كتاب المعاملات 9

الدرس في كتاب المعاملات 9، ألقاها

تعريف بيع التقسيط وأحكامه العامة

بيع التقسيط هو بيع السلعة بأجل محدد مع تقسيط الثمن، وحكمه الجواز لوروده في السنة النبوية وأقره الشرع. هذا النوع من البيع جائز عند جمهور أهل العلم.

حكم بيع التقسيط وعلاقته ببيع بيعتين في بيعة

استدل المانعون بحديث "من باع بيعتين في بيعة" على تحريم بيع التقسيط، بينما يرى الجمهور أن هذا الحديث لا ينطبق إذا تم تحديد إحدى البيعتين، وأن بيع التقسيط جائز إذا عين المشتري إحداهما.

شروط صحة بيع التقسيط وتوثيقه

بيع التقسيط له شروط لصحة العقد، منها أن تكون السلعة بحوزة البائع عند العقد، ولا يجوز إلزام المشتري بدفع مبلغ زائد على الثمن المتفق عليه في حال التأخر، ويمكن توثيق البيع بالرهن لضمان حقوق البائع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف - قه الله -: المسألة التاسعة: البيع بالتقسيط. قال: هو بيع السلعة إلى أجل محدد، يقسط فيه الثمن إلى أقساط متعددة، كل قسط له أجل معلوم يدفعه المشتري. بيع السلعة إلى أجل محدد يعني أن يبيع السلعة مع تأخير الثمن والدفع، لكن يكون في وقت محدد، بعد شهر أو سنة، يقسط فيه الثمن إلى أقساط متعددة، يدفع مثلا كل شهر مبلغا معينا. مثلا أن السلعة بمئة ألف، فيدفع في كل شهر عشرين ألفا في مدة خمسة أشهر. قال: كل قسط له أجل معلوم يدفعه المشتري، هذا يسمى ببيع التقسيط. قال: مثاله أن تكون عند البائع سيارة، فقيمتها نقدا أربعون ألف ريال سعودي، ومؤجلة ستون ألف ريال، فيتفق مع المشتري على أن يسدد المبلغ على اثني عشر قسطا، يدفع في نهاية كل شهر خمسة آلاف ريال. هذه صورة بيع التقسيط، السيارة قيمتها نقدا أربعون ألفا، يعني إذا اشتريتها بالعاجل، بدفع الثمن في الحال، قيمتها أربعون ألفا، وإذا اشتريتها بالآجل، فقيمتها ستون ألفا، تزيد عشرين ألفا مقابل التأخير. فيتفق مع المشتري على أحد السلعتين أو البيعتين، إن اشتراها بالعاجل أعطاه الأربعين وأخذها، وإن اشتراها بالآجل يتفق معه على أن يسدد الثمن في فترة معينة، مثلا خلال سنة، خلال سنة يدفع له بكل شهر خمسة آلاف حتى يكمل المبلغ كاملا. واضح، سورة بيع التقسيط، تشتري مثلا ثلاجة، قيمة هذه الثلاجة بالعاجل مثلا مئة ألف، إذا كنت تدفع الثمن نقدا فقيمتها مئة ألف، وإذا كان بالآجل فقيمتها مئة وعشرون، فتشتريها مثلا بالآجل، تقول: أشتريها بالآجل، ثم تتفق مع البائع على دفع الثمن أقساطا متفرقة، في كل شهر جزء من المال حتى تكمل المبلغ كاملا. هذا هو بيع التقسيط، سمي بذلك لأن الثمن يدفع أقساطا، يدفع الثمن أقساطا. قال: حكمه الجواز، عن عائشة رضي الله عنها قالت: اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاما بنسيئة، أي بالأجل، ورهنه درعا له من حديد. والحديث في الصحيحين، الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من هذا اليهودي طعاما بنسيئة، يعني بالآجل، اشتراه بالآجل، أن يدفع الثمن مؤخرا. وإن لم يكن الحديث صريحا في بيع التقسيط، لأنه لم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منه بالتقسيط، وإنما فيه دليل على جواز شراء الطعام بالذهب أو ما يقوم مقامه نسيئة، أي بالتأخير، تأخير الدفع. وقال: رهنه درعا من حديد. أقوى من هذا في الاستدلال على الجواز بيع المكاتب، المكاتب أي العبد إذا كاتب سيده على مبلغ من المال، فإنه سيدفع له المكاتب بالتقسيط، يدفعها له أقساطا، وأقر الشرع ذلك. قال الله عز وجل: ﴿وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، كانت المكاتبة أن يدفع الكتابة التي عليه بالتقسيط، ومعلوم أنه إذا دفعها بالتقسيط سيكون الثمن أعلى، سيكون الثمن أرفع مقابل التأخير، وأقر الشرع ذلك. وفي قصة بريرة، لما أرادت عائشة شراءها، وكاتبت أهلها، بريرة كاتبت أهلها، فقالت: إن شئت أن تقسطها لك، وإن شئت دفعتها لهم. الحديث يدل هذا على