كتاب الطهارة 41

الدرس في كتاب الطهارة 41، ألقاها

الأحاديث المتعلقة بالمسح على الجبيرة

تم شرح حديثين ضعيفين عن علي وجابر رضي الله عنهما بخصوص جواز المسح على الجبيرة، واستدل بهما بعض العلماء. الحديثان رواهما ابن ماجه وأبو داود.

حكم المسح على الجبيرة واستدلالاته

جمهور العلماء أجازوا المسح على الجبيرة، بينما رأى آخرون عدم جوازه لعدم وجود دليل صحيح. قياس الجبيرة على الخفين فيه فارق.

مسألة الصلاة بالتيمم أكثر من مرة

اختلف العلماء في جواز الصلاة بالتيمم أكثر من صلاة، فأجاز أبو حنيفة وغيره الصلاة به ما شاء، وهو القول الراجح لأنه رافع للحدث مؤقتا.

ختام باب التيمم والانتقال لباب الحيض

تمت مناقشة الراجح في التيمم والانتقال إلى باب الحيض في الدرس القادم، مع ختام بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب التيمم: وعن علي رضي الله عنه قال: انكسرت إحدى زنديتي، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح على الجبائر. رواه ابن ماجه بسند واه جدا. قوله: «انكسرت إحدى زنديتي»، المراد به طرف الذراع، في الكف، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فأمره أن يمسح على الجبيرة. والجبائر جمع جبيرة، والجبيرة ما يوضع على الكسر، وكانوا في السابق إذا أصاب أحدهم كسر جئ له بخشبتين أو نحوهما، فتوضع إحداهما في الأعلى والأخرى في الأسفل، ثم يربط هذا الجرح، يسمى جبيرة. ومثله الجبس الذي يستعمل الآن في إصلاح الكسر. وهذا الحديث كما قال الحافظ رحمه الله سنده واه جدا، لأن في سنده عمر بن خالد الواسطي، كذبه أحمد، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا حديث باطل لا أصل له. وعمر بن خالد متروك الحديث، فالحديث ضعيف جدا. قال رحمه الله: وعن جابر رضي الله عنه في الرجل الذي شج فاغتسل فمات، قال: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده». رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته. هذا الحديث فيه قصة أن رجلا أصابته شج في رأسه - يعني جرحا - فاغتسل أو قبل أن يغسل أصابته جنابة، فسأل: هل له من عذر من رخصة؟ فقالوا: لا، فاغتسل فمات. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال». ثم في هذه الزيادة: «إنما كان يكفي أن يتيمم» إلى آخره. وهذا الحديث، الإمام الحافظ رحمه الله يقول: رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وذلك أن هذا الحديث مداره على الزبير بن خريق، فقد رواه أبو داود من طريق الزبير بن خريق أن عطاء بن أبي رباح عن جابر، فذكر هذه القصة - قصة عصب الجرح والمسح عليه - وقد روى هذا الحديث عطاء بن أبي رباح لو ذاكر عن عطاء عن ابن عباس، بدون ذكر هذا الحكم - وهو عصب الجرح والمسح عليه - والزبير بن خريق ضعيف أو لين الحديث، فقد تفرد بذكر هذه الزيادة، فهي زيادة شاذة غير محفوظة. وأصل القصة صحيح، أن الرجل - يعني أصابته الشجة - فاغتسل فمات، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمروه بالغسل في مثل هذه الحالة. لكن ذكر أن يأخذ خرقة ويعصب بها الجرح ويمسح عليها، هذه غير ثابتة. وهذا الحديث والذي قبله استدل به بعض أهل العلم على جواز المسح على الجبيرة، قالوا: هذا الحديث - حديث جابر - وما حديث علي يعتضد أحدهما بالآخر ويرتقيان إلى الحسن، فيدلان على مشروعية المسح على الجبيرة. وبهذا قال جمهور أهل العلم، قالوا: يشرع المسح على الجبيرة. وأيضا أخذوا بالقياس، جعلوا القياس أيضا مقويا لهذين الحديثين، فقاسوا المسح على الجبيرة بالمسح على الخفين، قالوا: بأن المسح على الخفين أجازت الشريعة أن يمسح المسلم على خفيه، مع أن المسح على الخفين هو من باب الإحسان والإرفاق، والمسح على الجبيرة من باب الضرورة، فالمسح عليها أولى، إذا جاز المسح على الخفين، فالمسح على الجبيرة من باب أولى. قالوا: فيدل ذلك على مشروعية المسح على الجبائر. ومن قال بالمسح على الجبيرة هم جمهور، قالوا: فإنه يمسح عليها من جميع جوانبها، من الأعلى والأسفل ومن الأيمن والأيسر، لأن الجبيرة تأخذ محل الغسل، وبدل عن الغسل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه. فعلى القول بالمسح على الجبيرة، فإنه سيُمسح من الأعلى والأسفل ومن جميع الجوانب، هذا على القول بالمسح على الجبيرة. وكذلك أيضا يجب فيها الترتيب كالوضوء، يعني إذا كانت الجبيرة في اليد اليسرى، فإذا توضأ سيغسل أولا اليد اليمنى، ثم يمسح على الجبيرة في اليد اليسرى. القول الثاني: أنه لا يشرع المسح على الجبيرة، وإنما يكتفى بغسل الأعضاء السليمة، ويسقط هذا العضو. ومنهم من قال: يتيمم عنه. والصواب أنه يسقط مسح هذا العضو. وبهذا قال الإمام ابن حزم رحمه الله، ونقل هذا القول عن الشعبي، وهكذا أيضا عن داود، وقال به كذلك العلامة الألباني رحمه الله. ما هو الدليل على هذا القول؟ قالوا: أولا عدم وجود دليل صحيح يدل على مشروعية المسح على الجبيرة، ولحديث الواردة في الباب ضعيفة شديدة الضعف، لا يعترض بعضها ببعض. والأمر الثاني: أن القياس الذي قاس به الجمهور لا يصح، لأنه قياس مع الفارق، فالجبيرة تختلف عن الخفين، فالخفان يجب للمسح عليهما أن يلبسا على طهارة، والجبيرة ليست كذلك. وأن يمسح عليهما بالفترة المحددة شرعا، والجبيرة ليست كذلك. وكذلك أيضا المسح عليهما في الحدث الأصغر دون الأكبر، بخلاف الجبيرة، فإنه يمسح عليها بالحدث الأكبر هو الأصغر، إذا هناك فرق بين الجبيرة وبين الخفين. وأخذ أيضا بقول الله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. الواجب هو غسل هذا العضو، فإذا تعذر ذلك لوجود الجرح أو الكسر أو نحو ذلك، سقط حكم هذا العضو، وغسل بقية الأعضاء السليمة. هذا القول هو الأظهر والله أعلم، والمسألة كما سمعنا فيها خلاف، وجمهور العلم على مشروعية المسح على الجبائر. وفي حكمه كما سمعنا الجبس وما كان بمعناه مما يوضع على الكسر أو الجرح. وإذا كان الجرح مكشوفا - يعني هذا الجرح الذي يصيب الإنسان له أحوال، قد يكون الجرح مكشوفا ولا يضره الماء، هذا يجب غسله. وإن كان هذا الجرح مستورا ويضره الماء، فإنه على القول بالمسح يمسح عليه عند الوضوء. وإن كان لا يستطيع المسح عليه، فقال بعض أهل العلم: يتيمم عن هذا الجرح، ويغسل بقية الأعضاء. وإن كان الصواب كما سمعنا: أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه، لأن التيمم بدل عن الماء، وإذا كان يمكنه استعمال الماء، فإنه لا ينتقل إلى التيمم، أو لا يجمع بين التيمم وبين استعمال الماء، بل يكتفي بغسل الأعضاء السليمة بالماء. قال رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى». رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جدا. هذا الأثر، أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: «من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة». وقول الصحابي: «من السنة كذا»، أي: من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أي: من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث فيه أن من السنة أن لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة، يعني إذا تيمم الإنسان لصلاة الظهر، فإنه لا يصلي بها صلاة العصر، إذا أراد أن يصلي العصر ولو كان على طهارة، فإنه يعيد التيمم. وهذا الأثر ضعيف، كما قال الحافظ رحمه الله: رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جدا، لأنه من طريق الحسن بن عمارة، والحسن بن عمارة البجلي متروك، متروك الحديث، فقال من المديني: كان يضع الحديث، فلا يصح. واختلف أهل العلم في هذه المسألة، وهي مسألة: هل يصلي المتيمم بالتيمم أكثر من صلاة، أو أنه يكتفي بصلاة واحدة، وهي الصلاة الحاضرة التي تيمم لها؟ فذهب الجمهور - جمهور أهل العلم - أنه يتيمم لكل صلاة، أنه يتيمم لكل صلاة، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهذا على القول بأن التيمم مبيح، على أن التيمم مبيح. وقد مر معنا الكلام على هذه المسألة: هل التيمم مبيح أو رافع للحدث؟ فمن قال بأنه مبيح - يعني يبيح له أن يصلي الصلاة الحاضرة - فلا يصلي به أكثر من صلاة، لا يصلي به أكثر من صلاة، فيصلي الصلاة الحاضرة فقط، فإذا جاءت الصلاة التي بعدها والفريضة التي بعدها أعاد التيمم. والقول الثاني: أنه يجوز للمتيمم أن يصلي بالتيمم ما شاء من الصلوات من فرائض ونوافل، أن يصلي بالتيمم ما شاء من الصلوات من فرائض ونوافل. وهذا قول الإمام أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول جماعة من أهل العلم، كالإمام الشوكاني والصنعاني وغيرهم. وهذا القول على أن التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا إلى أن يجد الماء، وهو الصحيح، وذلك أن الشرع جعل التيمم قائما مقام الوضوء وبدلا عن الوضوء، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، فكما أن المتوضئ يصلي بالوضوء ما شاء من الصلوات، فكذلك المتيمم يصلي بالتيمم ما شاء من الصلوات. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التراب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين». فجعل التيمم عليه الصلاة والسلام قائما مقام الماء، قائما مقام الماء، إذن فيأخذ حكم الماء في استباحة ما شاء من الصلوات والفرائض والنوافل. هذا القول هو الأرجح، وبهذا يكون انتهى باب التيمم، وبعده باب الحيض، نتركه إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على