استقبال رمضان

الخطبة بعنوان استقبال رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 شعبان 1437هـ ألقاها

فضل شهر رمضان وأهمية الصيام

شهر رمضان هو شهر مفضل عند الله، أنزل فيه القرآن، وفرض الله صيامه على المؤمنين. يتميز الشهر بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

ليلة القدر وقيام رمضان ومغفرة الذنوب

ليلة القدر ليلة مباركة، العبادة فيها خير من ألف شهر، ومن قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. شهر رمضان شهر رحمة ومغفرة وعتق من النار لمن يقبل على طاعة الله.

استقبال رمضان بالتوبة والطاعات

ينبغي استقبال شهر رمضان بالتوبة والإنابة إلى الله، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، والإقبال على طاعة الله. يجب استغلال أوقات الشهر بما يرضي الله من حضور مجالس العلم وتلاوة القرآن والصدقة وغيرها من أنواع البر والطاعة.

الدعاء في ختام رمضان والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن يوفق الله تعالى لصيام النهار وقيام الليل وإعمار الأوقات بطاعته. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، سبحان الله وتعالى عما يشركون، فالله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، سبحانه وتعالى من خلقه من يشاء فيفضلهم ويميّز بعضهم على بعض، سواء كان ذلك في الأشخاص أو كان في الأيام والشهور. ألا وإن من الشهور المفضلة عند الله والتي اختارها الله جل وعلا وجعل فيها من المزايا والفضائل ما ليس لغيرها من الشهور شهر رمضان المبارك، شهر رمضان المبارك الذي نحن على وشك استقباله بعد أيام قليلة بإذن الله جل وعلا. هذا الشهر، عباد الله، الذي جعل الله سبحانه وتعالى فيه من الخيرات ومن البركات ما كان فيه شهرًا فاضلًا وشهرًا مباركًا وشهرًا عظيمًا، ترفع فيه الدرجات وتكفر فيه الخطايا والسيئات. هذا الشهر، عباد الله، الذي فرض الله جل وعلا صيامه على المؤمنين، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، هذا الشهر العظيم الذي تتشوق إليه قلوب أهل الإيمان وتتشوق إلى لقائه قلوب أهل التقوى، رغبة لما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، محبة لأداء هذه الطاعة والعبادة التي فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده. إن هذا الشهر، عباد الله، من فضائله العظيمة شهر أنزل الله جل وعلا فيه القرآن، هذا الكتاب العظيم وهذا الكتاب المبين وهذا الكتاب المجيد الذي هو أعظم آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، هو المعجزة الخالدة الباقية بقاء الدنيا ولا يفنى ولا يرتفع إلا عند قرب قيام الساعة. هذا الكتاب، عباد الله، الذي جعله الله سبحانه وتعالى هدى للناس، وهو نور يهديهم إلى الصراط المستقيم، من تمسك به وفق للهداية، ومن أعرض عنه ضل وكان من أهل الغواية. قال الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، فلذلك كان هذا الشهر شهر القرآن، فله عناية عظيمة وعناية بالغة تفوق وتزيد عن سائر الشهور. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس، كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. هذا النبي صلى الله عليه وسلم يدارسه جبريل القرآن في هذا الشهر المبارك، ولذلك قال من قال من السلف: ينبغي للمسلم أن يكون له مدرسة لكتاب الله في هذا الشهر، يجعل من ماذا يقرأ عليه ويعرض عليه القرآن ويدارسه القرآن، فإن ذلك سنة نبوية. ولذلك كان السلف لهم من العناية بكتاب الله جل وعلا في شهر رمضان ما ليس لغيره من الشهور، كان إذا أقبل رمضان أقفلوا كتب العلم وأقبلوا على كتاب الله جل وعلا، كما روي ذلك عن مالك وأكذا عن الثوري وغيرهما من السلف. شهر رمضان، عباد الله، جعل الله عز وجل فيه ليلة هي خير ليالي السنة، من أدركها بطاعة الله وعبادته أدرك