الدرس في مجالس رمضانية 6، ألقاها
استعرض المحاضر جود النبي محمد صلى الله عليه وسلم المفرط وكرمه العظيم الذي كان يزداد في شهر رمضان، مستشهداً بأحاديث تصف عطاءه الواسع كإعطائه غنماً بين جبلين. أكد أن هذا الجود النبوي يشكل قدوة عملية للمسلمين في البذل والإنفاق اقتداءً بقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾.
تناول المقطع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث المسلم على البذل والإنفاق في أوجه الخير لا سيما في رمضان، مبيناً أن الله يخلف على المنفق خيراً منه. أوضح أن الإنفاق سبب للنجاة من النار وبركة في الرزق، وأن صدقة السر أفضل إلا لمصلحة راجحة، حتى لو كان قليلاً كشق تمرة.
استعرض المحاضر أحاديث متعددة تبرز فضائل الصدقة منها أنها لا تنقص المال، وأن المتصدق بسر من السبعة الذين يظلهم الله، وأن الصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة. ختم بقصة الرجل الذي سقيت حديقته بفضل تصدقه بثلث ثمره، داعياً إلى التكافل الاجتماعي والإنفاق في رمضان.
اختتم المحاضر حديثه بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. ختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين والإقرار بعلم الله تعالى الواسع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فهذا إخواني في الله مجلس جديد من المجالس الرمضانية التي يكون فيها التعرض لبعض الآداب وبعض الأمور والتنبيهات التي يحتاجها الصائمون. وفي هذا المجلس نحب أن نتذاكر أمراً من جود النبي صلى الله عليه وسلم، الجود الذي يعتبر من آداب الصائمين، ومن الدروس العظيمة التي يستفيدها أهل الصيام، ولا سيما في أيام وليالي هذا الشهر الكريم. في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، هذا في سائر العام أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، أجود بالخير من الريح المرسلة. ذكر العلماء وجه الشبه بين جود النبي صلى الله عليه وسلم وبين الريح المرسلة؛ الريح المرسلة التي تكون سبباً في جلب السحاب الذي يكون سبباً لنزول الغيث، وهذا الغيث إذا نزل نفع الأرض الميتة، وهكذا ينفع الأرض غير الميتة. وجود النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يشمل الفقراء، وهكذا المحتاجين، وهكذا يشمل غيرهم من أهل الكفاية ومن أهل الغنى والسعة. جود النبي صلى الله عليه وسلم يشمل المحتاج وغير المحتاج، الفقير والغني، كما أن الريح المرسلة يعم نفعها الأرض الميتة، وهكذا الأرض التي هي ليست بميتة، التي هي ليست بميتة. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس. أنس رضي الله تعالى عنه يصف نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أنه كان أحسن الناس، قال: وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس عليه الصلاة والسلام. وكرم النبي صلى الله عليه وسلم وجودُه عظيم، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئاً إلا أعطاه. النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يسأل عن شيء إلا ويعطي ذلكم الشيء. قال جابر رضي الله تعالى عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا، فقال: لا. ولهذا قال من قال: ما قال: لا إلا في تشهده، لو لتشهد كانت لا هو نعم. النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقول: لا إذا سئل شيئاً، ما كان يقول: لا ويرد السائل. ولهذا قالوا: ما قال: لا إلا في تشهده، إذا تشهد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: لو لتشهد كانت لا أهو نعم، كانت لا أهو نعم. وهكذا أيضاً النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء عنه كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين فأعطاه. رجل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله غنماً ما بين جبلين، فهل رفض النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، جاد عليه الصلاة والسلام. يقول أنس رضي الله تعالى عنه: قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، يعني مقابل أن الشخص يسلم ويدخل في دين الله عز وجل، كان عليه الصلاة والسلام ما سئل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه. قال: ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. أعطاه غنماً ما بين