الدرس في كتاب الطهارة 9، ألقاها
يشرح المقطع جواز استعمال آنية المشركين وطهارة الأصل فيها مستدلا بحديث توضؤوا من مزادة امرأة مشركة. كما يبين أن فعله صلى الله عليه وسلم يدل على طهارة ما يتعامل به المشركون.
يبين المقطع جواز استعمال جلود الميتة المدبوغة من قبل المشركين، كما يدل على طهارة بدن المشرك ورطوبته، مستندا إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
يفصل المقطع حكم إصلاح الأواني والأشياء التالفة، حيث يجوز استخدام الفضة في إصلاح الأواني عند الحاجة، كما يجوز إصلاح الأشياء التالفة إذا كانت لا تزال صالحة للاستعمال.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام: كان راية صاحب خزاع، يعني عام الفتح، كان حامل راية أهل خزاع عام الفتح، وهو من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم. بعث عمر رضي الله عنه إلى البصرة ليفقه أهلها، ومات فيها. وقول أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة، المزادة هي القربة الكبيرة تكون من قربتين وتضاف إليها جلد ثالث حتى تتسع، فتسمى مزادة لأنه يتزود بها ويحمل بها الماء. وقوله: امرأة مشركة، يعني كافرة. والمراد بالمشرك أو المشركة من كان يجعل مع الله جل وعلا شريكا في ألوهيته أو ربوبيته، وهم من كان يعبد الأوثان والأصنام، فهؤلاء هم المشركون. وقوله: متفق عليه في حديث طويل، يعني أن الحديث في الصحيحين وله قصة طويلة. وملخص هذه القصة، بمعنى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في سفر واحتاجوا إلى الماء، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ومعه غيره للبحث عن الماء، فوجدوا هذه المرأة ومعها المزادتان، فسألوها عن الماء، قالت: عهدي بالماء قريبا أمس. فأخذوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بفك أفواه هذه المزادة وصب منها في أسقيتهم حتى يستقوا من الماء ويشربوا. وبعد ذلك سكر أفواه المزادتين. في رواية البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض ورد الماء في المزادة، في المزادتين، ثم لم ينقص شيء من الماء الذي في مزادتها، بل تكاد المزادة أن تنفذ من كثرة ملئها. وشرب الصحابة رضي الله عنهم واستقوا من هذا الماء. وهذا اللفظ ذكره المؤلف: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة، لا يوجد هذا اللفظ في هذا الحديث. وإنما اللفظ الذي يقارب ما ذكره مما ذكر في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين. هذا هو اللفظ الذي ورد في الحديث، لكن ذكره المؤلف رحمه الله بالمعنى، وليس فيه التصريح بأنهم توضأوا منه. لكن هذا يعني مما يقتضيه حاجتهم للماء واستعماله الذي يحتاج الماء، لا شك أنه يحتاجه للشرب ويحتاجه للغسل ويحتاجه للوضوء، وهو أهم الاستعمالات. فكونهم أخذوا الماء من مزادة هذه المرأة المشركة، فإنهم سيستعملونه في الشرب ويستعملونه كذلك في الوضوء. وهذا الحديث وهذه القصة فيها جواز استعمال آنية المشركين، وأن الأصل فيها الطهارة. كما مر معنا في حديث أبي ثعلبة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل آنيتهم، هذا من باب التيقن الطهارة. وإلا فالأصل أنها طاهرة. وهكذا أيضا كذلك فيه جواز استعمال جلود الميتة التي دبغت على أيدي المشركين، إذا دبغ المشركون الجلود فإنها تطهر بذلك، ويجوز للمسلم استعمالها واستعمال ما وضع فيها من الجامدات والمائعات. وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة استعملوا الماء في مزادة هذه المرأة، وهذه المرأة مشركة. والمشرك ذبيحته ميتة، المشرك ذبيحته ميتة لا تحل للمسلم، وإنما تحل ذبيحة الكتابي. أما المشرك فذبيحته محرمة، وتعتبر ميتة. ومع ذلك فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الماء الذي في هذه المزادة، مع أنها كما سمعنا هي من جلود المشركين، وقد قاموا بذبحها وتطهيرها، فحصل بذلك الطهارة، وجاز استعمال ما فيها من الماء. فيدل ذلك على طهارة ما يدبغه المشركون من جلود الميتات، فيجوز استعماله. وفيه كذلك أيضا جواز استعمال المرء للماء الذي حازه غيره إذا احتاج له، إذا احتاج الإنسان إلى ماء ولا يجد ماء إلا عند غيره ممن يملكه وقد حازه، فيجوز أن يستعمله ولو بالقوة، ويجوز أن يستعمله ولو بغير رضا، إذا كان في ذلك دفع ضرر، فإنه يجوز ذلك. وذلك