عاقبة الصبر

الخطبة بعنوان عاقبة الصبر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 جمادى الأخر 1439هـ ألقاها

مقدمة في فضل الصبر وأهميته

يُبين أهمية الصبر في الإسلام ويستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبرز فضل الصبر وثوابه. يُوضح أن المؤمن في كل أحواله يكون في خير إما بالصبر في الشدائد أو بالشكر في النعم.

أجر الصابرين وثوابهم عند الله

الصبر له أجر عظيم عند الله، وهو سبب للفوز بالجنة ونعيمها، وقد رتب الله عليه أجورًا عظيمة ومنازل عالية. وعد الله الصابرين بأجر غير محسوب وهو سبب للنصر والتمكين في الدنيا.

الصبر على الطاعة وترك المعصية ومجاهدة النفس

الصبر على الطاعة وترك المعصية يحتاج إلى جهد أكبر من الصبر على الابتلاءات، واختيار العبد ومحاربته لنفسه في ذلك أعظم من الصبر على ما يُبتلى به. يُثاب العبد على الصبر على فقد الأحبة.

ختام الدرس بالتسبيح والصلاة على النبي

يُختم الدرس بالتسبيح لله وتنزيهه عما يصفونه، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر التقدير لله رب العالمين والمرسلين ويُنهي بالتأكيد على الصلاة والسلام على النبي محمد.

  • 25 جمادى الآخرة 1440هـ - 02/03/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ويقول جل وعلا أيضًا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، وغيرها من الآيات التي يأمر الله جل وعلا فيها بالصبر، ويثني جل وعلا على عباده الصابرين؛ لأن الصبر مقامٌ عظيم من مقامات الإيمان. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر»، الصبر نصف الإيمان؛ فإذا كمل صبر العبد كمل إيمانه، وإذا كمل شكره لله جل وعلا كمل بذلك إيمانه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح الإمام مسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، فالمؤمن يتقلب في الخير في سائر أحواله؛ عند الشدائد والمصاب فهو صابر، وعند النعمى والسراء فهو شاكر، وبذلك يكمل له الإيمان ويرتفع به درجات عند الله جل وعلا. ولذلك رتب الله جل وعلا على الصبر أجورًا عظيمة، ورتب عليه كذلك منازل عظيمة. قال الله جل وعلا، مبينًا أن الصبر خير للعبد: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فالصبر خير للعبد في دنياه وفي دينه وأخراه. ويقول جل وعلا، مبينًا لما للصابرين من الأجر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ويقول جل وعلا، مبينًا أن الصبر سبب عظيم لحصول النصر والتمكين: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُسَوِّمِينَ﴾، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وليعلم أن النصر مع الصبر». وهكذا الصبر سبب عظيم للفوز بالجنة ونعيمها. قال الله جل وعلا، مخبرًا عن الملائكة حين يبشرون عباد الله المؤمنين بما أنعم الله جل وعلا عليهم: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾؛ هذا بسبب صبركم في هذه الدنيا، صبركم على طاعات الله جل وعلا بالمحافظة عليها والمداومة على فعلها، وصبركم عن معصية الله في اجتنابها وتركها والبعد عنها، وصبركم على أقدار الله جل وعلا وتحملها وعدم جزعكم أو اعتراضكم على ما قدر الله جل وعلا. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «قال الله جل وعلا: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -يعني عينيه- فصبر، عوضته منهما الجنة»، إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه؛ أي أخذ الله جل وعلا بصر العبد فصار أعمى لا يبصر، فصبر واحتسب، عوضه الله جل وعلا بدخول الجنة. ويقول عليه الصلاة والسلام كذلك في الصحيح: «قال الله جل وعلا: إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا -أي إذا ابتليت عبدي فقبضت ولد العبد وفلذة كبده- فصبر واحتسب، ليس له جزاء إلا الجنة»، إذا قبض الله جل وعلا ولد العبد وفلذة كبده، فصبر واحتسب، فالله جل وعلا يعوضه بذلك بدخول الجنة. وفي حديث أبي موسى عند أحمد والترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله جل وعلا: إذا قبضتم ولد عبدي -قبضتم ثمرة فؤاده- فيقولون: بلى، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع -أي قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال: فيقول الله جل وعلا: فابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد». أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن الصبر على طاعة الله جل وعلا وعن معصية الله جل وعلا أشد من الصبر على الابتلاءات والمحن؛ لأن الصبر على الطاعات وعن المعاصي لا بد فيه من كسب العبد واختياره، وأما صبره على أقدار الله جل وعلا وابتلاءاته فهي مما ليس للعبد فيها كسب ولا اختيار، وصبر العبد باختياره وكسبه أعظم وأشد. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كان صبر يوسف عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز عما أرادت أشد وأعظم من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقه بينه وبين أبيه؛ لأن هذا ليس من كسبه واختياره، وصبره على مطاوعة امرأة العزيز باختياره وإرادته ومحاربته لنفسه، مع وجود الدواعي التي تدعو إلى الوقوع في مثل ذلك الأمر». اللهم عز الإسلام والمسلمين، وذل الكفرة والمشركين، وأدم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. اللهم عليك باليهود والنصارى وأعوانهم، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، اللهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي يا متين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على