جبلين، غنم من كثرتها تملأ ما بين الجبلين. الرجل رجع إلى قومه لما رأى هذا الجود وهذا الإنفاق وهذا الكرم العظيم من نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، من لا يخشى الفقر. وهكذا قال أنس رضي الله تعالى عنه: قال: وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، ما ما يلبث يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. بعض الأعراب لربما، وهكذا غيرهم، لربما أسلموا من باب تحصيل شيء من الدنيا، وهكذا الحصول على الغنائم وغير ذلك، قال: فما يلبث حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، أحب إليه من الدنيا وما عليها. وهكذا من جود النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسكها. قال: فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها. قال: فخرج إلينا وإنها لإزاره، الإزار ما يلبس أسفل فيستر عورة الشخص، والرداء ما يغفل أعلى الجانب الأعلى. قال: فخرج إلينا وإنها لإزاره، أي الذي يلبسه، فقال فلان يعني من الصحابة: اكسنيها، ما أحسنها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه. فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لا يرد سائلاً، وعلمت أنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً. فقال أي الرجل: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. فقال سهل بن سعد: فكانت كفنه، فكانت كفنه. وهكذا إخواني في الله، جوده عليه الصلاة والسلام عظيم وكثير وكبير، وقد جعل الله عز وجل لنا في نبينا صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة إلى كل خير. هذه الأحاديث وهذه الوقائع والحوادث التي تذكر في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا لكي نسمعها فحسب ونطرب بها الأسماء، وإنما لكي نتأسى به عليه الصلاة والسلام ونقتدي به في ذلك. فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾، وذكر الله كثيراً. قال الإمام الحافظ المفسر أبو الفدا إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى: قال: هذه الآية آية في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله. ولهذا إخواني في الله نجد أن آيات الكتاب كثيرة، وأحاديث السنة كذلك أيضاً كثيرة، التي فيها الحث على الجود وعلى الإنفاق وعلى البذل في أوجه الخير، وإعانة الفقراء والمساكين والمحتاجين. وما أحوج المسلم إلى مثل ذلك، ولا سيما في مثل هذا الشهر الكريم الذي هو شهر الصدقة. ولهذا سبق في حديث ابن عباس: قال: وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، أجود بالخير من الريح المرسلة. يقول ربنا جل في علاه حاثاً عباده على الإنفاق والاجتهاد في هذا الباب العظيم من أبواب الخير: قال تبارك وتعالى: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾. وهذا أمر ينبغي على المؤمن أن يتيقنه، أنه ما يخرج شيء في سبيل الله عز وجل، ولا يبذل شيئاً من ماله في أوجه الخير، إلا وربنا تبارك وتعالى يخلف عليه بخير منه، يخلف عليه بخير منه. ولهذا يقول الله جل في علاه كذلك في كتابه الكريم: قال: ﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾، يوفى إليكم وأنتم لا تظلمون. ويقول جل في علاه: ﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. مهما كان هذا الخير، ومهما كان هذا المعروف، ومهما كان هذا البذل، ولو كان كلمة طيبة، ولو كان ابتسامة في وجه أخيك، فإن الله عز وجل يعلم ذلك، والله عز وجل يحفظ لك ذلك العمل الصالح، ويكتب لك أجره عنده سبحانه وتعالى. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾. فإخفاء الصدقة الأصل أنه أفضل وأعظم أجراً لصاحبه، وآمن من الرياء والسمعة والشهرة وغير ذلك، إلا إذا كان في إبداء الصدقة مصلحة ومنفعة عامة، فعندها ماذا؟ إبداء الصدقة لربما كان أفضل، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالصدقة فلم يتصدق أحد، فقام رجل وتصدق أمام الناس، فلما رآه الناس تتابعوا على ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» الحديث. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً». هاتان دعوتان من ملكين تصعدان إلى السماء، الأول يقول: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، من أنفق أخلف عليه بخير مما أنفق، والآخر الممسك الحريص البخيل الشحيح الذي لربما لا يؤدي الواجب فضلاً عن المستحب، فضلاً عن المستحب، يقول الملك: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً، يتلف ماله، لربما أتى السراق فأخذوا شيئاً من ماله، ولربما ابتلي بإحراق بعض المال، أو تأتي بعض الكوارث والحوادث فتستغرق منه المال الكثير، إلى غير ذلك. فهذه دعوة من هذا الملك الكريم. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك». الرزق من من؟ أليس من الله عز وجل؟ بلى. فربنا سبحانه وتعالى أمر المؤمن بالإنفاق ووعده بأن ينفق عليه، ووعده بأن ينفق عليه: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك. وربنا عز وجل جوده عظيم وكبير، ونفقته سبحانه وتعالى سحى الليل والنهار، لا يغيظها ولا ينقصها ما أنفقه سبحانه وتعالى منذ أن خلق السماوات والأرض، كما جاء نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أيضاً إخواني في الله من حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الجود والبذل والإنفاق والكرم، وذلك في أوجه الخير، ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: نبينا أو أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ أي الإسلام خير؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، على من عرفت ومن لم تعرف. انظر، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيرية وخير المسلمين وأفضل الإسلام وخيره في إطعام الطعام وإقراء السلام، قال: على من عرفت ومن لم تعرف، على من عرفت ومن لم تعرف. ثم مما ينبغي علينا أن نعلم أن هذا الإنفاق وهذا الجود وهذا الكرم وهذه الصدقات تعتبر سبباً لنجاة هذا العبد من نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، إلا الأشقى. هذه الصدقة التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». قال: فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة». فاتقوا النار ولو بشق تمرة. ما هي التمرة؟ تمرة معروفة. قال: ولو بشق تمرة، أي نصف هذه التمرة، اجعلها بينك وبين عذاب الله عز وجل وقاية. وفي هذا دليل على أن الشخص لا ينبغي أن يستقل الصدقة، ولو كان خمسة ريال، يا عبد الله تعطيها مسكيناً أو مسكينة أو يتيماً أو أرملة أو جاراً أو غير ذلك، فماذا يكتبها الله لك في صحيفة أعمالك ويربيها عنده سبحانه وتعالى حتى تكون كالجبل، حتى تكون كالجبل. يبارك الله عز وجل، ولا سيما إذا كان الشخص في هذا العمل مخلصاً، فإن الله عز وجل يبارك له في هذا العمل، يبارك له في هذا العمل. وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي أمامة الباهلي سدي بن عجلان رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خيراً لك، وإن تمسكه شراً لك، ولا تلام على كفاف». ولا تلام على كفاف. أي لا يلام الشخص على إمساك ما يكفي حاجته، هذا لا يلام. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول». وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً»، أي الذي يكفيه، وقنعه الله بما آتاه. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً». النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يقول: «يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خيراً لك، وإن تمسكه شراً لك، ولا تلام على كفاف». قال: «وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى». قال: وابدأ بمن تعول، واليد العليا، أي المعطية المنفقة، خير من اليد السفلى، أي التي تأخذ ما تعطاها. وهذا كذلك أيضاً يدل على فضل الإنفاق والجود في أوجه الخير. وفي صحيح مسلم كذلك من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال». الصدقة إذا خرجت فإنها لا تنقص ذلك المال. لماذا؟ لأن الله عز وجل يخلف على العبد بخير منها، والله عز وجل يبارك في ذلكم المال الذي حصل منه، وفيه الإنفاق منه، وفيه الإنفاق. وهكذا مما يدل على فضل الصدقة والجود والإنفاق ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». ثم ذكر عليه الصلاة والسلام هؤلاء السبعة، فقال: «إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». قال: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». الشاهد من هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». وهذا يدل كذلك على ما تقدم من أفضلية الإسرار بالصدقة وإخفاء هذه الصدقة. وجاء عند الإمام الترمذي رحمه الله تعالى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، الصدقة على المسكين صدقة، قال: وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة». صدقة وصلة. وهذا يدل على أن التصدق على الأقارب والأرحام أفضل من التصدق على غيرهم إذا كانوا من أهل الحاجة، إذا كانوا فقراء محتاجين، فالتصدق عليهم أفضل من التصدق على غيرهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة، صدقة وصلة». وهكذا من حثه عليه الصلاة والسلام على الإنفاق والجود، قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث عقبة بن عامر عند الإمام أحمد والحاكم، وهكذا ابن حبان وغيرهم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وشيخنا الإمام الوادعي رحمة الله عليهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس». أي يوم القيامة حتى يفصل بين الخلائق ويقضى بينهم، إما إلى جنة وإما إلى نار، فكل إنسان وكل عبد يكون في ظل وتحت ظل صدقته. ومما نختم به هذا المجلس حديث عظيم، ألا وهو ما جاء عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بفلاة، يمشي بفلاة، والفلاة هي الأرض التي لا ماء فيها». قال: «بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسقِ حديقة فلان، اسقِ حديقة فلان». قال: «فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، والحرة هي الأرض التي يغلب عليها الحجارة، التي يغلب عليها الحجارة». قال: «فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجه من تلك الشراج، يعني مسيل الماء، فإذا شرجه من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله». قال: «فتتبع الماء فإذا هو رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، يحول الماء بمسحاته». فقال له: «يا عبد الله، ما اسمك؟» قال: فلان، للاسم الذي سمع، سمع في السحابة. فقال له: «يا عبد الله، لِمَ تسألني عن اسمي؟ لِمَ تسألني عن اسمي؟» فقال: «إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه، الذي هذا ماؤه، يقول: اسقِ حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ ما هو السر؟ ما هو الذي جعل الماء يسقي حديقتك من بين سائر الحدائق، وهكذا غيرها من الشراج؟» قال: «ذلكم الرجل، أما إذ قلت هذا، قال: فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثاً». يجعلها ثلاثة أقسام: الثلث الأول يتصدق به، الثلث الثاني يأكله هو وعياله، الثلث الثالث يرده فيها، أن يستعين به على زراعة الأرض وإصلاح هذه الأرض، وإصلاح هذه الأرض. فهذه إخواني في الله إشارات وجمل إلى أهمية الجود وأهمية الإنفاق والتعاون على البر والتقوى، ولا سيما أيها الإخوة في الله ونحن نتمتع ونتقلب مع أيام وليالي هذا الشهر الكريم الذي هو شهر الجود وشهر الصدقة وشهر الإنفاق، وموسم من مواسم الخير. ما أحوجنا إلى التواصي بمثل هذه المواضيع وفتح مثل هذه الأبواب، وذلك لكثرة المحتاجين، وهكذا غلبت الفقر على كثير من الناس، فلربما من إخوانك من يظل طاوياً، ينام بلا عشاء، وآخر بلا كسوة، وآخر بلا علاج، وهكذا غيرها من الأمور التي تستدعي التعاون والتكافل بين المؤمنين. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، يشد بعضه بعضاً». وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». اليوم غلب على كثير من الناس، إلا من رحم الله، الحرص على المال، وهكذا الشح. فلربما جاءه المريض أو جاءه الملهوف، ويريد ماذا؟ يريد من يفك كربته وينفس عنه، وهكذا يقضي حاجته. فلربما يبخل بعض من أوسع الله عليه ويسر الله له، في أن حتى مجرد السلف والدين أصبح عند كثير من الناس ضيقاً، يقول: متى سيعيدها؟ والله أعلم كيف، لعله يماطل، ولعله ولعله إلى غير ذلك. وربنا تبارك وتعالى، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى ماذا جاء الحث في الكتاب والسنة على ماذا؟ أهمية الإقراض وإعانة من كان في ضائقته وشدته وأزمته، والأجر من الله تبارك وتعالى. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يوفقنا إلى مكارم الأخلاق وجميل الصفات، وأن يجعلنا وإياكم ممن يخرج من هذا الشهر الكريم بالقبول والرضا من الله عز وجل، وأن يجعلنا جميعاً من عتقائه من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.