الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 63، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع أن الأصل في الخطاب هو التيسير وترك التكلف، مستشهداً بحديث ابن مسعود «هلك المتنطعون» للتحذير من المبالغة والتصنع. ويؤكد أن استعمال الغريب ودقائق الإعراب مع العامة مكروه لما يورثه من تعقيد وإعجاز غير مقصود.
يسرد حديثاً نبوياً يذم الرجل البليغ الذي يتكلف في كلامه ويتشدق بلسانه كالبقرة التي تتخلل العشب، مبيناً أن البلاغة المذمومة هي المتكلفة المصحوبة بالتعالي. ويستثني البلاغة الحسنة في الخطب والمواعظ التي تؤثر في القلوب، داعياً المسلم للبقاء على سجيته وطبيعته.
يشرح حديث جابر بن عبد الله أن أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه يوم القيامة أحاسنهم أخلاقاً، بينما أبغضهم الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. ويؤكد أهمية حسن الخلق في القول والعمل حتى مع الحيوان، سائلاً الله الهداية لأحسن الأخلاق.
يختتم الدرس بدعاء يصلي فيه على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله أعلم بكل شيء. ويشكل هذا الختام خاتمة مباركة للجلسة العلمية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهي عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب كراهة التقعير في الكلام والتشدق فيه وتكلف الفصاحة، قال: واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم». وهذا يعتبر من الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص. التكلف نُهينا عنه، فالتقعير في الكلام والتشدق فيه تكلف العبارات وتصنع الفصاحة والبلاغة والبيان. وهكذا أيضًا قال: «وتكلف الفصاحة». أما من كان هذه سجيته وهذه لغته ولسانه، فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها وإلا وسعها. وكذلك قوله: «واستعمال وحشي اللغة»، ووحشي اللغة يُطلق ويراد به الغريب من اللغة، وهكذا البذيء من اللغة، وهكذا الأراذل من الكلمات والجمل والعبارات. وقوله: «ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم». وأحيانًا يا إخوان، الشخص عند حديثه مع عامة الناس يحتاج أن يأخذ العبارة السهلة، وهكذا الكلمة المفهومة عند الناس، فيخاطب الناس بما يعقلون وما يعرفون، بخلاف لغة العلم والكلام مع أهل العلم، فهذا لا حرج إن استخدم العبارات الفصيحة، وهكذا الكلمات البليغة. قال رحمه الله تعالى: «وخلاصة هذا هو عدم التكلف، خلاصة هذا هو عدم الترفع والتشدق، وهكذا التعالي على الناس». قال رحمه الله تعالى: «قال عن ابن مسعود رضي الله عنه... ما اسمه ابن مسعود؟ اسمه من الله... أحسنت يا أبا حنيفة. ما اسمه ابن مسعود؟ عبد الله بن مسعود بن غافل، أبو عبد الرحمن الهذلي رضي الله تعالى عنه، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هلك المتنطعون"، قالها ثلاثًا، أي ثلاث مرات. قال: رواه مسلم». المتنطعون: المبالغون في الأمور، يتكلف وهكذا يبالغ، وهذا من الأمور المذمومة، بخلاف ما سبق من كان سجيته ولغته وحديثه. «وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة". قال: رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن». وقال -أي الترمذي-: «حديث حسن». الحديث له شواهد، جاء من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد وغيره، وحسنه بل صححه جماعة من أهل العلم بشواهده. وقوله عليه الصلاة والسلام ها هنا: «إن الله يبغض البليغ من الرجال»، وليست البلاغة ها هنا المحمودة، وإنما هي المذمومة، الذي يتكلف ذلك ويأتي بذلك على سبيل المبالغة، وقد يكون فيها من التعالي والترفع على الآخرين ما فيها. قوله: «الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة». وقوله: «يتخلل بلسانه»، أي أنه يتشدق بلسانه في الكلام ويلفها، ترى التكلف باديا وظاهرا عليه، ويلفها كما تلف البقرة الكَلأ والعشب بلسانها، لفا بلسانها لفا. وهذا كما سبق فيه كراهة التقعير في الكلام بالتشدق، وهكذا التكلف، وهكذا الحرص على السجع والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون ومن يبحث عن زخارف القول، فكل ذلك من التكلف المذموم، من التكلف المذموم، ولا سيما عند مخاطبة العوام من الناس. قال رحمه الله تعالى: «وكما سبق ماذا؟ أنه ينبغي على المسلم أن يبقى على سجيته وعلى طبيعته في الكلام، ولا يتظاهر بخلاف ذلك». ولا يدخل في هذا الذم ما يتعلق بتحسين العبارات وتحسين اللغة في الخطب، وهكذا في المواعظ، وهكذا في ماذا... حديثه مع مجامع الناس، لأن المقصود في هذه المجامع العامة الإتيان بما يؤثر على القلوب ويهيجها. ولا يخفى على الجميع أن العبارة الحسنة، وهكذا اللفظ الطيب الجميل، فله أثر ظاهر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا، وإن من البيان لسحرا». قال: «ومن نظر إلى خطب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم يجد مصداق ذلك». «وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما... عندك يا أبا صالح: جابر بن عبد الله، أم من المهاجرين أم من الأنصار؟ جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أو المهاجري؟ عندنا حرام، وعندنا حزام. حرام يكثر في من يا أبا الفضل في المهاجرين أو في الأنصار؟ حرام في... إذا لم يكن في المهاجرين يا... بدل سيكون في من أكيد في الأنصار. وحزام يكون غالبا في أهل بكة، أهل مكة، من المهاجرين. إذن: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنصاري، أحد علماء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان ينصب له مجلس وحلقة كبيرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس». قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا". قال: "وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون". قال: رواه الترمذي وقال: حديث حسن». وقد سبق شرحه في باب حُسني الخلق، وفيه زيادة أنه عليه الصلاة والسلام قيل له: «قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟» قال: «المتكبرون». وهذا فيه بيان فضيلة حسن الخلق، أن يكون الشخص حسن الخلق في قوله وفعله، في قوله وفعله، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، وهكذا في الفعل، وهكذا في الأفعال والمعاملات. إن الله كتب الإحسان على كل شيء، حتى مع الحيوان، يا إخوان، حتى مع الحيوان. والعكس بالعكس، فمن أبغض الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبعدهم مجلسا منه يوم القيامة: الثرثارون. من هو الثرثار يا أبا أسامة؟ كثير الكلام في ماذا؟ بالباطل، في غير ما فائدة. ثرثار. والثرثار هذه من الأخلاق المذمومة. واللسان إما نعمة وإما نقمة، وإما نقمة. والعبد يتكلم بالكلمة من سخط الله ما يتبين فيها وما يلقي لها بالًا، تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. «والمتشدقون»: هم من سبق، المتكلفون المتصنعون المبالغون في حديثهم مع الآخرين على وجه التعالي والتكبر. وهكذا أيضًا... التصنع. «والمتفيهقون»: يعني المتكبرون. أسأل المولى عز وجل أن يهدينا جميعًا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئها، لا يجنب سيئها إلا هو، سبحانه وتعالى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. محمد محمد لله محمد لله