كتاب الأمور المنهي عنها 62

كتاب الأمور المنهي عنها 62

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 62، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحريم تكفير المسلم ووعيد مطلقه

يشرح المقطع أحاديث نبوية تحرم إطلاق لفظ الكفر على المسلم، مبيناً أن هذه الكلمة ترجع بإثمها على قائلها إن لم يكن المتلفظ به كافراً حقيقة. ويؤكد الشيخ على خطورة التكفير وقبحه مقارناً إياه بالغيبة ومنهج الخوارج الضال.

قواعد التكفير وآداب اللسان النبوية

يبيّن المقطع موقف المعتزلة من مرتكب الكبيرة وقاعدة شرعية تمنع تكفير المسلم بالظن أو التهمة. ثم ينتقل إلى أحاديث النهي عن الفحش وبذاء اللسان، مبيناً أن اللسان نعمة عظيمة يُشكر عليها بطاعة الله.

خطر الفحش في اللسان وفضيلة الحياء

يحذر المقطع من سوء استخدام اللسان في الكلام البذيء والفاحش، مبيناً أنه يهوي بصاحبه في النار ويخرجه من الإسلام. بينما الحياء خلق جميل يحمل على فعل الحسن وترك القبيح، والواجب لزومه واجتناب ما يخل به.

الخاتمة والدعاء الختامي

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. ويختم بالحمد لله رب العالمين والإقرار بأن الله تعالى أعلم بالغيب والشهادة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى: باب تحريم قول المسلم لأخيه: يا كافر. قال عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». قال: «فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه». وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك» -أي: ليس كافراً، وليس عدواً لله عز وجل- «إلا حار عليه». متفق عليه. "حار" أي: رجع. وهذه الأحاديث فيها الزجر الشديد عن أن يقول المسلم لأخيه المسلم: يا كافر. فهذه كلمة عظيمة جداً، لو مزجت بماء البحر لأفسدته وغيرته. إذا كان قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في أم المؤمنين صفية رضي الله تعالى عنها: قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «حسبك من صفية أنها كذا وكذا»، تعني أنها قصيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لأغيرته». كلمة قصيرة، فكيف بكلمات الفجور والفسق والإجرام والعداوة؟ بل كيف إذا كان إطلاق الكفر على من كان مسلماً؟ قال: «فقد باء بها أحدهما»، إما المتكلم وإما المتكلم فيه. قال: «فإن كان كما قال» يعني كافراً أو عدواً لله عز وجل، «إلا رجعت وحارت على القائل والمتكلم». وذكر بعض العلماء أن الذي يرجع إلى المتكلم هو الإثم، إثم ذلكم الكلام الذي أطلقه. وهذا يا إخوان فيه بيان لعظم فتنة التكفير، تكفير المسلمين، كما يفعل الخوارج وغيرهم، يكفرون مرتكب المعصية، مرتكب الكبيرة، وهكذا يحكمون عليه إذا مات على ذلك بالخلود في النار. وشاركهم في هذا المعتزلة فيخلدون مرتكب الكبيرة، غير أنهم خالفوهم في التكفير، فهم يقولون: ليس بمؤمن وليس بكافر، وإنما هي المنزلة بين المنزلتين. وهكذا أيضاً هذا الحديث، أو هذه الأحاديث وما كان في معناها، تعتبر قاعدة مهمة من قواعد التكفير، وذلك أنه لا يجوز أن يكفر المسلم أخاه المسلم لمجرد شبهة، أو مجرد تهمة، أو لظن، أو احتمال. فكم يخيب ولا يصيب في رميه لغيره. لكن من كفره الله عز وجل، أو كفره النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يحكم عليه بالكفر، والذي يتولى ذلك هم أهل العلم، وإلا لاختلط الحابل بالنابل، وكفر من ليس بكافر، وفسق من لا يستحق أن يفسق. قال رحمه الله تعالى: باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان. قال رحمه الله تعالى: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وهذه الأحاديث في هذا الباب فيها النهي عن الفحش والبداء باللسان. واللسان يا إخوان الأصل أنه نعمة امتن بها ربنا عز وجل على هذا الإنسان، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]، إما طريق الخير أو طريق الشر. واللسان يكون نعمة إذا أحسن صاحبه استخدامه، استخدمه في الطاعات. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي بعضها: بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وهكذا باللسان يقرأ القرآن، ويذكر الرحمن، باللسان يستغفر، يسبح، يهلل، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ينصح المسلمين، ويقوم بتعليمهم وتوجيههم، وغيرها من المصالح العظيمة التي يدركها المسلم بسبب اللسان. ومتى ما أساء استخدامها، ولم ينتفع بها، وإنما جعلها في الشر ولأجل الشر، فهنا يكون العكس بالعكس. فبدلاً من أنه يرتفع بها الدرجات العالية، فإنه ماذا؟ بسبب اللسان تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. وهكذا لربما بكلمة يتكلم بها ما يتبين فيها، ولا يلقي لها بالاً، فماذا؟ قد يخرج من الإسلام بسببها. وهكذا قد يقع في الموبقات بسببها، وهكذا يرتكب من الحرام الشيء الكثير بسببها. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث يحذر ويذم التفحش بالكلام. فتجد الشخص استعمل لسانه في الكلام البذيء، يتكلم في أعراض الناس، ويتكلم بالكلمات القبيحة والعبارات النابية، كذا الطعن في الأعراض، والكلام في الفروج والخدود، وغيرها من الأمور. فهذا يعتبر نقصاً وعيباً، ويعتبر كذلك أيضاً سبباً للوقوع في الحرام وغضب الله تبارك وتعالى. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما كان الفحش في شيء إلا شانه»، ومعنى شانه: أي عابه، وجعله ناقصاً، وهكذا أيضاً جعله قبيحاً. بخلاف ما كان الحياء فيه، فإنه خير كله، ولا يأتي إلا بخير، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفيه مدح الحياء، والحياء يا إخوان خلق جميل يحمل صاحبه على فعل الحسن، وترك القبيح. ولهذا الواجب هو ماذا؟ هو أن يلازم المسلم الحياء، وأن يبتعد عما يخل بالحياء. فهذا من الوصايا العظيمة والتوجيهات العظيمة التي تضمنها هذه الأحاديث النبوية. ومن اعتاد على شيء يا إخوان سهُل وهان عليه. الذي يعتاد على الكلام البذيء والفاحش يجده سهلاً هيناً، ولا يلقي له شأناً ولا بالاً. بخلاف من عود لسانه النقاء والطهارة والعفة، فلا يجرؤ على أن يتحدث بمثل هذه العبارات، ومثل هذه الكلمات التي فيها من البذاءة والفحش ما فيها. فديننا دين يأمر بالأخلاق الحميدة والخصال الطيبة، وينهى عن الأخلاق البذيئة، وعن الصفات الذميمة القبيحة. فأسأل المولى عز وجل أن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئ الأخلاق، لا يجنب سيئها إلا هو، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.