خيرًا عظيمًا، ومن حرمها فقد حرم خيرًا كثيرًا، ألا وهي ليلة القدر التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. هكذا، عباد الله، يذكر الله جل وعلا فضل هذه الليلة المباركة، وأنها ليلة خير من ألف شهر، العبادة فيها والطاعة فيها خير من عبادة ألف شهر. قال العلماء: وذلك يقدر بقدر خمس وثمانين سنة، نعم، عباد الله، عبادة خمس وثمانين سنة تدرك فضلها بل وأعظم من ذلك إذا أدركت هذه الليلة المباركة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من قام ليلة القدر إيمانًا بشرعيتها واحتسابًا للأجر والثواب، غفر له ما تقدم من ذنبه، هذه الليلة المباركة التي أنزل الله عز وجل فيها القرآن وتتنزل فيها الملائكة ما لا ينزل في غيرها من الليالي. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: «ليلة هي خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم»، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. من حرم هذه الليلة فقد حرم أي حرم خيرًا كثيرًا وحرم خيرًا عظيمًا. هذا الشهر، عباد الله، شرع الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام قيام لياليه، وهي صلاة التراويح التي شرع فيها في ذلكم الشهر أن تصلى جماعة ما لا يشرع في غيرها من الشهور. وما ذاك إلا لفضل ذلك الشهر وأجوى كذلك إعانة الله للعباد أن يقبلوا على طاعة الله وأن يحرصوا كذلك على أداء هذه الطاعة وهذه العبادة التي هي قيام الليل. وما أدراك ما قيام الليل؟ فهي عبادة الصالحين وعبادة المتقين، كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وقال الله جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه عن أبي هريرة. من قام رمضان أي قام قيام الليل وصلاة التراويح، من قامها إيمانًا بشرعيتها واحتسابًا للأجر والثواب، لا يقومها رياءً ولا يقومها عادةً ولا يقومها كذلك حياءً من الناس، وإنما يقومها رغبة في الثواب والأجر من الله، فإنه إن فعل ذلك نال هذا الأجر العظيم أن يغفر له ما تقدم من ذنبه. وفي هذا الشهر، عباد الله، يعتق الله جل وعلا من عبيده من النار، من يعتق ممن يقبل على رحمة الله وعلى نفحات الله جل وعلا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لله عتقاء من النار في كل ليلة من رمضان»، لله عتقاء من النار في كل ليلة من رمضان، رواه الإمام النسائي في سننه وصححه العلامة الألباني رحمه الله. انظروا، عباد الله، إلى هذا الأجر العظيم، هذا الثواب الكبير، من الذي لا يريد أن يكون من عتقاء الله من النار؟ ومن الذي لا يريد أن يكون من الناجين من النار؟ هذا ربك جل وعلا، هذا ربك جل وعلا يخبرك بأنه يعتق عباده من النار في هذا الشهر المبارك، فاحرص أن تكون منهم وأن تكون ممن ينالك عتق الله جل وعلا، وذلك بالإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى. نعم، عباد الله، فشهر رمضان شهر رحمة ومغفرة للذنوب، وعتق من النيران، ولا تكن ممن يحرم هذا الأجر فيكون من المحرومين. جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يغفر له»، رغم أنفه أي يرشق أنفه بالتراب إذلالًا له وتحقيرًا وإهانة، إذ أنه يدرك هذا الشهر العظيم وهذا الشهر المبارك الذي تغفر فيه الذنوب ثم يخرج عليه الشهر ولم يغفر له ذنوبه. وما ذاك إلا لأنه لم يرفع لهذا الشهر رأسًا ولم يكن عنده له قيمة، فلذلك لما لم يعظم حرمات الله ولم يقبل على رحمات الله كان من الذليلين المهانيين. عباد الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين»، متفق عليه عن أبي هريرة. وجاء في خارج الصحيح: «وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر»، إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وهي ثمانية أبواب الجنة وهي ثمانية أبواب. وجاء في رواية عند مسلم: «فتحت أبواب الرحمة»، أي أن رحمة الله قد وسعت وقد نشرت، ماذا في هذا الشهر العظيم حتى يقبل العباد على رحمة الله جل وعلا؟ تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، فما عليك أيها المسلم إلا أن تقبل على طاعة الله وأن تسابق إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. وأن تكون أعمالك في هذا الشهر خيرًا وأعظم مما قبله من الشهور، وأن تتغير أحوالك وتتغير أفعالك إلى ما هو أحسن وما هو أفضل. وأن تكون في شهر رمضان من أهل الجود ومن أهل الكرم ومن أهل الخير والفضل، رغبة في نيل هذا الثواب والأجر من الله، وأن تنالك رحمة الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لم يبق من شهر رمضان المبارك إلا أيامًا قليلة وأيامًا معدودة، ثم يهل علينا هذا الشهر العظيم بما فيه من الخير والبركات وما فيه من الفضائل والأجور والحسنات. فما أحوجنا، عباد الله، أن نحسن استقبال هذا الشهر العظيم، نعم، عباد الله، ينبغي أن نحسن استقبال هذا الشهر بما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى. كم من الناس من ربما يهيئ وقته ويهيئ نفسه لاستقبال هذا الشهر بأنواع من اللهو واللعب، فذاك يهيئ نفسه لاستقبال الشهر بلعب الكرة أو كذلك بلعب الورق أو الظمنة أو غير ذلك من أنواع اللعب واللهو. وآخر يهيئ نفسه ويهيئ بيته لاستقبال هذا الشهر بما يعرض في وسائل الإعلام من أنواع من الأفلام والمسلسلات التي تعرض في هذا الشهر وتبث في هذا الشهر المبارك مما يصد عباد الله جل وعلا عن طاعة الله سبحانه وتعالى. كم يعرض في ذلك الشهر، عباد الله، من مسلسلات ومسابقات وأفلام في أوقات الصلوات وهكذا في الأوقات الفاضلة، حتى لربما يتكاسل العبد عن أداء الصلاة في بيوت الله من أداء صلاة الفريضة أو كذلك أداء صلاة التراويح أو غير ذلك مما يضيع تحته من الأوقات. فلا يستفيد المسلم فيها شيئًا يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا كذلك آخرون يستقبلون هذا الشهر بجمع أنواع وأصناف من المأكولات والمشروبات لربما كان فوق الحاجة وفوق الضرورة بل هو من التوسع الذي لا ينبغي. فلذلك، عباد الله، ينبغي أن نهيئ أنفسنا وأن نهيئ قلوبنا لاستقبال هذا الشهر بالتوبة إلى الله جل وعلا والإنابة إلى الله والإقلاع عن الذنوب والمعاصي والندم على فعلها والعزم على عدم العودة إليها. وأن نفتح صفحة جديدة في حياتنا نملأها توبة إلى الله واستغفارًا وذلًا وخضوعًا لله جل وعلا، وإقبالًا على طاعة الله سبحانه وتعالى، محافظة على الصلاة، وكذلك محافظة على تلاوة كتاب الله ومحافظة على ذكر الله جل وعلا. نستغل أوقات هذا الشهر بما يرضي الله جل وعلا من حضور مجالس العلم وقراءة القرآن وتلاوة كتاب الله والإكثار من ذكره والصدقة وغير ذلك من أنواع البر والطاعة. ينبغي أن نهذب هذه النفوس لاستقبال هذا الشهر العظيم ونهيئها لأن تقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليها من صيام نهاره، وهكذا أيضًا مما يستحب من قيام ليله، رغبة لنيل الأجر والثواب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. من صام رمضان إيمانًا بيع الفرضيته ووجوبه واحتسابًا للأجر والثواب، فليكن في قلبك العزيمة الصادقة والنية الصالحة أن تصوم هذا الشهر خالصًا لله ورغبة في ثواب الله جل وعلا. لا تصومه رياءً ولا تصومه عادةً ولا تصومه حياءً، بل رغبة للأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، حتى تنال هذا الأجر العظيم أن تغفر لك ذنوبك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على فعل ما يحب ويرضاه، ونسأله سبحانه أن يبلغنا شهر رمضان المبارك، وأن يطيل في أعمارنا وأن يعافينا حتى ندرك هذا الشهر العظيم. وأن يوفقنا جل وعلا لصيام نهاره وقيام ليله وإعمار أوقاته بطاعته وبما يحبه جل وعلا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على