الخطبة بعنوان نصائح وتوجيهات لحجاج بيت الله الحرام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 شوال 1439هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تناولت الخطبة نعمة الله بتتابع مواسم الخيرات بعد رمضان بقدوم أشهر الحج، وبيّنت وجوب الحج على المستطيع مرة في العمر باعتباره الركن الخامس من أركان الإسلام. كما أبرزت فضائل الحج العظيمة وحصر أداءه ودخول المسجد الحرام على المسلمين فقط.
استعرض المقطع منافع الحج الواردة في القرآن والسنة مشتملة على المنافع الدنيوية كالتجارة والتعارف، والأخروية كتكفير الذنوب والفوز بالجنة وإجابة الدعاء. وأكد أن الحج المبرور يعد أفضل الأعمال وأعظمها أجراً عند الله تعالى.
فصل المقطع في الواجبات اللازمة قبل الحج كإخلاص النية لله، وقضاء الكفارات والنذور والديون، وإخراج الزكاة، وتعلم المناسك، ورد المظالم، والإنفاق على العيال. كما شدد على أهمية اختيار رفقة صالحة تتبع السنة وتجنب البدع والمحدثات.
اختتم المتحدث بالدعاء للحجاج بتيسير أمورهم وطرقهم وقبول مناسكهم، ثم توجه بالاستغفار العظيم لله تعالى لنفسه ولجميع المؤمنين والمؤمنات. جاء هذا الختام ليشمل الحجاج وغيرהם برحمة الله ومغفرته.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من إكرام الله جل وعلا لهذه الأمة المحمدية أن شرع لها مواسم الخيرات المتتابعة، فما أن ينقضي موسم من مواسم الخيرات إلا وخلفه موسم آخر. فقد انقضى موسم الصيام بخروج شهر رمضان، وأدى فيه المسلمون الصيام الذي هو الركن الرابع من أركان الإسلام العظام، فخلف هذا الموسم هذه الأشهر التي هي أشهر الحج، كما قال سبحانه: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. هذه الأشهر المعلومات التي تؤدى فيها فريضة من فرائد الإسلام العظام، والركن الخامس من أركان الإسلام، ألا وهو حج بيت الله الحرام. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا». فهنيئًا لهذه الأمة المحمدية أن شرع الله جل وعلا لها هذه المواسم، ومن ذلك حج بيته الحرام، وليس ذلك إلا لهم، فلا يحج إلا المسلمون، بل ولا يقرب المسجد الحرام إلا المسلمون. أما غير المسلمين فممنوعون، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾. وثبت في البخاري ومسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب يؤذنون في الناس ويعلمون، بل هو يأمرون من يُعلم الناس أيضًا بأنه لا يحج بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وذلك في السنة التاسعة من الهجرة. ورتب الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام لأهل الإسلام الفضائل الكثيرة لمن حج بيته الحرام. ثبت في كتاب الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾. قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس: «ليشهدوا منافع لهم» أي: منافع دنيوية ومنافع أخروية. فأما المنافع الأخروية فرضوان الله تبارك وتعالى، وأما المنافع الدنيوية فما يحصل لهم من التجارات والمكاسب، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾. وهكذا من المنافع ما يحصل من التعارف ومن التشاور والتباحث بين أهل الإسلام حيث يلتقون في أماكن معينة، وهكذا يؤدون مناسك معينة بلباس واحد وبهيئة واحدة وبشعار واحد، لا تحزبات ولا تعصبات، تجمعهم التلبية، يجمعهم التعظيم بشعار الله تبارك وتعالى، يجمعهم ما هم عليه من توحد في لباسهم وفي هيئاتهم. فيا لهذا المشهد العظيم الذي يذكر بذلك المشهد الأعظم حين يقف العباد بين يدي الله تبارك وتعالى. وهكذا من المنافع، عباد الله، تكفير الذنوب والسيئات والخطايا. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، رجع كيوم ولدته أمه». فالحج يكفر الذنوب والخطايا والسيئات. بل ومن المنافع الفوز بالجنة، في البخاري ومسلم قال عليه الصلاة والسلام كما هو عن أبي هريرة: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وهكذا من منافع وفضائل الحج إجابة الدعوات من الله جل وعلا. ثبت عند ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر، صححه العلامة الألباني رحمه الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «الحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم». وقد وقفوا في موقف عظيم فيه تجاب الدعوات وتقال العثرات، إنه موقف يوم عرفة، الذي قال عنه عليه الصلاة والسلام: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». ومن فضائل الحج الغناء -أي: الغنى-، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما عند بعض أهل السنن من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال عليه الصلاة والسلام: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة». ومن فضائل الحج، عباد الله، أنه أفضل الأعمال. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث عائشة: قالت: كنا نعد الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، قال عليه الصلاة والسلام: «لكن أفضل الأعمال حج مبرور، حج مبرور». إلى غير ذلك من الفضائل والمنافع الكثيرة التي ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فهنيئًا لمن وفقه الله جل وعلا لحج بيته الحرام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اغفر لنا ولهم برحمتك وكرمك يا أرحم الراحمين. يا حجاج بيت الله الحرام، ويا من يتهيأ ويستعد لحج بيت الله الحرام، عليكم أمور لا بد منها قبل ذهابكم إلى الحج، لا بد من أن تعلموها وتؤدوها. من ذلك، عباد الله، أولاً: الإخلاص في أداء هذه العبادة، فإن العبادات لا تقبل إلا بالإخلاص لله جل وعلا، ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾. وفي المتفق عليه عن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». وهكذا عليكم، عباد الله، أن تؤدوا قبل أداء هذه الفريضة حق الله جل وعلا التي وجبت عليكم، من أداء للكفارات. فكم من الناس من عليه كفارات أيمان، وكم من الناس من عليه كفارات نذور، فعليه أن يؤدي هذه الكفارات أولاً، من كفارات ونذور لله جل وعلا، ومن ديون. ومن ذلك أيضًا إخراج الزكاة، فربما يحج المسلم بيت الله الحرام وهو لم يؤد الركن الثالث من أركان الإسلام، ألا وهو الزكاة، فكيف يأتي بالركن الخامس وهو لم يؤد الركن الثالث، ألا وهو الزكاة؟ فلا بد أولاً من إخراج زكاة المال، ومن أداء الركن الثالث من أركان الإسلام. وهكذا من الأمور التي ينبغي على الحجاج أن يتفقهوا في مناسك الحج، فكم من الناس من يذهب إلى الحج ثم إذا وصل هناك لا يدري من أين يبدأ، فربما ترك بعض الأركان ففسد حجه، أو ترك بعض الواجبات فأخل بشيء من حجه، فعلى المسلم أن يتفقه في هذه الفريضة حتى يؤدي هذه الفريضة كما علمها وكما بينّها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: «خذوا عني مناسككم». وهكذا، عباد الله، على الحجاج أن يردوا المظالم إلى أهلها، فهناك من يذهب إلى حج بيت الله الحرام وقد أخذ أموال الناس بالباطل، فعليه أن يرد هذه المظالم إلى أهلها، لا يحج إلا وقد رد المظالم إلى أهلها، فإن بقي معه مال يستطيع أن يحج به حج به، وإن لم يكفه هذا المال لأنه قد رد المظالم فلا حج واجب عليه. وهكذا على الحجاج أن يتركوا لمن يعولون النفقة الكافية التي لا إسراف فيها حتى يعودوا إلى أهليهم، فلا يضيعوا أولادهم ولا يضيعوا أهلهم، فالله جل وعلا غني عن حجك يا عبد الله إذا كان سيترتب عليه ضياع أولادك أو ضياع أهلك، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». وهكذا عليكم، أيها الحجاج، في اختيار الرفقة الصالحة التي تذكركم إذا نسيتم، وإذا غفلتم، وتعلمكم إذا جهلتم، وتحجون حجة لا بدع فيها ولا محدثات، فاختاروا الرفقة الصالحة. وما يختار الناس الذين يأخذ الحجاج اليوم عبر الحافلات وعبر الوسائل، لكن الكثير من الناس لا يتحرى الجهة التي سيحج معها. لا تحج يا عبد الله مع رفقة قائدها يحج ببدع ومحدثات في حجه، البدع ومحدثات، اترك هذه الرفقة، اسأل عن من يحج كما حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، اسأل عن أهل السنة الذين يقومون بهذه الأمور حتى توفق لحج مبرور لا بدع فيه ولا محدثات ولا مخالفات ولا تحزبات ولا تعصبات ولا غير ذلك. نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق حجاج بيت الله الحرام لحج بيته الحرام، وأن يسر أمورهم، وأن يسهل لهم الطرق الموصلة لحج بيته الحرام، وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه الغفور الرحيم.