لتتبعن سنن من كان قبلكم

الخطبة بعنوان لتتبعن سنن من كان قبلكم، وكانت بمسجد التقوى بدر الحديث بالشحر ١٦ جمادى الآخر ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحذير من اتباع سنن الأمم السابقة في الشرك وعبادة القبور

يستعرض المقطع أحاديث نبوية تحذر من تقليد المسلمين لليهود والنصارى والمشركين في الشرك، مبيناً وقوع الغلو في قبور الأولياء كالحسين والبدوي والجيلاني، ومقارنته بغلو أهل الكتاب في أنبيائهم، مؤكداً أن ذلك شرك أكبر منهي عنه شرعاً.

بيان أنواع الغلو في الدين وصور تحريف كتاب الله في الأمة

يبيّن المقطع صور الغلو المحاكية للأمم السابقة كغلو النصارى في عيسى، وغلو بعض المسلمين في النبي والصالحين بدعاء الغيب والتصرف، واتخاذ القبور مساجد، كما يستعرض أنواع تحريف كتاب الله لفظياً ومعنوياً على يد فرق الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والروافض.

الرد على تحريف الجهمية للاستواء وخطر التعصب المذهبي والحزبي

يرد النص على تأويل الجهمية للاستواء بالاستيلاء مقارناً إياه بتحريف اليهود، ويثبت منهج أهل السنة في الصفات بلا تمثيل ولا تعطيل، محذراً من التعصب للمذاهب والآراء على حساب النص، ومن الأحزاب السياسية المعاصرة بوصفها وافدة لتفريق الأمة.

دعاء ختامي بالنصر والوحدة والالتزام بالكتاب والسنة

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه النصر للإسلام والمسلمين، وإذلال الشرك وأهله، وجمع كلمة المسلمين على القرآن والسنة، وختم بالحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

