كتاب الطهارة 25

الدرس في كتاب الطهارة 25، ألقاها

قاعدة اليقين في الوضوء والصلاة

يشرح الحديث النبوي الشريف حول الشك في خروج شيء أثناء الصلاة، ويستدل على قاعدة اليقين لا يزول بالشك. يبقى الإنسان على طهارته ما لم يتيقن الحدث.

اختلاف الأحاديث في مس الذكر وتأويلات العلماء

اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بمس الذكر بسبب اختلاف حديثي طلق بن علي وبسرة بنت صفوان. ذهب العلماء إلى طرق للجمع بين الحديثين، منها القول بالنسخ.

حكم لمس الذكر والفرج على الوضوء

المقطع يتناول آراء أهل العلم في حكم لمس الذكر على الوضوء، ويرجح أن لمس الذكر ينقض الوضوء إذا كان مباشرا وبدون حائل. مس الذكر أو الفرج ينقض الوضوء للرجل والمرأة.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه "بلوغ المرام"، في كتاب الطهارة، في باب نواقض الوضوء: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". أخرجه مسلم. في هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا -يعني انتفاخا أو قرقرة أو نحو ذلك- فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، صار مترددا أو شاكا هل انتقض وضوءه أم لا. فقال عليه الصلاة والسلام: "فلا يخرجن من المسجد" -يعني لا يخرج من الصلاة فيخرج من المسجد لأجل أن يتوضأ- قال: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" -حتى يسمع صوتا يعني صوت الضراط، أو يجد ريحا لما يخرج من الإنسان- يعني حتى يتيقن. فهذا الحديث فيه قاعدة استدل أهل العلم بهذا الحديث على قاعدة شرعية كلية، وهي قاعدة: اليقين لا يزول بالشك. اليقين لا يزول بالشك، فالإنسان إذا توضأ ودخل إلى الصلاة هو متيقن الطهارة، ثم شك هل خرج منه شيء أم لا، فإن اليقين باق، وهو أنه على طهارة ما دام أن الحدث مشكوك فيه، فلا عبرة به، ويبقى على طهارته. اليقين لا يزول بالشك، ولا يزيل اليقين إلا يقين، لا يزيل اليقين إلا يقين، كما أنه متيقن من الطهارة، فلا ترتفع هذه الطهارة إلا بيقين الحدث، إذا استيقن أو أيقن أنه أحدث، فحينئذ ترتفع هذه الطهارة، ويلزمه الوضوء. أما مجرد ورود شكوك، فإنه يبقى على الأصل، وهو بقاء الطهارة. وهكذا أيضا بهذا الحديث أن الإنسان لا ينبغي له أن ينصرف من الصلاة من غير سبب شرعي، لا ينصرف من الصلاة من غير سبب شرعي، لقوله عليه الصلاة والسلام: "فلا يخرجن من المسجد" حتى يوجد سبب لخروجه، كأن يتيقن خروج شيء منه، فحينئذ يخرج، أو يصل شيء للإنسان في صلاته يضطره إلى الخروج منها، فيخرج. أما من غير سبب شرعي، فإنه لا يخرج من صلاته. وهكذا أيضا فيه أن خروج الريح من الإنسان من الدبر ناقضا للوضوء، وهكذا أيضا كذلك فيه أن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" أن يتيقن الحدث، ولهذا لو كان الإنسان لا يسمع ولا يشم، فقال أهل العلم: إذا تيقن أنه أحدث بغير هذين الأمرين، فإنه يخرج. وإنما ذكر السمع والريح لأنه هو الغالب، هذا الغالب في الناس أن أحدهم يسمع ما إذا خرج منه شيء، أو يشم الرائحة إذا خرج منه شيء، فغلب الحكم على الغالب. قال رحمه الله: وعن طلق بن علي رضي الله عنه قال: قال رجل: مسست ذكري -أو قال الرجل: يمس ذكره في الصلاة- أعليه وضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، إنما هو بضعة منك". أخرجه الخمسة وصححه، وقال المديني: هو أحسن من حديث بسرة. هذا الحديث حديث طلق بن علي رضي الله عنه، قال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: الرجل يمس ذكره في الصلاة -يعني تقع يده على ذكره في الصلاة- عليه وضوء؟ -يعني هل ينتقض وضوءه بذلك ويلزمه أن يتوضأ؟- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا، إنما هو بضعة منك" -يعني هو قطعة من اللحم كأي موضع من بدنك- والمعنى أنه لا يلزمك أن تعيد الوضوء. هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي من طريق قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي، وقيس بن طلق هذا تكلم فيه الحفاظ وضعفوه، كالإمام أحمد ويحيى بن معين وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم، ولهذا ضعف هذا الحديث جمع من الحفاظ، كالإمام الشافعي والإمام أبي حاتم وأبي زرعة والبيهقي والدارقطني. فهذا الحديث استدل به من قال بأن مس الإنسان ذكره لا ينقض وضوءه، من قال بأن مس الذكر لا ينقض الوضوء، وهذا قول الحنفية وبعض المالكية، ورواية عن أحمد، قالوا بأن مس الذكر لا ينقض الوضوء، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما هو بضعة منك" -يعني كأي موضع من بدنك- أنت لا إذا مسست يدك وضعت يدك على العضد أو على الذراع أو وضعت يدك على فخذك أو على ساقك، هل ينتقض وضوءك؟ الجواب: لا. وهكذا أيضا وضع اليد على الذكر. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وعن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ". أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان، وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. فحديث بسرة بن صفوان رواه الخمسة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وقد أخرجوه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة، وجاء بطريق أخرى عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة مباشرة، والحديث صحيح، وصححه جمع من الحفاظ كالإمام البخاري رحمه الله والإمام أحمد والدارقطني والبيهقي وغيرهم، هو كما ذكر الحافظ أن البخاري يقول: هو أصح شيء في هذا الباب. حديث بسرة عارض حديث طلق، ففي حديث بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ"، فيه أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهنا اختلف أهل العلم في هذه المسألة لاختلاف الحديثين، حديث طلق يقول: "إنما هو بضعة منك" -يعني لا ينقض الوضوء- وفي حديث بسرة أن لمس الذكر ينقض الوضوء. فذهب أهل العلم في الجمع بين الحديثين إلى ثلاثة طرق، الطريق الأول: من قال بالنسخ، من قال بأن حديث طلق منسوخ بحديث بسرة، وذلك أن حديث طلق كان في أول الأمر -كما يدل عليه روايات هذا الحديث- أن طلقا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة وهو يبني المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يبني المسجد، فسأله الرجل: يمس ذكره عليه الوضوء؟ قال: "لا، إنما هو بضعة منك". إذن هو متقدم، وحديث بسرة متأخر، قالوا: المتأخر ناسخ للمتقدم، وذهب إلى هذا القول جمع من أهل العلم كالإمام الطبراني والإمام ابن حزم والبيهقي وغيرهم. والطريقة الثانية في الجمع بين الحديثين والتوفيق بينهما: الجمع بين الحديثين حديث طلق وحديث بسرة، وذهب أهل العلم في الجمع بينهما إلى طريقين، الطريق الأول هو أن يحمل حديث طلق إذا كان المس بغير شهوة، ويحمل حديث بسرة إذا كان المس بشهوة، فإذا مسه بشهوة انتقض وضوءه، وإذا مسه من غير شهوة لم ينتقض وضوءه. والطريقة الأخرى في الجمع هو أن يحمل حديث بسرة على استحباب الوضوء، إعادة الوضوء إلى استحباب إعادة الوضوء، ويحمل حديث طلق على عدم الوجوب، عدم وجوب إعادة الوضوء. والطريقة الثالثة في الجمع بين الحديثين هو الترجيح، وهو أن يرجح حديث بسرة على حديث طلق، فيقدم حديث بسرة على حديث طلق، وذلك لعدة أمور منها: أولا صحة حديث بسرة، فحديث بسرة صحيح وصححه جمع من الأئمة، بخلاف حديث طلق وضعفه كثير من الأئمة. والأمر الثاني أن حديث بسرة له شواهد كثيرة تدل على معناه، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ"، الحديث رواه البيهقي والترمذي وهو حديث صحيح. وكذلك حديث مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس فرجه فليتوضأ". رواه ابن ماجة والبيهقي. فهذه شواهد تدل على صحة حديث بسرة. والأمر الثالث أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبقي على الأصل، والقاعدة عند أهل العلم في الترجيح أنه يقدم الناقل على المبقي على الأصل. فحديث طلق هو باق على الأصل، الأصل أن الإنسان إذا مس أي موضع من بدنه لا ينتقض وضوءه، هذا هو الأصل. وحديث بسرة جاء بشيء ينقل هذا الأصل، فجعل مس الذكر ناقضا للوضوء، ليس كأي موضع من بدنه، فيه زيادة علم، وعلى هذا فيقدم حديث بسرة على حديث طلق. والراجح هو هذا الطريق الثالث، وهو طريق الترجيح، فيقدم حديث بسرة على حديث طلق، ويدل هذا الحديث على أن لمس الذكر ناقض للوضوء. والقول الصحيح أن لمس الذكر ينقض الوضوء، وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله، وكذلك أيضا قول الإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهذا هو الصحيح. والمراد مس الذكر يعني باليد، إذا مس ذكره بيده، بكفه، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب أو ستر فقد وجب عليه الوضوء". والحديث رواه ابن حبان والبيهقي والدارقطني وهو صحيح. فإذا مس الإنسان ذكره بكفه، سواء بباطن الكف أو بظاهر الكف، فإنه ينتقض وضوءه، وعليه أن يعيد الوضوء، هذا إذا كان من غير حائل، يعني من غير ساتر، إذا كان المس مباشرة. أما إذا كان من فوق الثوب فلا يضر، إذا كان المس من فوق الثوب فلا يضر. وإنما إذا مسه مباشرة فهذا الذي ينتقض به الوضوء. وعلى هذا فيكون من نواقض الوضوء مس الذكر، أو كذلك بمعنى أعم مس الفرج، مس الفرج، سواء الرجل مس ذكره أو المرأة مست فرجها، فإنه ينتقض وضوءها.

شاركنا على