندهم وجود الخالق ووجود المخلوق وجود واحد، اتحد الوجودان الخالق والمخلوق، فصار شيئا واحدا. وذلك يدعون أن الله جل وعلا قد اتحد في سائر مخلوقاته، وقد حل في سائر مخلوقاته. كما قال رحمه الله تعالى: «ولا ابن سبعين ذاك الكاذب الفند»، يعني الكاذب ضعيف الرأي، وضعيف العقل، الفند بمعنى ضعيف العقل وبمعنى ضعيف الرأي، ليس هو بصاحب عقل سليم ولا فطرة سليمة حتى يقول مثل هذا الكلام. وبين رحمه الله تعالى أنهم يستندون إلى نصوص الشرع، فلا مستند لهم فيما ادعوه إلا نصوص الشرع والعياذ بالله، عن طريق المنامات أو عن طريق إبليس الذي زين لهم هذه الأعمال. وإلا فالنصوص واضحة في كتاب الله جل وعلا، بل العقل والفطرة كل ذلك يدل على أن وجود الله جل وعلا غير وجود المخلوق، وليس وجود الخالق والمخلوق سواء وواحد. لكن ضلوا ضلالا كبيرا حتى اعتقدوا أن كل شيء في الوجود هو معبود. ولذلك قال رحمه الله تعالى: «قد اتحدوا كل الخلائق بالبارئ قد اتحدوا، معبوده كل شيء في الوجود بدأ»، كل شيء في الوجود ظهر، فعندهم معبود حتى الكلب، حتى القرد، حتى الخنزير، وحتى الأسد. عندهم كل هذه الأشياء قد حل فيها الخالق جل وعلا، فإذا من عبد الخنزير فقد عبد الله، ومن عبد القرد فقد عبد الله، ومن عبد الكلب فقد عبد الله، ومن عبد الأسد فقد عبد الله. لماذا؟ لأن الله جل وعلا حل في هذه المخلوقات. هذه عقيدة ابن عربي الذي يجعله غلاة أهل التصوف خاتم الأولياء، يقولون في ابن عربي خاتم الأولياء. خاتم الأولياء سمعوا ماذا يقول: «وما الكلب والخنزير إلا ... » إلى آخره. ويقول: «العبد رب والرب عبد، العبد رب والرب عبد»، يا ليت الشعري من المكلف؟ إن قلت عبد فذاك رب، وإن قلت رب أنى يكلف؟ ومعنى هذا أن عندهم العبد والرب شيء واحد، وهكذا كذلك وجود الخالق ووجود المخلوق شيء واحد، فجعل الله يحل في سائر مخلوقاته. حتى منهم من يقول إن موسى لم يفهم الحقيقة التي أرادها فرعون حين قال: «أنا ربكم الأعلى». فرعون أراد الحقيقة، حقيقة أن الله جل وعلا قد حل فيه. ومعنى هذا عندهم حتى فرعون ما قال باطلا، فرعون لم يقل باطلا حين قال: «أنا ربكم الأعلى». لماذا؟ لأن الله حل فيه. ولكن يقولون موسى لم يفهم الحقيقة التي أرادها فرعون. ما هي هذه الحقيقة؟ هي هذه وحدة الوجود، وأن الله قد حل فيه فرعون. فإذن عندهم على هذا المذهب أن عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ليست عبادة لغير الله، وعبادة اللات والعزى وهبل ومناة الثالثة الأخرى ليست عبادة لغير الله، وإنما هي عبادة لله. لأن الله جل وعلا قد حل في هذه المخلوقات، إذن من عبد الأصنام ومن عبد الأشجار ومن عبد غير الله، ففي الحقيقة عندهم أنه ما عبد إلا الله جل وعلا. لأن الله جل وعلا قد حل في هذه المخلوقات. فلذلك يجعلون معبوداتهم كل شيء في الوجود بدأ، أي ظهر: الكلب والقرد والخنزير والأسد. وبعد أن تبرأ من مذهب وحدة الوجود، تبرأ عموما من الطرائق والبدع والأهواء والبدع الضلال ممن على الوحيين ينتقد، يعني يتبرأ من الذين انتقدوا على الوحيين الكتاب والسنة. ومن انتقد على الوحيين جماعة وجماعات في السابق واللاحق ينتقد على الوحيين: على كتاب الله أو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. من أولئك عمر بن عبيد المعتزلي الذي رد حديث القدر الذي رد حديث القدر بزعم أنه يناقض الميثاق، يناقض الميثاق. يزعم أن الله جل وعلا أخذ عليهم الميثاق، وهذا الميثاق يناقضه أن يكون الله جل وعلا قد قدر المقادير. فجعل حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام مناقضا للميثاق الذي أخذه الرجل في زعمه. فلما ذكر بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام حديث الأعمش الذي رواه عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ نُطْفَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَالشَقِيُّ أَوْ السَعِيدُ». الحديث. قال عمر بن عبيد المعتزلي: لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من ابن وهب لرددته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله لما قبلته، ولو سمعته من الله لرددته. ما على هذا أخذت علينا الميثاق، يعني هذا الحديث يناقض الميثاق الذي أخذته علينا يا رب. فإذا نرد ذلك الحديث الذي فيه تقدير المقادير، وهذا فيه انتقاد على وحي، على هذا الوحي، وهي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من انتقد على الوحيين أبو العلاء المعري، انتقد على أحكام الله جل وعلا. ومن تلك الأحكام أن اليد إذا قطعت فديتها خمسمائة دينار، وإذا سرقت ربع دينار قطعت. ديتها تقطع. إذا اعتدى على شخص فقطع يده دية ذلك خمسمائة دينار، فكيف إذا سرقت ربع دينار تقطع؟ قال هذا تناقض. كما قال: «يد بخمس مئين عسجد وديت، ما بالها قطعت في ربع دينار؟!» تناقض. ما لنا إلا السكوت له، ونستجير بمولانا من النار. فرد عليه القائل: «ونعم ما رد به، ولله دره». قال: «قل للمعري عار أيما عار، جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار». «يد بخمس مئين عسجد قطعت، ما بالها وديت في ربع دينار؟!» قال: «صيانة النفوس أغلاها، وأرخصها حماية المال، فافهم حقيقة الباري». فافهم حكمة الباري. فإذا المعري ممن انتقد على وحي رسول الله عليه الصلاة والسلام، السنة، وهذا على كتاب الله جل وعلا في هذا الحكم، وهذا من الانتقاد على الوحيين. وهكذا كذلك الترابي، حين لم يقبل حديث الدباب، رد حديث الدباب في البخاري: «أخبر نبي الله صلى الله عليه وسلم من الدباب إذا وقع في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد شقيه الداء وفي الآخر الدواء». الترابي لم يقبل هذا الحديث، فهذا رد لهذا الحديث، وهذا انتقاد على هذا الوحي، يعني كأنه لم يقبل ذلك، كأنه عنده خبر غير صحيح، وأن هذا لا يمكن. كيف أغمس الدباب؟ هو قد غمس أحد جناحيه، أغمسنا الثاني؟ لأنه عقلاني، فرد هذا الحديث، وهذا من الانتقاد على هذا الوحي، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وآخذ ابن سرور الذي قال: «نصوص العقيدة جفى أحكام جفى»، من الذي جاء بنصوص العقيدة؟ كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، جاء بنصوص العقيدة الوحيان: الكتاب والسنة. كيف يقال في نصوص العقيدة جفى؟ والناس عرضوا عنها، فهذا أيضا من الانتقاد على الوحيين، وأن نصوص الوحيين جفاء. فهذه كلمات يطلقها أصحابها، وفيها من الانتقاد على الوحيين على الكتاب والسنة، لكن لجهل القوم يقولون ولا يعون ما يخرج من أفواههم. ويا ليتهم يسارعون بالتوبة والتصحيح والندم. وإنما إذا قيل لهم ذلك ربما أتوا بالأعذار وأتوا بالتسويفات. فالخلاصة في هذه الأبيات الرد على هذه المذاهب الفاسدة: منهج ومذهب الفلاسفة أتباع أرسطو، ومذهب كذلك وحدة الوجود أتباع ابن عربي وابن سبعين وغيرهم. وهكذا التحذير ممن ينتقد على الوحيين، وهم من أهل البدع والضلال في كل زمان ومكان. نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، ويعلمنا ما جهلنا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.