كتاب التفسير من صحيح البخاري 213

كتاب التفسير من صحيح البخاري 213

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 213، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سند حديث «باب: وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ» وأحوال رواته

يستعرض المقطع سند الحديث المروي عن آية «وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ» مبيناً مكانة علي بن عبد الله المديني وسفيان بن عيينة في علم الحديث. كما يقارن بين سفيان بن عيينة وسفيان الثوري من حيث المشايخ والطبقة العلمية.

حديث شجرة الجنة وظلها الممتد مئة عام

يروي الشيخ بسند أبي الزناد والأعرج وأبي هريرة حديثاً مرفوعاً يصف شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مئة عام دون أن يقطعها. يستدل بالآية ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ ويوضح أن هذه الشجرة هي السدرة (النبق) التي رآها النبي ﷺ في الجنة وثمارها كقلال هجر.

وصف سدرة المنتهى ونعيم الجنة

يشرح المقطع عظمة سدرة المنتهى التي يمتد ظلها لمسافة يسير فيها الراكب مئة عام مستشهداً بقوله تعالى ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾. ثم يصف نعيم الجنة الخالي من الشمس والبرد الشديد والمرض والتعب، حيث أعد الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

الدعاء الختامي وختام الدرس

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يجعلهم من الفائزين المقبولين، ويختم بالحمد لله رب العالمين. يعكس هذا الدعاء ختام الدرس بروح الرجاء والشكر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ». باب في تفسير هذه الآية، أو فيما جاء في هذه الآية من أحاديث. قال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر المديني، إمام من أئمة المسلمين، وهو إمام أهل العلل. قال الإمام أحمد: كأن الله خلق علي بن عبد الله لهذا الشأن، أي للحديث، فهو يعرف علم الحديث أشد معرفة. لهذا قال له يحيى بن معين: معرفتك بالحديث كمعرفة بخدور الوادي ومداخله ومخارجه. وكذلك علي بن عبد الله كانت له معرفة عظيمة بعلم الحديث. قال: حدثنا سفيان. وسفيان هنا هو سفيان بن عيينة. علي بن عبد الله المديني لم يروَ عن سفيان الثوري، وإنما روى عن ابن عيينة. وسفيان الثوري أكبر من ابن عيينة بعشر سنوات، لكن سفيان بن عيينة لقي مشايخ لم يلقَهم الثوري. وليس معنى ذلك أنه لقي مشايخ أكبر، وإنما لقي مشايخ قد لقي سفيان الثوري من هو في سنه، ومنهم من أدركه سفيان الثوري، مثل عمر بن دينار، فقد روى عنه سفيان الثوري أيضًا، لكن أكثر عنه ابن عيينة لأنه كان في مكة. وابن عيينة وسفيان الثوري يعدان في طبقة واحدة، وإن كان ابن عيينة أصغر منه، لكن لقياهم واحدة، وغالب مشايخهم متقاربون. قال: عن أبي الزناد. وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، عالم علماء أهل المدينة. قال: أدركت مئة من أهل المدينة ممن يؤخذ عنهم العلم، لا يؤخذ عنهم الحديث. قيل: إنهم ليسوا أهلًا لذلك. أو قال: أدركت مئة عالم من علماء المدينة لا يؤخذ عنهم الحديث، قيل: إنهم ليسوا من أهله، أي ليسوا ممن يؤخذ عنهم. قد يكونون من العباد، أو من لم يهتموا بعلم الحديث، أو أنهم ضعفاء. قال: عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، يبلغ به النبي عليه الصلاة والسلام. هذه من العبارات التي فيها الرفع، يبلغ بها أو ينميها أو يرفع ذلك إلى رسول الله. هذه من العبارات التي فيها الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها». واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾. فهذا من نعيم الجنة، وكذلك من عظيم ما في الجنة أن فيها شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام. الشجرة هذه كما جاء في بعض الروايات: سدرة في الجنة، سدرة يسير الراكب في ظلها مئة عام. والسدرة هي النبق، ومعنى النبق الذي يكون فيه الثمر، ثمره يسمى الدوم أو يسمى النبق. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيحين لما رأى الجنة: «رأيت نبقها» أو قال: «رأيت الجنة فإذا نبقها كقلال هجر». ونبقها بمعنى دومها، والدوم مثل القلة، والقلية ليست القلة العادية وإنما الكبيرة، لأن هجر منطقة قرب مكة كان يستجلب منها القلال، وكانت قلالهم كبيرة، مثل ما نسميه قديما الزير. فدومها مثل الزير، بمعنى في الطول، فهي كبيرة جدًا، وشجرتها كبيرة جدًا أيضًا. فهذه الشجرة أو هذه السدرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها. وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾، لا نهاية له، لا نهاية لهذا الظل. وقد قال الله عز وجل في الجنة في أهل الجنة: ﴿لَّا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾. الزمهرير هو أشد البرد، البرد الشديد. ليس في الجنة برد شديد، ولا أيضًا شمس ولا حر. بل من دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس فيها بأس أبدًا، ليس فيها مرض ولا تعب، ولا كل ما استلزم ذلك، بل فيها الراحة والنعيم الذي لا يوصف». وقد بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله في الحديث القدسي: «يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». واقرؤوا إن شئتم قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أي من الراحة العظيمة. قرة الأعين هي استقرار العين في مكان، والمراد به الراحة. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ففيها النعيم العظيم الذي عده الله عز وجل لأهل الإيمان. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، والحمد لله رب العالمين.