جواز دفع الثمن أقساطا. وجمهور أهل العلم على جواز بيع التقسيط، جمهور العلماء على جواز بيع التقسيط، هو قول لأئمة الأربعة والظاهرية، وقول جماعة من المعاصرين، شيخنا مقبل رحمه الله، الشيخ ابن ثيمين، الشيخ ابن باز رحمهم الله، كلهم قالوا بجواز بيع التقسيط. إلى شيخ الألباني رحمه الله، ذهب إلى المنع. على قول من منع من بيع التقسيط. استدل المانعون من بيع التقسيط بقول الجمهور: هو الصواب أنه يجوز، والأصل في البيوع الحل. استدل المانعون بحديث: نهى النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»، قالوا: هذا الحديث يدل على المنع من بيع التقسيط، لأن بيع التقسيط فيه بيع بيعتين في بيعة، هو الآن يبيع بالآجل ويبيع بالعاجل، نقدا بكذا ونسيئة بكذا. قالوا: فهذا الآن بيعتين في بيعة، وهي بيعة واحدة، أنت تشتري سيارة واحدة، تشتري سيارة واحدة، وهو يبيعها لك في بيعتين، بنقد مثلا بمليون، وبنسيئة بمليون ومئة أو مئتين. قالوا: فهذا بيعتين في بيعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»، أوكسهما يعني أقل له الأقل في الثمن، وهو إذا باعها نقدا، أو الربا إذا باعها بالآجل، فجعلوا بيع التقسيط من هذا النوع المنهي عنه. وجمهور أهل العلم يجيبون عن هذا الحديث بأن هذا النهي عن بيعتين ببيعة إذا تم البيع من غير تحديد إحدى البيعتين. فالجواب: نعم ينطبق عليه هذا الحديث إذا اشترى المشتري من غير تحديد أي البيعتين اشترى، فهذا يدخل في هذا الحديث، فإذا قال مثلا البائع: إن أردتها نقدا بمليون، وإن أردتها بالآجل بمليون ومئة، قال: اشتريت، ثم لم يحدد بماذا اشترى، هل بالعاجل أو بالآجل، فهذا هو الذي يدخل في هذا الحديث، ولا يجوز في مثل هذه الصورة. أما إذا عين بأي البيعتين اشترى، قال: اشتريت بالعاجل، اشتريت بالعاجل وسأدفع الثمن، أو قال: اشتريت بالآجل وسأدفع الثمن أقساطا، قالوا: فهذا لا يدخل في الحديث، وهو الصحيح أنه لا يدخل في الحديث. وابن عباس حبر هذه الأمة، جاء في مصنف عبد الرزاق أنه سئل عن بيع الرجل، سئل عن بيع الرجل قوله: هذا بعشرة بالعاجل أو بتسعة بالعاجل وبعشرة نسيئة، قال: إذا عين فلا بأس، قال: إذا عين فلا بأس. طيب سئل عن بيع الرجل بتسعة حاضرة وبعشرة إلى أجل، قال: لا بأس إذا عين، يعني إذا عين إحدى البيعتين، إذا عين إحدى البيعتين، فإذا عين أنه اشترى بالآجل أو اشترى بالعاجل فلا بأس، وهذا قول جمهور أهل العلم. وكذلك أيضا ذكر من أبي شيبة عن طاوس، وجماعة من السلف، وعن ابن السيرين أنه حكى عن جماعة من التابعين أنهم لا يشكون أنه إذا أوجب إحدى البيعتين فليس ببيعتين في بيعة، يعني جماعة من التابعين يقولون: إذا اشترى بإحدى البيعتين فليس هو من هذا البيع المنهي عنه، بيعتين في بيعة، إنما هذا إذا يعني اشترى ولم يحدد، أما إذا حدد فالبيع صحيح. قال: البيع بهذه الطريقة فيه فائدة لكل من البائع والمشتري، فإن البائع يزيد في مبيعاته ويعدد من أساليبه في تسويق بضاعته، فيبيع نقدا وتقسيطا، ويستفيد في حال التقسيط من زيادة الثمن مقابل الأجل، يعني لو أن البائع باع بالعاجل فقط، رغم أن البضائع تتكدس عنده والناس يعني لا يستطيعون الشراء نقدا، فيريد أن يمشي البضاعة فيبيعها بالتقسيط، يبيعها بالتقسيط، وهذه الزيادة التي يرفعها في بيع التقسيط مقابل تأخير الدفع. قال: كما أن المشتري يحصل على السلعة وإن لم تكن عنده قيمتها، ويسدد ثمنها فيما بعد أقساطا، يعني يحصل فيه نفع للمشتري، يريد أن يشتري سلعة من السلعة، لكن ما يستطيع أن يشتريها نقدا، ما عنده الثمن، ما يستطيع أن يدفع المبلغ كاملا، يريد مثلا سيارة أو يريد ثلاجة، لكن ما عنده المبلغ، مبلغها كاملا، فإذا اشتراها بالتقسيط سهل عليه دفع الثمن مقسطا، يدفع في كل شهر مثلا قسطا، هذا يسهل عليه، وإن كان يعني سيزيد ثمنها، لكنه سيستفيد من اقتناء هذه السلعة، ويستطيع أن يشتريها ويدفع ثمنها أقساطا، فيحصل