الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع آداب طلبة العلم عند بداية الدرس، مثل الصلاة ركعتين وتحية المسجد واستحباب الطهارة عند ذكر الله. يُشجع على الجلوس بأي هيئة دون تكبر أو بطر.
تحدث عن آداب المجلس وسمت العلماء، حيث يوصى بالجلوس بوقار ولبس ثياب نظيفة دون تكلف أو إرفاه، والتحلي بالأخلاق الفاضلة.
أكد على أهمية الأخلاق للعلماء والمعلمين كقدوة للناس وتلاميذهم، مشيراً إلى أهمية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والتصرفات.
اختتم الدرس مع الدعاء بالتوفيق والتطرق إلى مسألة أخرى في درس قادم، مما يدل على الاستمرارية في طلب العلم وتعزيز الفهم.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى الإمام النووي: قالوا إذا وصل موضع الدرس صلى ركعتين، فإن كان مسجدا تأكد الحث على الصلاة، ويقعد مستقبلا القبلة على طهارة، متربعا إن شاء، ومحتبيا إن شاء، وغير ذلك. فمسألة أنه يصلي ركعتين إذا كان في المسجد، فهي تحية المسجد، وهذا ما في شيء. أما أنه تكون صلاة للدرس، فهذا ليس صحيحا، ولم يثبت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام في شيء من هذا. إنما إذا دخل المسجد فيصلي ركعتين تحية المسجد، هذا مشروع. أما الصلاة ركعتين للدرس، فهذا غير مشروع؛ لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. إن بعض العلماء صحح صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو صلاة الرجل إذا دخل بيته أو أراد أن يخرج، كما صحح الشيخ الألباني ذلك الحديث، وأنه بركة؛ أي صلاة الركعتين عند الدخول وعند الخروج. أما الدرس، فظاهر أنه لم يثبت. وإلا كان بعض السلف إذا استشكل شيئا صلى، وهذا ما في شيء، وهذا يدخل في حديث: «إذا حزبه أمر فليصل»، في حديث حذيفة الذي رواه أحمد وأبو داود، وإن كان فيه شيء من الكلام، لكن بعض العلماء حسنه بالشواهد. لكن معنى ذلك أن بعض العلماء، مثل البخاري رحمه الله، كان يقول: ما وضعت حديثا في صحيحه إلا صليت ركعتين قبل ذلك. وهذا قد يكون صحيحا من ناحية أنه أراد بركة هذا الأمر والفعل، وأن هذا شيء مثل الذي يحزبه الأمر فيهرع إلى الصلاة حتى ينفك عنه هذه الشدة. قال: فإن كان مسجدا تأكد الحث على الصلاة، ويقعد مستقبلا القبلة على طهارة. أيضا ليس فيه دليل أنه يستقبل القبلة. وأما أنه على طهارة، فهذا أمر مستحب؛ أن المسلم يكون دائما على طهارة، وخاصة إذا كان سيقرأ كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأي من ذكر الله. وقد كان بعض السلف يحرص على هذا. وكان مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، إذا أراد أن يحدث في المجلس تطهر ولبس ثيابه وخرج إلى هذا المجلس يحدث. فأما أنه على طهارة كما قلنا، فهذا مشروع؛ فالمستحب أن يكون على طهارة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في حديث ثوبان: «استقيم ولن تحصوا، أي لن تحصوا الاستقامة، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». فالمحافظ على الوضوء من الإيمان، وخاصة أيضا عند ذكر الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي جهيم قال: «إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة». فدل على استحباب الطهارة عند ذكر الله. قال: متربعا إن شاء، ومحتبيا إن شاء، وغير ذلك. معناه: أي جلسة يجلسها، ليس فيها شيء من التكبر ولا شيء من البطر؛ لأنه سيدرس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا فأي جلسة يجلسها لا حرج. ويجلس كما قلنا على أنه يستقبل الناس، وليس يستقبل القبلة؛ لأن الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستقبل الناس. لهذا جاء في صحيحين في حديث أبي سعيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبلنا، وكنا نجلس حوله. أو جاء في الأرض: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم استقبل الناس. قال: ويجلس بوقار، وثيابه نظيفة بيض. ويجلس بوقار، معناه أنه لا يكون مثلا فيه شيء من الخفة، وكذلك أيضا فيه شيء من عدم الاحترام لهذا المجلس ومهابة هذا المجلس. قال: وثيابه النظيفة بيض، أنه يلبس الثياب النظيفة، وإن كان الأفضل البيض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير ثيابكم البيض، البسوها وكفنوا فيها موتاكم». فلبس الثياب البيض أفضل من غيرها. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لبس العباء، ولبس الأسود، ولبس أيضا الأحمر، وسوى كان أحمر مخططا أو صافيا، على الخلاف بين العلماء. ولبس غير هذه الألوان. عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس أكثر لباس البيض، وهو حث عليه أيضا. لكن لو لبس غيره ما في شيء، لكن هنا من باب الأفضل. قالوا: لا يعتني بفاخر الثياب؛ أي لا يتظاهر بالثياب في هذا المجلس، وإنما المقصود أنه احتراما لهذا المجلس أن يلبس ثيابا نظيفة، لا يأتي بثياب متسخة أو ثياب فيها رائحة مثل ما يفعل أهل التصوف، ويظنون أن هذا عبادة. أنه كان قديما أهل التصوف يحبون الرثة والقذارة، ويظنون أن هذا معنى فيه أجر. صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البذاذة من الإيمان»، لكن ليس معنى البذاذة أن الإنسان يلبس ثيابا وسخة أو يتعمد وساخة الثياب. البذاذة معنى يلبس ما عنده، إن كان فقيرا لبس، وإن كان عنده أحيانا يلبس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى الصحابة عن كثير من الإرفاه. فلا بأس أنه يلبس ثوبا ليس بفاخر، وليس أيضا من الثياب التي فيها الرفاهية، ويلبس شيء من الثياب البذلة، ما في شيء. لكن لا يكون يؤذي الناس برائحته؛ لأن كما قلنا في زمن من الأزمان، أهل التصوف رأوا أن كلما كان الإنسان رائحته خبيثة كان أفضل، أو يظنون أنه ولي من أولياء الله. قال: ولا يقتصر على خلق ينسى بصاحبه إلى قلة المرؤة؛ أي يحاول أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة؛ لأن هذه المجالس ليس فقط الإنسان طلبة العلم يأخذون العلم فقط، بل يأخذون العلم ويأخذون السمت والهدي والدل، أي الطريقة التي يمشي عليها العالم. ولهذا كان الناس يقتدون بالسمت والهدي. قال بعضهم: ظاهر أنه قتيبة وغيره، أنه قال: ما كنا نشبه أحمد إلا بوقيعة، وما كنا نشبه بوقيعة إلا بسفيان؛ أي في دله وسمته. ما كنا نشبه أحمد إلا بوقيعة في دله وسمته، وما كنا نشبه وقيعة إلا بسفيان الثوري في دله وسمته، وما كنا نشبه سفيان إلا بمنصور - منصور بن المعتمر -، وما كنا نشبه منصور أو قال: وكان منصور يشبه إبراهيم - إبراهيم بن يزيد النخعي -، وكان إبراهيم يشبه علقمة، وكان علقمة يشبه شيخه عبد الله بن مسعود في دله وسمته، وكان عبد الله بن مسعود يشبه النبي عليه الصلاة والسلام. انظر إلى هذا الإسناد في الدل والسمت. نرى في الدل والسمت، أي في الأخلاق الفاضلة، وأيضا الطريقة التي يكون بها هذا الشيخ. ولهذا قال عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: ما كان أحد أشبه برسول الله في دله وسمته وهديه من عبد الله بن مسعود، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع، ولا ندري ما يفعل عند أهله. أي يقول أبو موسى: ما نعرف أحدا أكثر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: حتى في مشية النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مثله. قال: ما رأينا أحدا أشبه برسول الله، أو قال: ما رأيت أحدا أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دله وسمته وهديه من ابن أم عبد - من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع -، ولا ندري ما يفعل في أهله. معنى ما كان عند أهله ما ندري، لكن ما نراه عندنا في المسجد وعندما يخرج من بيته، فهو على دل رسول الله، يهديه وسمته صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا فالعالم يتعلم منه الأخلاق. ولهذا قال المروذي رحمه الله: قال: كان يحضر مجلس أحمد خمسة آلاف، لا يطلب العلم منهم إلا خمسمائة. كان جميعهم - يعني يحضرون هذا المجلس - لأخذ سمت أحمد الإمام أحمد، وهديه ودله، يأخذون أخلاقه، يتخلقون بهذه الأخلاق العظيمة، يرون هذه الأخلاق من التواضع، ومن أيضا كذلك خفض الجناح، وأيضا كذلك من الليل، وكذلك أيضا كيف يعمل بعلمه، وغيرها من هذه الأشياء التي تأخذ من المدرس. وأيضا المدرس يكون قدوة للناس، يكون قدوة لتلاميذه. فلهذا يكون صاحب أخلاق. قالوا: يحسن خلقه مع جلسائه، ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو شرف أو صلاح، ونحو ذلك. يعني لو فضل بعض الناس، ليس لأجلي شيء، وإنما لأجلي إما علم، وإما شرف، أو صلاح مثلا من آل بيت رسول الله، أو من أهل الصلاح، فوقره في المجلس، فهذا ليس فيه شيء. قالوا: نحو ذلك، تلطف بالباقين، ويرفع مجلس الفضلاء، ويكرمهم بالقيام لهم على سبيل الاحترام. أن يجعل إكرامهم أن يقوم لهم، وإن كان الأفضل أن يتعود الجلوس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار». خرجه أحمد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. لكن بعضهم يقول: لا، بعث بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم» - أي لسعد بن معاذ -، لكن هذا لما قال: «قوموا لسيدكم»، أي لأجل أن يخرجوه، وليس لأجل القيام له، ليس لأجل القيام له، وإنما لأجل أن يقوموا معه؛ لأنه كان مريضا، وقد أصيب في الأحزاب، أصيب بسهم في كتفه. فلهذا قال لهم: انزلوه. فلهذا فلا يقام للرجل إلا إذا كان مسافرا، أو أحيانا إذا كان لأجل مثلا مقامه، ولأجل أيضا كذلك لم يره قبل من فترة، مثل ما فعل أبو الهيثم لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه عنده. طيب، إن شاء الله تعالى نتكلم بهذه المسألة في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.