الخطبة بعنوان مكانة الأمانة في الشرع، وكانت يوم الجمعة 14 محرم 1433هـ . ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل مفهوم الأمانة في الإسلام وأهميتها، حيث عرض الله الأمانة على السماوات والأرض فأبين حملها وحملها الإنسان. أمر الله بأداء الأمانات وأثنى على المتصفين بها.
يناقش هذا الفصل خطورة الخيانة وذمها في الإسلام، حيث قدم أمثلة على الأمانة وأوضح أن الخيانة من خصال الأشرار وأهل النار، وضياع الأمانة نذير خراب العالم.
يتضمن هذا الفصل دعاءً لله سبحانه وتعالى لنصرة الإسلام والمسلمين، وإذلال الشرك والمشركين، وفك كرب إخواننا المستضعفين في الأرض، والدعاء على أعداء الدين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ففي هذه الآية المباركة يخبر ربنا جل وعلا الحق تبارك وتعالى، ويبين شأن ومكانة الأمانة في شرعه ودينه وقضائه وقدره. حيث أنه جل وعلا عرض الأمانة على هذه السماوات العظيمة، وعرض الأمانة على هذه الأراضي الصلبة القوية، وعرض الأمانة على هذه الجبال الراسيات الشوامخ، ومع هذا أبين أن يحملنها وأشفقن منها، وما ذاك إلا دليل واضح يدلنا على شأن الأمانة ومكانتها في شرع رب العالمين سبحانه وتعالى. ولذلك أمر ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، ونبينا الصادق الأمين في سنته المطهرة بالأمانة، قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ويقول الله جل وعلا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما عند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه «أدي الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله جل وعلا من الخيانة. كما جاء من حديث أبي هريرة عند ابن ماجة وصححه العلامة الألباني رحمه الله «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئسة البطانة». ومما يدلنا أيها الناس على شأن الأمانة ومكانتها في شرع رب العالمين جل وعلا أن الله جل وعلا أثنى على المتصفين بالأمانة، قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. وهكذا وصف ربنا جل وعلا أنبياءه ورسله بهذا الخلق العظيم، وقرن هذا الخلق أي خلق الأمانة بالرسالة في مواضع كثيرة في كتابه جل وعلا. فهذا جبريل أعظم الملائكة، قال الله جل وعلا في وصفه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وهكذا قال جل وعلا في وصف نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهكذا وصف جل وعلا أنبياءه هود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام بالأمانة في كتابه الكريم. هكذا كان أنبياء الله متصفين بهذا الوصف العظيم وهو وصف الأمانة لأنهم رسل رب العالمين جل وعلا إلى عباده سبحانه وتعالى. وقد ضرب نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أروع الأمثلة وأرقى النماذج في الاتصاف بهذا الخلق العظيم حتى كان عليه الصلاة والسلام قبل بعثته يدعى بالصادق الأمين. شهد له بذلك أعداؤه وصدق القائل إذ يقول «والحق ما شهدت به الأعداء»، فكان عليه الصلاة والسلام يدعى بالصادق الأمين لصدقه ولأمانته عليه الصلاة والسلام، فهو أمين رب العالمين جل وعلا كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال عليه الصلاة والسلام «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء»، فهو أمين رب العالمين جل وعلا عليه الصلاة والسلام على وحيه وعلى دينه سبحانه وتعالى. ولن يكتفي عليه الصلاة والسلام بما ضرب من أروع الأمثلة في الصدق والأمانة حتى ذكر للأمة أيضا نماذج عظيمة عن السلف الصالح كيف اتصفوا بهذا الخلق العظيم. ليكون مرشدا بهذه الأمة ومضيئا وطريقا واضحا بينا يسير به إلى رب العالمين جل وعلا، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر رجلين كان أحدهما قد باع عقارا للآخر. فلما أخذ ذلك الرجل العقار فوجد جرة ذهب، فرجع إلى ذلك الذي اشترى منه العقار وقال له «هذه جرة ذهب وجدتها في أرضك وأنا إنما ابتعت منك العقار والأرض ولم أبتع منك هذه الجرة»، فقال له الآخر «إنما بعتك الأرض وما فيها»، فتحاكم إلى رجل فقال لهما «ألكما ولد؟». قال أحدهما «لي جارية»، وقال الآخر «لي غلام»، فقال هذا الرجل «أنكحوا الغلام الجارية وتصدقوا عليهما وأنفقوا عليهما من هذه الجرة»، أنظروا إلى هذا المثال العظيم الرائع. وهكذا في البخاري حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه في قصة ذلك الرجل من بني إسرائيل حين استلف ألف دينار، فقال له ذلك الذي أراد أن يستلف منه «ائتني بالشهداء ليشهدوا»، فقال «كفى بالله شهيدا»، قال «ائتني بالكفيل»، قال «كفى بالله كفيلا»، قال «صدقت»، فأعطاه ألف دينار. فذهب حتى حان الأجل فأراد سفينة يركب إليها إلى من استلف منه هذا المال إلا إنه لم يجد، فأخذ خشبة فنقرها فوضع فيها مال ذلك الرجل وكلا وكتب ما جرى بينه وبين ذلك الرجل وقال «اللهم إني أستودعك إياها»، ثم خرج ذلك الرجل ينتظر هذا لعله يأتي في سفينة بماله. فلم يجد شيئا حتى نظر تلك الخشبة في الماء فأخذها حطبا لأهله، ثم لما كسرها وجد تلك الصحيفة وجد ذلك المال، ثم عاد ذلك الرجل وقد وجد سفينة فرجع إلى من استلف منه المال فأعطاه ماله. قال له «قد أدى الله عنك»، فهذا مثال رائع عظيم راق في الاتصاف بالأمانة، هكذا عباد الله كان أولئك الصالحون، نعم بمثل أولئك جئني بمثلهم، آبائي بمثل أولئك فجئوني بهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الصادق الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما الخيانة فهي من أعظم قبيح الخصال وأشنع سوء الفعال، فقد قدمها ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته المطهرة، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقال جل وعلا ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾، وقال جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، وقال جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾، وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعتم في الحديث المتقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه «أدي الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام بين أن الخيانة إنما هي من خصال الأشرار، جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين ومن حديث عبد الله بن سعود وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي أناس يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ويكذبون ولا يصدقون ويظهر فيهم السمن». وهكذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه عند ابن ماجه، قال عليه الصلاة والسلام «يأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن وينطق فيها الرويبضة»، قالوا «وما الرويبضة يا رسول الله؟»، قال «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». فقد ذم النبي عليه الصلاة والسلام المتصفين بهذا الخلق أي خلق الخيانة، بل كان عليه الصلاة والسلام قد بين أن الخيانة إنما هي من أخلاق أهل النار، فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال عليه الصلاة والسلام «وأهل النار خمسة»، وذكر منهم عليه الصلاة والسلام «الخائن الذي لا يخفى له طمع ولو كان يسيرا»، بل قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح أيضا عليه الصلاة والسلام «أن لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له تحت إستيه فيقال هذه غدرة فلان بن فلان». يعني هذه الخيانة التي وقعت فيها مع فلان بن فلان من الناس، بل جاء في كتاب الله جل وعلا أن الاتصاف بالخيانة إنما هو من صفات أهل النار ومن صفات الكافرين والكافرات. قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وكانت الخيانة من زوجتي نوح ولوط في الدين، أما الخيانة في الفاحشة فقد ذكر السلف أن أزواج الأنبياء معصومات من الوقوع في الفاحشة لحرمة أنبياء الله عليهم أفضل الصلاة والسلام. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم مبينا أن الخيانة إنما هي من صفات أهل النار ومن صفات الكافرين، قال جل وعلا ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فالخيانة من صفات اليهود المغضوب عليهم، قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. والخيانة عباد الله إنما هي من صفات النصارى الضالين، قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. أي خانوا ولم يقوموا بما ألزموا أنفسهم به، والخيانة عباد الله إنما هي من صفات المنافقين، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان». وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أيضا، قال عليه الصلاة والسلام «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة كان فيه خصلة من خصال النفاق»، وذكر منها عليه الصلاة والسلام «وإذا ائتمن خان»، فلذلك يا عباد الله الخيانة خلق شنيع وخلق قبيح والعياذ بالله. وإذا تأملنا أيها الناس في أحوال أهل الإسلام نرى أنهم قد ضيعوا الأمانة ووقعوا في الخيانة، وهذا عباد الله نذير شر ونذير خراب العالم وزوال هذا العالم، ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. أن عرابيا جاء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال «يا رسول الله متى الساعة؟»