الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 65، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول الفصل السابع من حلية طالب العلم محاذير الطلب، وينهى عن أحلام اليقظة التي تشغل الطالب بالمناصب الوهمية فتثبط همته، كما يحذر من ادعاء العلم أو الإتقان فيما لم يُتعلم لكونه حجاباً كثيفاً دون نيل العلم الحقيقي.
يحذر العلامة العثيمين من أن ادعاء العلم دون حقيقة يستغني صاحبه وهمياً عن الطلب، وينبه إلى خطورة تصدر صغار السن للفتوى، مؤكداً وجوب تعلم العلم قبل المناصب وبعدها مستشهداً بوصية عمر بن الخطاب وسير ابن المبارك.
يشدد المقطع على أن ازدياد العلم واجتماع الناس حول الطالب يجب أن يورثه تواضعاً وحلماً لا غروراً، مستشهداً بتواضع السلف كعبد الرحمن بن مهدي ومالك، ومؤكداً أن علم البشر قليل بجانب علم الله فيبقى الطالب محتاجاً دائماً.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي من الفصل السادس من فصول هذه الحلية المباركة، الذي يتعلق بالعمل بالعلم، وأن العلم النافع هو الذي يعمل به صاحبه، ويورث صاحبه خشية من الله تبارك وتعالى، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]. ثم ختم رحمه الله تعالى هذه الحلية المباركة بهذا الفصل السابع، بالفصل السابع. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى: "قال: الفصل السابع: المحاذير". انظر: ختمها بأمور يجب على طالب العلم أن يحذر منها، لأنه بعد هذا البناء لا يكون طالب العلم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، يبني ثم بعد البناء الطويل يهدم ما بناه، لربما في سويعات أو في بعض المواقف، وبارتكاب بعض المخالفات والزلات. ولهذا، الفصل الأخير السابع يتعلق بالمحاذير. قال رحمه الله تعالى في الأدب الرابع والخمسين من آداب هذه الحلية: "حلم اليقظة". وأحلام اليقظة كثيرة، الأصل أن الأحلام هذه تكون عند المنام، لكن أحياناً يجلس الإنسان في يقظته ويتخيل أموراً، ويتخيل أشياء، يتخيل أنه أصبح رئيس هيئة كبار العلماء ومفتي القطر الفلاني، ويتخيل أشياء. هذه الأشياء لا تنفعه، ولا تشحذ من همته، ولا ترفع من معنويته، وإنما تجعله يفتر ويرغب عن طلب العلم والتزود منه. وهذه يسميها العلماء: أحلام اليقظة. قال: "ومنها: بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن". قال: "فإن فعلت -أي: ادعيت علم ما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن- قال: فهو حجاب كثيف عن العلم". وقد علق العلامة العثيمين رحمه الله تعالى على ذلك، كيف أن الشخص إذا ادعى علم ما لم يعلم، أو ادعى أنه يتقن ما ليس متقناً له، أن ذلك يكون حجاباً كثيفاً عن العلم، يعني: يمنعه من ماذا؟ من الوصول إلى العلم. قال العثيمين رحمه الله: "لأن الإنسان إذا فعل هذا، إذا فعل هذا قال: أنا صرت عالماً، لا حاجة لأن أطلب العلم، إذن أنا عالم الآن، ما الداعي أني أجلس أحضر درساً أو أستمع إلى كلمة؟ فأنا اليوم عالم، قال: لا حاجة لأن أطلب العلم، قال: فيحتجب عن العلم بسبب هذا الاعتقاد الباطل". ولهذا يا إخوان، العلماء يحذرون من تصدُّر الحدث، حدث صغير في السن أو حدث قليل في العلم، يتصدر ويوكل إليه تدريس وفتوى وإجابة عن أسئلة وكلمات في مجامع. قالوا: "إذا تصدر الحدث فاته علم كثير، علم كثير". وبعدها لا يرضى أن يجلس في مجالس العلم، في مجالس العلم. ومر معنا ما بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم: "باب الاغتباط في العلم والحكمة". وقال عمر رضي الله تعالى عنه: "تعلموا قبل أن تسودوا". وفسرت السيادة هنا بأن ينال الشخص منصباً أو وظيفة عالية أو مكانة مرموقة، وفسرت السيادة بالزواج أيضاً: "تعلموا قبل أن تسودوا". قال أبو عبد الله البخاري: "وبعد أن تسودوا"، أي: تعلموا أيضاً بعد أن تسودوا. وقد تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كبار سن، وهم كبار سن. فلهذا يا إخوان، ينبغي على طالبي العلم أن يجتهد في طلب العلم، كما سئل ابن المبارك، ابن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي، عالم خراسان ومفتيها، رؤي يحمل أوراقاً ومحبرة، شيخ كبير وعالم كبير، فقيل له: "يا أبا عبد الرحمن، إلى أين؟ إلى أين؟" قال: "من المحبرة إلى المغبرة"، يعني: يطلب العلم إلى أن يتوفاه الله عز وجل. وعبد الرحمن بن مهدي لما حضرته الوفاة سئل: "يا إمام، ما تشتهي؟" هل قال: تفاحاً أو عنباً أو عسلاً عصيراً؟ أبداً، قال: "بيت خال وإسناد عالٍ، وإسناد عالٍ". فهمم هؤلاء الكبار في طلب العلم. لكن الصغار يا إخوان، لربما يصبح إمام مسجد، أو خطيب جمعة، أو مدرس حلقة، مدرس حلقة، لربما يقذف الشيطان في نفسه أنك اليوم ماذا؟ أصبح لك شأن، وأصبح يشار إليك بالبنان، وينظر إليك الناس نظر احترام وإكبار. فإذا ماذا؟ إذا لا يحب أن يسمع، ولا يحب أن يجلس. قد يقام الدرس ويخرج لغير ما حاجة، ولغير ما عذر، عذره أن هذا الذي سيقوله المدرس ماذا؟ كله موجود هنا، لا داعي أن يجلس فيسمع، لا داعي أن يجلس فيسمع. وهذا من تلاعب الشيطان ببعض بني الإنسان، فيفوتهم من الخير الشيء الكثير. الإمام مالك بن أنس، أبو عبد الله الأصبحي، إمام دار الهجرة، قال: "ما تصدرت للتدريس أو للفتيا حتى شهد لي سبعون من مشائخي أني أهل لذلك، أني أهل لذلك". ولهذا، كما سبق، يقول العلماء: "الحدث إذا تصدر فاته خير وعلم كثير". فإذن يا إخوان، من أول هذه المحاذير أن يرى الشخص أنه عالم وأنه مستفيد، وإذا طرقت المسألة قال: "عندي، أنا سأفصل لكم". ولربما يقحم نفسه في أمور وأشياء لا يتقنها ولا يحسنها. وإنما ينبغي على طالبي العلم أن يشعر بالقصور والضعف والنقص الذي يوجد عنده، وكلما ازداد علماً ازداد ماذا؟ تواضعاً. محمد -كلما ازداد علماً ازداد ماذا؟ تواضعاً، وازداد معرفة بحاجته إلى العلم، بحاجته إلى العلم. ما حوى العلم جميعه أحد، لا، ولو مارسه ألف سنة، ولو مارسه ألف سنة. بل ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]. علم الأولين والآخرين ما هو إلا قليل بالنسبة لعلم الله عز وجل. فما أجمل هذه الوقفة، وما أعظم الفائدة من هذا التنبيه! وهذا يجعل طالب العلم يتواضع، ويبتعد عن الإعجاب بالنفس، وأن يغتر بعلمه، وأن يغتر باجتماع الناس حوله وثقة الناس فيه. وإنما ينبغي أن يزيده ذلك كله تواضعاً وحكمة وحلماً واجتهاداً في طلب العلم. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.