الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع روايات تتحدث عن تعرض أبي بكر للدغ الحيات والعقارب في الغار، مبيناً ضعف أسانيدها لضعف راويها عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، كما يذكر رواية إصابة إصبعه بحجر.
يروي حديث الغار المتفق عليه حيث طمأن النبي أبا بكر بقوله ما ظنك باثنين الله ثالثهما، ويوضح أن بكاء أبي بكر كان خوفاً على النبي، مع ذكر ملاحقة قريش وتقديم مئة ناقة.
يصف الطريق الساحلي الذي سلكه النبي وأبو بكر مروراً بعسفان وقديد والخرار، وينقل روايات معجزات الغار من نبات الشجرة ونسج العنكبوت وحمامتين مع مناقشة أسانيدها.
أشار المحاضر إلى أن الحديث المذكور طويل وسيتم تفصيله في درس لاحق، مكتفياً بهذا القدر في الدرس الحالي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: ذكرنا في الدرس الذي مضى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في ذكر هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان صاحبه أبو بكر رضي الله تعالى عنه في تلك الهجرة، وكيف كان خطط النبي عليه الصلاة والسلام لتلك الهجرة. قالوا عن عمر رضي الله عنه: قالوا الله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر. خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هاربا من أهل مكة ليلة، فتبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه يحرسه. فمشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلته حتى حفيت رجلاه، وهذا بعدما خرجوا من الغار. فلما رآهما أبو بكر حمله على كاهله حتى أتى به فم الغار، وكان فيه خرق فيه حيات. أنا خرق: فمعنى المرادش أنه فيه تقب فيه حيات، أي تخرج منه الحيات. قال: فخشي أبو بكر أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فألقمه قدمه فجعلت تضربه وتلسعه الحيات والعقارب، ودموعه تتحدر، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تحزن إن الله معنا. فهذا الكلام غير صحيح كما سيأتي من كلام المؤلف. قال: وأما يومه فلما ارتدت العرب، قلت: يا خليفة رسول الله، تألف الناس وارفق بهم. فقال: جبار في الجاهلية، خوار في الإسلام، بما تألفهم؟ أبشعر مفتعل أم بقول مفترأ؟ قال: وذكر الحديث. قال: وهو منكر، سكت عنه البيهقي، وساقه من حديث يحيى بن أبي طالب. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، قال: حدثني فرات بن السائب عن ميمون عن ضبة بن محصن عن عمر. وآفته من هذا الراسبي؛ فإنه ليس بثقة مع كونه مجهولا. ذكره الخطيب في تاريخه فغمزه، غمزه: معنى ضعفه. ففي الإسناد هذا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي. وقال الأسود بن عامر: حدثنا إسرائيل عن الأسود عن جندب، قال: كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، فأصاب يده حجر، فقال: إن أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت. قال الأسود: هو ابن قيس، سمع من جندب بالبجل، واحتج به في الصحيحين. وأنا هذا الحديث صحيح، والحديث في صحيح مسلم. وقال همام، أي ابن يحيى العودي: قال: حدثنا ثابت، ثابت البناني، ثابت بن أسلم البناني، راهب أهل البصرة، وهو من ثقات أصحاب أنس. قال: عن أنس أن أبا بكر حدثه، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم ينظر إلى تحت قدميه لأبصرنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ متفق عليه. وهذا اطمئنان من النبي عليه الصلاة والسلام وتثبيت لصاحبه في هجرته، وكذلك في الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وكما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وهذا ليس كما ذكر في الحديث السابق أن أبا بكر كان يبكي لعجل أن الحيات تلدغه، وإنما كان يبكي خوفا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصاب بشيء من المشركين، فطمنه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ فلا يستطاع أحد ما دام الله معنا، لا يستطاع أحد على أذيتنا. وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا إسناد فيه ضعف، وأيضا إرساء مرسل، لكن أيضا قد جاء من غير طريق، ذكر مثل هذا قد ذكره أيضا ابن إسحاق في سيرته. قال: عن أبي الأسود عن عروة، أن أبا الأسود هو عروة، هو يتيم عروة. قال: عن عروة أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي عليه الصلاة والسلام، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به، ويجعلون لهم الجعل، يجعلون لهم الجعل أن يعطونهم قلون: إن أدركتموه أو أتيتم به فلكم كذا وكذا. قال: ويجعلون لهم الجعل العظيم، أنا جعل: كثير جدا، مئة ناق. ثم جاء في حديث سراقة أنهم جعلوا من يأتي بالنبي عليه الصلاة والسلام فله مئة ناقة. قال: ليلا، قال: فأجاز بهم الدليل أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من عسفان. أنا عسفان: على الطريق، طريق المدينة أو طريق مكة المدينة. أنا عسفان من مكة ظاهر ثمانين كيل، وهي على الطريق، لكن هنا النبي عليه الصلاة والسلام لم يجنح تلك الطريق المسلوكة، وإنما ذهب إلى طريق الساحل. قال: ثم سلك في أمج، ثم جاء بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا. قال: قديد بالكاف وبالقاف. قال: ثم سلك في الخرار، ثم أجاز على ثنية المرة، ثم سلك مدلجة لقف، ثم استبطن مدلجة مجاح. هذه كلها مناطق بين مكة والمدينة على الساحل. قال: ثم بطن مرجح ذي العصوين، ثم أجاز القاحة، ثم هبط العرج، ثم أجاز في ثنية الغائر عن يمين ركوبة، ثم هبط بطن ريم، ثم قدم قباء من قبل العالية. وقال مسلم البراهيم: وهذا كما ذكر من مغازي عروة بن الزبير، قد ذكره البيهقي في الدلائل، لكن الإسناد فيه ضعف. وقال مسلم البراهيم: حدثنا عون بن عمر القيسي، قال: سمعت أبا مصعب المكي، قال: دركت المغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وزيد بن أرقم، فسمعتهم يتحدثون أن النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الغار أمر الله بشجرة فنبتت في وجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين ووقعتا بفم الغار، وأقبل فتيان القريش في عصيهم وسيوفهم، فجاء رجل ثم رجع إلى الباقين فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد. وهذا أيضا فيه ضعف، وبعضهم العلماء وبعضهم الباحثين له بحث على أنه صحيح، وعن نسج العنكبوت كان صحيحا، لكن هذا المشهور الذي جاء من طريق أبي مصعب المكي فهو لا يصح، وقد ذكره أيضا أبو نعيم في دلائل النبوة. وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: قال: اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر للعازب: مر البراء فليحمله إلى رحلي. فقال له عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين خرجتما والمشركون يطلبونكما. ثم ساق الحديث، وهو حديث طويل، إن شاء الله تعالى نذكره في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.