أن الصحابة أخذوا هذه المشركة وما معها من الماء بغير إذنها ورضاها، واستعملوا هذا الماء الذي معها. وكذلك أيضا فيه دليل من دلائل نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أن الله جل وعلا جعل فيه البركة. فهذه المزادة التي كانت مع هذه المشركة، لا شك أن الماء الذي فيها ربما لا يكفي لمن استعمله ممن كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا أربعين رجلا كما جاء في رواية في الصحيحين، فاستقوا من هذا الماء وشربوا، والمزادة لم ينقص منها شيء، ما زالت مليئة ما زالت ممتلئة بالماء، حتى قال الراوي: تكاد أن تنقض من شدة ملئها. وقد استقى الصحابة رضي الله عنهم منها ولم ينقص منها شيئا، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، ما جعل الله عز وجل فيه من البركة. وكذلك أيضا فيه أن المشرك نجاسته نجاسة معنوية، وليست حسية. فما يباشره المشرك بيده من طبخ أو مسك أو نحو ذلك فهو طاهر. وقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ المراد بها النجاسة المعنوية، أي نجاسة الكفر والاعتقاد، ليس النجاسة الحسية. فبدن المشرك ورطوبته طاهرة. ويدل على ذلك أن ربنا جل وعلا أباح لأهل الإسلام نكاح نساء أهل الكتاب، ولم يأمر الله جل وعلا بشيء زائد عما يفعله المسلم مع زوجته المسلمة من الاغتسال من الجنابة. وأما بقية الأمور فهي كالمسلمة في تعاملها في البيت في طبخها ومراسلتها، ولمشي إلى آخر ذلك. وهذا يدل على طهارتها وعدم نجاستها. وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب هو طهارة الجلود الميتة إذا دبغت أو دبغها المشركون، فإنها تطهر بذلك، فيجوز استعمالها في المائعات كما يجوز استعمالها في الجامدات، فيوضع فيها الماء ويشرب ويتوضأ منها، ويصح ذلك. قال رحمه الله: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم إن كسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، أخرجه البخاري. هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم إن كسر القدح، الإناء الذي يشرب فيه، يقال له قدح. ومعنى انكسر أي انشق وانصدع، فاتخذ مكان الشعب أي مكان الصدع والشق سلسلة من فضة، يعني قطعة من الفضة تستعمل لإصلاح الشق وضم بعضه إلى بعض. والحديث كما قال: أخرجه البخاري من طريق عاصم عن ابن سيرين عن أنس، قال عاصم: رأيت القدح وشربت منه. فهذا الحديث فيه جواز استعمال اليسير من الفضة عند الحاجة. فالنبي صلى الله عليه وسلم انكسر قدحه، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. ويمكن إصلاحه بغير الفضة من حديد أو نحاس، لكن اختار الفضة لوجود شيء من المعاني والخاصية التي لا توجد في غيرها. ومن ذلك ما يكون فيها من الجمال والزينة والتحمل ما يوضع في الإناء. ودل هذا الحديث كما سمعنا على جواز مثل ذلك عند الحاجة، إذن فيجوز استعمال اليسير من الفضة في إصلاح الإناء الذي يستعمل في الشرب أو في الأكل إذا كان يسيرا ويكون ذلك عند الحاجة ويكون بالفضة. بشرط أن يكون للحاجة، وأن يكون يسيرا، وأن يكون من فضة. فإن كان لغير حاجة فلا يجوز، لأن الأصل هو التحريم. وإن كان كثيرا فلا يجوز، لأن الحديث دل على استعمال الشيء اليسير. وإن كان من غير الفضة كالذهب فإنه لا يجوز، فتضبيب الإناء لا يجوز إلا باليسير من الفضة للحاجة. وفيه كذلك أيضا بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الاقتصاد في حياته ومعيشته، ومن ذلك إصلاح ما ينقطع أو ينكسر من الأدوات والأواني. ففي هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم أصلح هذا القدح، ما رمى به بل أصلحه واستعمله. ولهذا قال أهل العلم: هذا الحديث فيه دليل على الاقتصاد والانتفاع بالأواني والأمتعة التي يمكن إصلاحها وعدم رميها. فإن هذا من محافظة على المال، ولا يعد ذلك من البخل والشح الذي قد يظنه بعض الناس. بل هذا من الاقتصاد، والاقتصاد هو من سنة الأنبياء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا فعله عليه الصلاة والسلام يدل على ذلك، وهو من محافظة على المال وعدم إتلاف المال لغير سبب مع إمكان الانتفاع به. فإذا لا يمكن الانتفاع به وأصبح تالفا حينئذ لا بأس أن يرمى وينتفع بغيره. أما مع إمكان الانتفاع به فالذي ينبغي أن يصلح ويستعمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.