، فمضى النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه، قال بعض القوم «سمع ما قال فكره»، وقال بعضهم «بل لم يسمع»، فلما قضى النبي عليه الصلاة والسلام حديثه قال «أين السائل عن الساعة؟»، فقال «ها أنا يا رسول الله»، قال عليه الصلاة والسلام «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال «وكيف إضاعتها يا رسول الله؟»، قال «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وهكذا الأمانة تقومان يوم القيامة على جنبتي الصراط حين يمر الناس على الصراط، تقوم الرحم وتقوم الأمانة، وهذا يدلنا على عظيم شأنها أيها الناس. وما حل بمجتمعات الإسلام من ظهور الفساد والظلم والاعتداءات والضيق في المعيشة وتسلط أعداء الإسلام على أهل الإسلام إلا بسبب تضيعهم للأمانة، أين الأمانة؟ عندما استرعاه الله جل وعلا الرعاية وقد فرط فيها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث معقل بن يسار في الصحيحين «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة»، وهكذا قال نبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». أين الرعاية وأين الأمانة في الولاية التي استرعيها من هو قائم على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة يبث والعياذ بالله المنكر وتبث المخالفات وتشجع على الشر؟ هل هذه من الأمانة؟ أين الأمانة عند من يقوم على دور التربية والتعليم في النظر إلى المناهج التي تدرس في المدارس أو في الجامعات أو في الكليات أو في غيرها لإقرار ما يوافق شرع رب العالمين جل وعلا وإلغاء ما يخالف؟ أين الأمانة في دور الطب والصحة عند القائمين على هذه المسؤوليات لتسهيل الأمور ولتوفير احتياجات أهل الإسلام وعدم رفع الأسعار وعدم التلاعب في هذه الأمور؟ أين الأمانة عند من استرعي للقيام بحماية المنافذ البرية والبحرية من عدم دخول المخدرات والمسكرات وغير ذلك من الأمور الفتاكة التي تفتك بمجتمعات أهل الإسلام؟ فقد دخلت المخدرات ودخلت المسكرات ودخلت المحرمات، أين الأمانة عند هؤلاء في مثل هذه الأمور؟ وأين الأمانة عباد الله عند الدعاة إلى الله جل وعلا حين يدعون الناس إلى الشرك والبدع والمحدثات؟ هل هذه الأمانة في الدعوة إلى الله جل وعلا؟ وأين الأمانة عند من يقوم على أمر الأيتام برعايتهم وحفظ حقوقهم وحمايتهم وتربيتهم التربية الصالحة؟ قد ضيع كثير من الناس هذه الأمانات. أين الأمانة عند أهل البيع والشراء في بيعهم وشرائهم في منتجاتهم في سلعهم غشا والعياذ بالله وتدليسا وكذبا؟ أين الأمانة عند من استشير فأشار بغير الحق؟ قد قال النبي عليه الصلاة والسلام «المستشار مؤتمن»، أين الأمانة يا عباد الله في كذا وفي كذا؟ كم نعدد من الأمانات التي قد ضيعت وضيعها كثير من الناس، ثم بعد ذلك يريدون السعادة ويريدون الأمن والأمان ويريدون السودد ويريدون الاستخلاف والتمكين، أن لهم ذلك يا عباد الله إلا بأداء الأمانات إلى أهلها والقيام في هذه الحقوق والواجبات. هذه الأمور العظيمة فالأمانة يا عباد الله ملقاة على عواتقنا جميعا رؤساء ومرؤوسين حكاما ومحكومين صغارا وكبارا نساء ورجالا، علينا أن نرعى هذه الأمانات يا عباد الله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم إلى أداء الأمانات إلى أهلها وليجعلنا وأن يوفقنا للقيام في هذه الأمور العظيمة، اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم عليك بالروافض المعتدين الذين يعيثون في أرض الله فسادا. اللهم فرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصرهم يا رب العالمين نصرا مؤزرا، اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا قول لا إله إلا الله، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.