الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 321، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع فضائل سورة الإخلاص وسبب نزولها رداً على طلب المشركين نسب الله، ويذكر مواضع قراءتها في الصلوات والأذكار والرقية، ويروي حديث الصحابي الذي أحبها لاشتمالها على صفة الرحمن فبشره النبي بالجنة، ويشير إلى أنها من المعوذات وتحتوي على الاسم الأعظم.
يروي الحديث القدسي أن الله تعالى يشكو من تكذيب ابن آدم له بإنكار البعث، وشتمه بنسبته الولد إليه، ويبين أن إعادة الخلق أهون من إنشائه أول مرة، مستدلاً بخلق السماوات والأرض وقدرته على إحياء العظام الرميمة، مع توبيخ الإنسان على جحوده وجداله رغم خلقه من نطفة حقيرة.
يبيّن المقطع بطلان قول اليهود والنصارى إن لله ولداً، مؤكداً أن ذلك شتم لله وشرك أكبر، ويستعرض معاني اسمي الله «الأحد» و«الصمد» موضحاً أن التوحيد الكامل يشمل الربوبية والأسماء والصفات والألوهية، وينتقد قول الأشاعرة الذين يقصرون التوحيد على الثلاثة الأولى دون إفراد الله بالعبادة.
يتناول المقطع حديثاً مجملاً عن خلق العالمين مع تكرار عبارات مثل "أرضوا" و"يعطوه بعد قبل"، ويشير إلى تحسين مباشر في السياق المذكور.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «سورة قل هو الله أحد». بسم الله الرحمن الرحيم. يقال: لا يُنَوَّن «أحد» أي: واحد، أحد، نحن واحد. وعن أنه يقف عند الآية، ولا بأس أن يُنَوِّنها ويصلها بالذي بعد. وهذه السورة سورة الإخلاص العظيمة التي هي توحيد الله جل وعلا. وجاء في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «انسب لنا ربك»، فنزلت هذه الآية أو هذه السورة. إلا أن بعض العلماء علَّه بالإرسال، لكن له شواهد تدل على صحته. وأخرجه الإمام الترمذي رحمه الله في نزول أو سبب نزول هذه الآية، وهي مكية باتفاق أهل العلم. وهذه السورة قد قرأها النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من صلاة، خاصة في السنن الرواتب: في الفجر، وثبت أيضا في المغرب، سنة المغرب، وثبت أيضا في سنة الطواف، وأيضا في سنة الوتر، معناه: في الوتر آخر آية أو آخر ركعة من الوتر، وفي غيرها من السور أو الصلوات. وجاء في الصحيحين في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بكاء صبي فقرأ بها، أو قصر. لكن جاءت في رواية غير الصحيح أنه قرأها بـ «قل هو الله أحد»، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ بها. وأيضا أدخلها أكثر أهل العلم أنها من المعوذات، ولهذا كانت توجد في أذكار الصباح وأذكار النوم، أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، والأذكار بعد الصلوات، وغيرها من الأذكار. فكانت عند أكثر العلماء أنها من المعوذات التي تُقرأ، تُقرأ بها في الرقية، تقرأ أيضا في الرقية إذا أراد الإنسان أن يرقي نفسه أو يرقي غيره، يقرأ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: فكان يقرأ «قل هو الله أحد» والمعوذتين. فهذا يدل على فضل هذه السورة. وجاء في صحيح البخاري أيضا أن رجلا كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا كان في غزاة وصلى بأصحابه، فإذا قرأ سورة فكأنه لم تجزئه حتى يقرأ «قل هو الله أحد». فاشتكى أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تفعل ذلك؟» فقال: «إني أحبها لأن فيها صفة الرحمن». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أدخلك الجنة بحبك إياها». وجاء في رواية: «فإن الله أحبك بحبك هذه السورة». وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابا في هذه السورة، الثلاثة، وذكر فوائدها وتفسيرها، وذكر أيضا فوائد عظيمة واستنباطات من هذه السورة. فهي سورة التوحيد. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في سنن الترمذي: «من قال: أسأل الله عز وجل الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوان أحد، إلا استجاب الله عز وجل له». أنا إذا دعا، أو قال: «إذا دعا أحدكم فقال: أسأل الله الذي الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوان أحد، إلا استجاب الله له». ولهذا قال بعض العلماء: إن الاسم الذي في هذه السورة هو الاسم الأعظم. وجاء أنه «الحي القيوم» كما جاء عند الترمذي وأبي داود. فالسورة هذه من السور العظيمة التي فيها بركة عظيمة، لأنها فيها توحيد الله جل وعلا. ونزلت أيضا لبيان توحيد الله، وبيان صفة الرب جل وعلا. قال: «باب: حدثنا أبو اليمان، هو الحكم بن نافع، قال: حدثنا شعيب، وهو ابن أبي حمزة، أيضا حمصي، قال: حدثنا أبو الزناد». أبو الزناد من أين؟ أبو الزناد تعرفون من أين؟ أبو الزناد أي بلد؟ أبو الزناد من المدينة، عبد الله بن ذكوان، وهو أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد يعتبر كنية أخرى. قال: «عن الأعرج». معنى اشتهر بها: عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني، كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد». فهذا الحديث العظيم، حديث قدسي، ربنا جل وعلا العظيم يتلطف إلى عباده، مع أنه هو خالقهم سبحانه وتعالى، لكن هذا طبع ابن آدم، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾، ظلوما لنفسه، وجاهل بربه جل وعلا، إلا من تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى وعرف عظمة الله. فقال الله عز وجل: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك». على يكذب خالقه، يكذب الذي أنشأه، والذي سواه رجلا وركبه في أحسن خلق، يكذبه. وقال: «وشتمني ولم يكن له ذلك». فأما تكذيبه إياي فقوله: «لن يعيدني كما بدأني». وهذا هؤلاء الذين ينكرون البعث. وقال الله عز وجل: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾. من يحيي هذه العظام قد رمت؟ نسى نفسه، ونسى أيضا كيف أُخلِق. قال: ﴿ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾. قال ربنا جل وعلا: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴾. أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى، وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون. فربنا جل وعلا عظيم، يقول الله عز وجل: ﴿ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾. ولهذا استدل ربنا جل وعلا هنا على إمكان البعث بخلق السماوات والأرض. وهو الذي خلق هذه السماوات العظيمة وهذه الأراضين، أليس قادرا أن يخلق مثلهم ويخلق مثل هذا الإنسان الضعيف؟ ولهذا ربنا جل وعلا حتى لا يتكبر هذا الإنسان، خلقه من نطفة حقيرة، خلقه من نطفة، فإذا هو خصيم مبين. قال الحسن: يخاصم ربه ويجادل ربه. خلقه من نطفة، قال: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾، يخاصم الله ويجادل الله، ويجادل دينه. وأيضا يكذب الله عز وجل في خلقه، وكل هذا تكذيب لله عز وجل. وإنكار البعث تكذيب أيضا، لأن من أنكر البعث معناه أنكر خلقه، يلزمه أنه ينكر خلقه، وهو الآن ينكر كيف يعيد الله عز وجل هذه العظام. طيب، الله عز وجل خلق، خلق، خلقك وأنت لم تكن شيئا أصلا، فكيف بعد إن كنت شيئا؟ ولهذا قال ربنا جل وعلا رادا على هؤلاء: ﴿ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾. قال ربهم: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾. الذي ينشئ الشيء من لا من شيء، هو قادر على أن ينشئه وقد كان شيئا. فهذا الذي ينكر البعث فهو يكذب الله عز وجل، ويكذب أيضا خلقه، أن الله عز وجل خلقه، وهذا لازم له. ولهذا قال في هذا الحديث: يقول ربنا جل وعلا: «وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته». وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. فما دام أني خلقته من أول شيء، إذ لم يكن شيئا، فإعادته تكون أهون. إعادة خلقه أهون على الله عز وجل. وكل شيء على الله جل وعلا هين ويسير، سبحانه جل وعلا، له العظمة والكبرياء جل وعلا. فقال: «وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا». هؤلاء النصارى أخزاهم الله، وأيضا اليهود الذين ادعوا أن لله عز وجل ولدا. ﴿ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾. فربنا جل وعلا الغني الحميد سبحانه وتعالى. لكن هؤلاء لعبت بهم الشياطين، ولعب بهم الغلو، ودخل فيهم حتى ادعوا أن لله عز وجل ولدا. فقالت اليهود: «عزير ابن الله»، وقالت النصارى: «المسيح ابن الله». ﴿ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ﴾. لا فرق بينهم وبين المشركين الذين يعبدون غير الله. هم يزعمون أنهم يعبدون الله، لكنهم يشركون. ولهذا قال عبد الله بن عمر: «أي شرك أن يقع أن يقول الرجل: إن الله له ولد؟» يعني: يقول: إن اليهود والنصارى مشركون كذلك. لكن ربنا جل وعلا عاملهم معاملة أخرى غير معاملة الذين يعبدون الأصنام والأوثان، فأحل طعامهم وأحل نساءهم للمسلمين، لأنهم يرجعون إلى كتاب. وهذا تعظيم لذلك الكتاب الذي يرجعون إليه، وإلا فهم كفار، وقد حكم الله عز وجل عليهم بالكفر، ولا شك في كفرهم. بل كما قال شيخ الإسلام: لا شك فيمن لم يكفرهم، من يقول أنهم ليسوا بكفار فهو أيضا كافر. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله من النواقض: أن من لم يكفر الكافر أو شك في كفره، ويراد به الكافر الأصلي، لأن بعض الناس يخلط في هذا الباب، يُراد به الكافر الأصلي: يعني عابد الوثن، أو اليهود، أو النصراني. فإنه من لم يكفر الكافر، أي هؤلاء، أو شك في كفرهم، فهو كافر، لأنه تكذيب لله وإنكار للآيات التي جاءت بتكفيرهم. فقال جل وعلا: «وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد». فذكر نص هذه الآية لأنها توحيد الله جل وعلا. وسيأتي معنا: فـ «الأحد» هو الواحد الذي توحد في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي عبادته. فهو الذي يعبد وحده جل وعلا. وأما «الصمد» فسيأتي إن شاء الله. جعل الإمام البخاري بابا في قوله: «الله الصمد»، الذي تصمد له الأشياء وتحتاج إليه جل وعلا. والأحد كما قلنا هو الواحد، وهو مصدر «وحد»، يوحد توحيدا، مصدره توحيد. فالتوحيد هو جعل الله عز وجل واحد، واحد، أحد، سبحانه وتعالى. وهو أن يعتقد في الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته أن لا يشرك بالله عز وجل في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في عبادته جل وعلا. وقول بعض المبتدعة، قول الأشاعرة مثلا: أنه واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، ولا يقولون واحد في عبادته. معناه: أنه هو المستحق، ما يقولون هذا. لأن لو قلنا: واحد في ذاته، وواحد في صفاته وأفعاله، فهذا توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وأما توحيد الألوهية لم يذكرونه، لأنهم يخالفون في هذا. لكن أهل السنة يقولون: هو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. لأنهم خلقوا بجمع العالمين، ويقولون: أرضوا، أرضوا أخرى، أرضوا أخرى، بجمع العالمين، ويعطوه بعد قبل، كنت الموقع، لأنه فقط الزرقنا، وقالوا أخرى، ويقولون: يقولون أنه يخرج لك، انظروا في المباشر تحسين، يقولون: يقولون.