نفع للبائع ويحصل كذلك نفع للمشتري. قال: شروط صحة بيع التقسيط، قال: يشترط لصحة بيع التقسيط، إضافة إلى شروط البيع المتقدم، ما يلي: أولا، أن تكون السلعة بحوزة البائع وتحت تصرفه عند العقد، فلا يجوز لهم الاتفاق على ثمنها وتحديد مواعيد السداد والأقساط، ثم بعد ذلك يشتريها البائع ويسلمها للمشتري، فإن هذا محرم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». لا بد أن تكون السلعة بحوزة البائع، يعني يكون مالكا لها، السلعة يملكها، يملكها وتحت تصرفه. أما أنه يتفق مع المشتري على سلعة معينة وأنه سيدفع له الثمن أقساطا كل شهر كذا وكذا، وهو ما يملك السلعة، ما يملك السلعة، لكن يذهب يشتريها بعد ما يتفق معه، يذهب يشتريها من المحل ثم يدفعها للمشتري، هذا لا يجوز، فهو الآن يبيع مالا يملك، وفي نفس الوقت هو واقع في الربا، واقع في الربا، لأنه كأنه يعطيه دينا مثلا مئة ألف، ويقول: سددها مئة وعشرين، لكن بدل هذا الدين يشتري له هذه البضاعة، هو ما يريدها أصلا يشتريها له، كأنه دينه وطلب منه الزيادة في السداد، هذا هو بعينه الربا، ربا النسيئة، وهذا ما تفعله بعض البنوك، بعض البنوك تفعل هذه الطريقة، تتفق مع المشتري على سلعة معينة وأنه يسددها لهم في خلال سنة أو سنتين، ثم يذهب البنك فيشتريها من المحل لهذا المشتري، هذا لا يجوز، هذا لا يعد بيع التقسيط، بل هذا يعتبر من الربا والتحايل على الربا. قال: ثانيا، لا يجوز إلزام المشتري عند العقد أو فيما بعد بدفع مبلغ زائد على ما اتفق عليه عند العقد في حال تأخره عن دفع الأقساط، لأن ذلك ربا محرم. وهذا أيضا كذلك تفعله بعض البنوك، وأيضا بعض من ربما يبيع ببيع التقسيط، يقول: أنا أبيع لك هذه السلعة بالتقسيط لمدة سنة، لمدة سنة، السلعة قيمتها مئة وعشرون، فإذا تأخرت عن السداد، جاءت السنة وما دفعت الأقساط كلها، فإن المبلغ سيزيد بنسبة عشر في المئة مثلا، هذا لا يجوز، هذا من الربا، هذا من الربا، الواجب أن يسدد هذه الأقساط، فإن تأخر يصبر عليه، فإن كان ذو عسرة فنظرته إلى ميسرة، أما أن يزيد في الدين هذا هو عين الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية، فمثل هذا لا يجوز، لا يجوز للمشتري أن يوافق على ذلك، ولا يجوز للبائع أن يشرط ذلك، إن تأخر السداد زاد في قيمة الدين. قال: ثالثا، يحرم على المشتري المليء المماطل في سداد ما حل من الأقساط، المليء يعني الذي يجد ما يسدد به الدين، ما يجوز له أن يتأخر، يأتي الشهر آخر الشهر وهو عنده المبلغ فيماطل البائع، يقول: إن شاء الله غدا، بعد غد، ويماطله في سداد هذا الدين، لا يجوز له ذلك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مطلو الغني ظلم»، مطلو الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته. الواجب إذا كان عنده أن يسدده وينسرع في السداد ولا يتأخر في ذلك. قوله: يحرم على المشتري المليء، يخرج به غير المليء، إذا كان فعلا ما عنده حيلة له ظروف أو ما تمكن من جمع المال ليدفع له في آخر الشهر، فهذا إن ماطل وهو ما عنده وليس بظلم، ويصبر عليه البائع، البائع يصبر عليه ويتحمله. قال: رابعا، لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز له أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة، لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، يعني مثلا باع له سيارة فأخذ ملكية السيارة، طيب هو قد باع والمشتري اشترى واتفق على سداد الدين بالأقساط، فلا يجوز للبائع أن يحتفظ بملكية المبيع، كملكية السيارة مثلا، أو كان البيع بيتا فأخذ ملكية البيت، وثيقة البيت، ما يجوز له ذلك، ما دام أنه قد اشترى يعطيه، إلا إذا أبقاها عنده، إلا إذا أراد توثيق البيع، إذا رأى توثيق البيع فلا بأس أن يرهن المبيع عنده، يرهن المبيع عنده حتى يعني يضمن حقه بسداد المبلغ كاملا. تمت، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على