الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوم المزيد هو يوم الجمعة عند بعض العلماء حيث يرى أهل الجنة ربهم، ورؤية الله جل وعلا في الجنة هي أعظم نعيم أهل الجنة. الزيادة في قوله تعالى ﴿ولدينا مزيد﴾ فسرت بالنظر إلى وجه الله.
النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر، وهذه رؤية حقيقية. يراه المؤمنون في عرصات يوم القيامة وبعد دخول الجنة.
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تثبت رؤية الله تعالى يوم القيامة. يُرى الله تعالى ولكن لا يُدرك، والفرق بين الرؤية والإدراك هو أن الرؤية حقيقية دون إحاطة.
نفي الإدراك لا يعني نفي الرؤية، فالمؤمنون يرون الله دون أن يحيطوا به، والدليل قول الله تعالى: ﴿لا يحيطون به علما﴾، مما يبرهن على إمكانية الرؤية دون إدراك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش، فاليوم موسم وحي على واد هناك أفيح، وتربته من أذفر المسك، أعظم منابر من نور هناك، وفضة، ومن خالص العقيان لا تتقسم. ومن حولها كثبان مسك، مقاعد لمن دونهم، هذا العطاء المفخم، يرون به الرحمن جل جلاله، كرؤية بدر التمام لا يتوهم، أو الشمس صحوا ليس من دون سحاب ولا غيم هناك يغيم. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: اللهم لا تحرمنا رؤية هذا المنظر، اللهم آمين. قال: وقوله «يوم المزيد» قد جاء في الآثار أنه يوم الجمعة، كما جاء في حديث المسعود رضي الله تعالى عنه، وصحح الشيخ الألباني رحمه الله، قال: وأن وقت اللقاء ويوم نزيد، أن أهل الجنة يرون ربهم جل وعلا كل جمعة، يرون ربهم جل وعلا كل جمعة. قال: وأن وقت اللقاء هو وقت صلاة الجمعة، فيلاقي أهل الجنة ربهم سبحانه وتعالى، وينظرون إليه كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر، لا أنه سبحانه كالبدر، لأنه أعظم من أن يكون له مثيل، ولكن المعنى أن الرؤية تتحقق كما تتحقق رؤية القمر ليلة البدر. ورؤية الله جل وعلا في الجنة هو أعظم نعيم أهل الجنة، أعظم مما في الجنة من النعيم، وما فيها من لذات وشهوات، أعظم نعيم أهل الجنة هو رؤية الله، ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وهكذا أيضا في قول جل وعلا: ﴿ولدينا مزيد﴾، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فسر صحابة رضوان الله عليهم الزيادة بالنظر إلى وجه الله، فهذا هو أعظم نعيم أهل الجنة. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا، كما في حديث إسماعيل، عن أبي خالد، عن قيس، عن أبي حازم، عن جرير، عن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته» الحديث. قال: فيه الإمام أحمد رحمه الله: في هذا الحديث حديث إسماعيل، عن أبي خالد، عن قيس، عن أبي حازم، عن جرير في الرؤية، لا ينكره إلا جهمي. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الإيمان يرون ربهم جل وعلا كما يرون القمر ليلة البدر، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، ليس معنى أن الله جل وعلا كالقمر، فالله جل وعلا لا يماثله شيء من مخلوقاته، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ولكن التشبيه هنا للرؤية بالرؤية، كما أننا نرى القمر عيانا لا نزدحم في رؤيته، لا نزدحم في رؤيته، كذلك سيرى المؤمنون ربهم يوم القيامة لا يزدحمون في رؤيته. والمراد إثبات حقيقة الرؤية، أن رؤية الله جل وعلا يوم القيامة رؤية حقيقية، فأهل الجنة يرون، أو أهل الإيمان يرون ربهم جل وعلا في عرصات يوم القيامة، ويرونه كذلك بعد دخول الجنة، قال: «أو كما قال رحمه الله أو الشمس صحوا ليس من دون سحاب ولا غيم هناك يغيم»، يعني كما يرون الشمس صحوا عند صفاء السماء، ليس هناك غيوم تحجب رؤيتهم للشمس، كذلك يرى المؤمنون ربهم. قالوا: هذا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاءت بذلك الآيات القرآنية، ولقد حرم لذة التصديق في الدنيا من أنكر هذه الرؤية، وقال: إنها رؤية الثواب وليست رؤية الرب عز وجل، كحال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الأهواء. قال: أو قال: «إنها كناية عن علم اليقين الذي يكون في قلوبهم»، فلقد حرم هذا لذة التصديق، ويخشى أن يحرم لذة التحقيق يوم القيامة، يعني لذة حقيقة الرؤية والتلذذ بالنظر إلى وجه الله جل وعلا، قال: والعياذ بالله، لأن هذا الأمر الآيات فيه واضحة، والأحاديث فيه متواترة. كما قيل: مما تواتر حديث «من كذب»، ومن «بنى لله بيتا»، واحتسب رؤية، شفاعة، والحوض، ومسح خفين، وهذه بعض، يعني هذا بعض مما تواتر نقله عن النبي عليه الصلاة والسلام، سواء تواتر لفظا أو تواتر معنا. قال: فالآيات ظاهرة طافحة، والأحاديث متواترة متكاثرة، قد تلقاها أهل العلم والإيمان بالتصديق والإيقان، فالرؤية إذن ليس فيها إشكال. ولكن هل يدرك أهل الجنة ربهم عند رؤيته؟ الجواب: لا يدركونه، لأن الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، فكما أننا لا نحيط به سبحانه علما، فإننا لا نحيط به رؤية. فهل نحن نرى الشمس؟ بلى، نحن نرى الشمس، ولكن لا نحيط بها، إذن فالله عز وجل يرى، ولكن لا يحاط به، ونحن نراه كيف يشاء سبحانه وتعالى. فنفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، وهذه الآية استدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله جل وعلا، فقالوا: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، إذن ما تراه الأبصار، وهذا ليس بصحيح، لأن النفي هنا نفي للإدراك، وليس نفي للرؤية، والإدراك أعم من الرؤية، الإدراك والإحاطة. فالله عز وجل نفى أن يحاط به، أن تحيط به الأبصار، ولم ينفي الرؤية، لم ينفي الرؤية، فالرؤية ثابتة، لكن من غير إحاطة، كما أننا نرى القمر ونرى الشمس، ولا نحيط بهما، فكذلك يرى المؤمنون ربهم، ولا يحيطون برؤيته. ويدل على ذلك قصة موسى عليه السلام مع أصحابه، لما هربوا من فرعون وجنوده، ماذا قال أصحاب موسى لما أدركهم البحر؟ قالوا: ﴿إنا لمدركون﴾، يعني سيدركنا فرعون وجنوده، البحر أمامنا يمنعنا من المضي والسير والعدو خلفنا، قال موسى: «كلا»، نفى ماذا؟ الإدراك أنهم سيدركونهم، قال: «كلا»، هل في نفيه للإدراك نفي للرؤية؟ أليس العدو يراهم؟ الجواب: نعم، أليس هم يرون العدو؟ الجواب: نعم، إذن هو ما نفى الرؤية، لكن نفى الإحاطة، نفى أن يحيط بهم العدو. إذن نفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، فأهل الإيمان كما سمعنا يرون الله عز وجل، ولا يحيطون به برؤيتهم وبأبصارهم، لأن الله عز وجل أعظم من أن يحاط به شيء من مخلوقاته، كما قال سبحانه: ﴿لا يحيطون به علما﴾. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.