  • 17 جمادى الآخرة 1434هـ - 27/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ وفي لفظ: أفارس والروم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فمن؟ فمن؟ أي من إن لم يكونوا هؤلاء». وعند الترمذي وغيره من حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، فمررنا على نفر من المشركين يعكفون على سدرة لهم وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر»، وفي لفظ: «سبحان الله، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنكم قوم تجهلون». لتركبن سنن من كان قبلكم. في هذين الحديثين علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، حيث أخبر بل وأكد بل وأقسم عليه الصلاة والسلام أن طوائف من هذه الأمة سترجع القهقرة وتتبع سنن من كان قبلها من اليهود والنصارى وفارس والروم وغيرهم من المشركين شبرا بشبر وذراعا بذراع، حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، كما قال عليه الصلاة والسلام. والواقع خير شاهد لما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن طوائف من هذه الأمة اتبعت سنن من كان قبلها في اعتقاداتها وفي عباداتها وفي معاملاتها، بل وفي سلوكها ومنهاجها، بل وفي أخلاقها وعاداتها، حذو القذة بالقذة. فمما اتبعت هذه الأمة فيه سنن من كان قبلها عبادة الأوثان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فقد جاء عند أبي داود وغيره عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الساعة لا تقوم حتى تلحق قبائل من هذه الأمة بالمشركين، وحتى تعبد فئام وجماعات من هذه الأمة الأوثان. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام دعا ربه جل وعلا كما عند مالك في الموطأ وأحمد في المسند من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: فأجاب رب العالمين دعاءه *** وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه *** في عزة وحماية وصيان فالله جل وعلا صان قبره عليه الصلاة والسلام من أن يجعل وثنا يعبد، إلا أن قبور غيره عليه الصلاة والسلام من الصالحين قد صارت أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا. فهذا قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما صار وثنا يعبد من دون الله جل وعلا اليوم، يعكف عنده الرافضة ويدعونه من دون الله جل وعلا، ويستغيثون به ويتضرعون إليه، ويعكفون عنده رغبا ورهبا وخوفا وتضرعا، سائلين منه الحاجات وطالبين منه تفريج الكربات، وكل ذلك من الشرك بالله جل وعلا وعبادة الأوثان. وهكذا ما يفعل عند قبر البدوي، وهكذا ما يفعل عند قبر الجيلاني، وهكذا ما يفعل عند قبر المحضار، وعند قبور غير هؤلاء من الصالحين، من العبادات التي تصرف لهؤلاء الصالحين من دعائهم والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم والتوكل عليهم ورجاء شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى، كحال المشركين الأولين الذين قال الله جل وعلا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وكما قال جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فما أشبه الليلة بالبارحة. وهكذا مما اتبعت في هذه الأمة سنن من كان قبلها الغلو في الصالحين. فقد غل اليهود والنصارى، غل اليهود في عزير، وغلت النصارى في المسيح ابن مريم. قالت اليهود كما أخبر الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقالت النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. ونهاهم الله جل وعلا عن هذا الغلو، قال جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وهذه الأمة وقعت في الغلو كما وقع فيه اليهود والنصارى، وكما وقع فيه المشركون. فإن المشركين قد غلوا في اللات الذي صار بعد ذلك إلها يعبد مع الله جل وعلا، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري قال: اللات أصله رجل كان يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره فعبد مع الله سبحانه وتعالى. هذه الأمة غلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا ينسب إليه عليه الصلاة والسلام علم الغيب، وينسب إليه الدنيا والآخرة وأنها من جوده، كما يقول البوصيري في قصيدته الشركية: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواكا عند حلول الحادث العمم إن لم تكن آخذا يدي يوم المعاد *** فضلا وإلا فقل يا ذلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. محادة لكلام رب العالمين جل وعلا ومعارضة وجحود لكلامه سبحانه وتعالى. وهكذا يقول: «لو ناسبت آياته قدره عظما *** أحيى اسمه حين يدعى دارس الرمم». وآخر يغلو في الصالحين بأن لهم كذا وكذا من التدبير أو كذلك من التصرف، وغير ذلك من الغلو الذي هو من الشرك بالله جل وعلا. وهكذا مما اتبعت في هذه الأمة سنن من كان قبلها اتخاذ القبور مساجد. اتخاذ القبور مساجد، فإن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وقبور صالحيهم مساجد، فلعنهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخبر أن الله جل وعلا لعنهم. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي لفظ خارج الصحيحين: «اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. واتخاذ القبور مساجد له صور، منها قصد القبور بالعبادة عندها، وإن كانت لله جل وعلا. فقد ثبت عن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلا يأتي إلى فرجة عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيصلي الله جل وعلا عندها، فنهاه وقال: «ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: لا تتخذوا قبري عيدا، لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». وهكذا بعث النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أبا الهياج الأسدي كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، فقال له: «يا علي، لأبي الهياج، ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها». واليوم خولف صريحا لنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه القباب قد شيدت على القبور، وهذه الأضرحة التي قد بنيت، وهكذا هذه المساجد قد أدخلت إليها القبور، والقبور قد بنيت عندها المساجد، بل قد عكف عند القبور بهذه الزيارات الشركية التي يصرف فيها لغير الله جل وعلا الدعوات والاستغاثات وطلب الحاجات والتعلقات، وغير ذلك مما هو من الشرك بالله سبحانه وتعالى. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ألا وإن مما اتبعت فيه هذه الأمة سنن من كان قبلها تحريف كتاب الله جل وعلا، سواء كان تحريفا لفظيا كما وقع فيه الجهمية حيث حرفوا لفظ الجلالة، بدلا من رفعه إلى نصبه، فقرؤوا قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، لأنهم لا يثبتون أن الله جل وعلا يتكلم كيف شاء سبحانه وتعالى ومتى شاء، أو تحريفا معنويا بتحريف نصوص ومعاني الصفات كما أثبتها السلف الصالح. فالجهمية قالوا في الاستواء بالاستيلاء، وثار على هديهم ومنوالهم المعتزلة والأشاعرة. وما أشبه هذا بتحريف اليهود الذين حكى الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم تحريفهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. وقال جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فوقعت هذه الطوائف في هذا التحريف، وحرفت في كتاب الله جل وعلا، وأعظم الفرق تحريفا لكتاب الله جل وعلا هم الروافض الذين طعنوا في كتاب الله جل وعلا، واتهموه بالنقص والتقصير، وأولوا وحرفوا فيه تحريفا عظيما. وهذا تأويل الجهمية للاستواء بالاستيلاء، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: أمر اليهود بأن يقول حطة فأبوا *** وقالوا حنطة لهوان وكذلك الجهمي قيل له استوى فأبى *** وزاد الحرف للنكران نون اليهود ولا مجهمي *** هما في الميدان سيان أي سواء قول اليهود في حطة حنطة، وقول الجهمية في استولى. فاليهود قالوا حنطة، وقد قال الله جل وعلا حطة، ﴿وَقُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمْ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فبدل أن يقول حطة: احطط عنا ذنوبنا يا رب، قالوا حنطة: نريد حنطة، نريد طعاما، نريد أن نأكل، عياذا بالله. حرفوا كلام رب العالمين سبحانه وتعالى. وهكذا وقع الطوائف في هذه الأمة في التحريفات، حرفوا نصوص كتاب الله جل وعلا تحريفا عظيما. أما أهل السنة والجماعة فهم على ما كان عليه سلف الأمة من إثبات نصوص كتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على ما يليق بالله جل وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، إثبات النصوص للصفات من غير تمثيل ولا تكييف، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وهكذا ما وقعت في هذه الأمة واتبعت فيه سنة من كان قبلها التعصب، التعصب لما كان عليه الأسلاف، والتعصب لما كان عليه الآباء والأجداد، ولو كان مخالفا مخالفة صريحة لكتاب الله جل وعلا أو لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. كما قال جل وعلا عن أهل الكتاب: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. إنه التعصب المذموم. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى عن المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. هاكذا التعصب اليوم حاصل كما عند أهل الجاهلية الذين كان لسان حالهم قول قائلهم: ما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد هاكذا طوائف من الأمة اليوم صاروا يتعصبون للمذاهب، يتعصبون للمذاهب، وإن خالفت كتاب الله وإن خالفت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. يقال له: قال الله، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن يقول: أنا شافعي، وهذا يقول: إنما أنا حنبلي، وهذا يقول: إنما أنا مالكي، وآخر يقول: إنما أنا حنفي. ورحم الله الإمام أحمد رحمه الله رحمة واسعة حيث يقول: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». ورحم الله الشافعي حيث دخل عليه رجل وقال له: يا إمام، ما تقول في مسألة كذا؟ قال: قضى فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام بكذا. قال: وماذا أنت تقول؟ وماذا أنت تقول؟ فغضب الإمام الشافعي رحمه تعالى غضبا شديدا، قال له: «أقول لك قال رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقول أنت ماذا أقول؟ أتراني ألبس زنارا؟ يعني أتراني يهوديا؟ أتراني أجلس في كنيسة؟ أي تجدني نصرانيا؟ أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت تقول ماذا أنت تقول؟». ورضي الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذ يقول: «أراهم سيهلكون، أراهم سيهلكون»، في لفظ: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة، أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقولون أبو بكر وعمر؟» وهما هما في الجلالة والقدر والدين، لكن أراد أن يبين رضي الله تعالى عنهما أن الحق هو الذي يتبع. وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى إمام دار الهجرة وهو في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام يعلم الناس ويحدثهم: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، إلا صاحب هذا القبر»، ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. اليوم التعصب، واليوم التحزب، واليوم التفرق، كل يعادي ويوالي لأجل حزبه أو لأجل جماعته أو لأجل عصبيته، كما كان اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وهكذا هذه الأمة صارت على ثلاث وسبعين فرقة، فيها الضلال، وفيها التحزبات التي نهى ربنا جل وعلا عنها بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. فهذه الأحزاب الموجودة اليوم في مجتمعات أهل الإسلام باطلة، والإسلام منها براء، ليست من دين الله جل وعلا. الإسلام إما خلافة وإما ملك، وهذا أقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما أول ملوك أهل الإسلام، أول ملوك الإسلام، فالملك أقره النبي عليه الصلاة والسلام. أما الأحزاب فإنما جاءتنا من أوروبا ومن أعداء الإسلام، لأنهم علموا بأنهم بهذه الأحزاب سيفرقون هذه الأمة إلى شيع وأحزاب متناحرة، والواقع خير شاهد. انظروا الأمم التي حلت فيها هذه الأحزاب كيف تتناحر فيما بينها وكيف تتقاتل وكيف يأكل بعضهم أموال بعض بالباطل، وغير ذلك. والأمور التي اتبعت فيه هذه الأمة سنة من قبلها كثيرة جدا، ضاق المقام بذكر غيرها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم عليك بأعداء الدين. اللهم اجمع كلمة المسلمين على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. اللهم احشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.