الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 76، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
دعوة جميع الرسل اتفقت على التوحيد وإخلاص العبادة لله، مع اختلاف في بعض الأحكام التعبدية. الرسالات السماوية تدعو إلى توحيد الله وعدم الشرك به.
اختلاف الشرائع بين الأمم يعود إلى حكمة الله وابتلى عباده. جميع الرسائل السماوية اتفقت في ثلاثة أصول: توحيد الله، التعريف بالطريق الموصل إلى الله، والتشريعات.
جميع الرسالات اتفقت على ثلاثة أصول: إثبات التوحيد، التعريف بالطريق الموصل إلى الله، والتعريف باليوم الآخر. الأنبياء والرسل أجمعوا على هذه الأصول ولم يختلفوا فيها.
الدرس يختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم. الختام يعبر عن الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: هل اتفقت دعوة الرسل فيما يأمرون به وينهون عنه؟ هذا السؤال ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- مما له تعلق بمبحث الإيمان بالرسل، وذلك من نظر في رسالاتهم والربط فيما بينها. فما من نبي وما من رسول إلا وله شريعة أتى بها، إما مستقلة وإما يجدد بها شريعة من كان قبله. لكن بقي مدى ارتباط هذه الشرائع فيما بينها. فقال -رحمه الله تعالى-: هل اتفقت دعوة الرسل فيما يأمرون به وينهون عنه؟ قال -رحمه الله-: اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد. هذه الفقرة وهذه المسألة، وقل وهذه الحيثية، ما من نبي وما من رسول وما من مبعوث من رب العالمين إلا واتفقت الرؤى واتفقت الكلمة على هذا المبدأ. ما هو المبدأ؟ قال: على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد. فمهما وليت وجهك -يا عبد الله- يمنة ويسرة، وبحثت في الرسائل والكتب السماوية، تجد أنها كلها تدعو إلى توحيد الله. قال إمام السعدي -رحمه الله تعالى-، مبينًا هذه الحقيقة: «فالرسل والكتب كلها متفقة على وجوب إخلاص الدين لله». هذا بالإتفاق، ما تجد شريعة ستشذ عن هذا المبدأ. ما تجد نبيًا أو ما يكون في رسالته أنه يدعو للشرك، حاشا وكلا، أو أنه يدعو إلى صرف العبادة لغير الله أبدًا. لن تجد هذا. فالرسل من أولهم من آدم -عليه السلام- إلى نبينا -صلوات ربي وسلامه عليه- كلها اتفقت على إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى. قال -رحمه الله-: اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد، بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، اعتقادًا وقولًا وعملًا. كل عبادة، سواء كانت عبادة قولية أو عبادة اعتقادية أو عبادة عملية فعلية، فهي تصرف لله سبحانه وتعالى. وأما الفروض، فإن هذه مسألة متفق عليها بين جميع الرسائل، إخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى. وكما قال ربنا -جل في علاه-: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، أن أقيموا الدين، وهو إقامة دين التوحيد، يكون لله -جل في علاه-. قال: وأما الفروض المتعبد بها، فقد يُفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها ما لا يُفرض على الآخرين، ويُحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين، امتحانًا من الله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملًا. أما من جهة التعبد لله سبحانه وتعالى، فقد تختلف الشرائع. فقد تختلف الشرائع في الأحكام التعبدية. فقد يُفرض ربنا على هؤلاء من الصلاة والصيام والزكاة ما لا يُفرض على غيرهم، وهكذا. وقد يُحرم ربنا على قوم على شريعة ما لا يُحل لغيرهم. وهذه المسألة -الإخوان في الله- وهو التكييف والاختلاف في الشرائع، يعود إلى حكمة الله سبحانه وتعالى. فلله الحكمة البالغة فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه، وفيما يُشرع لعباده. فالناس يختلفون في أزمانهم وأوقاتهم وطبائعهم. فلأجل هذا الاختلاف يختلف التشريع. فتجد من الشريعة ما يكون فيها شيء من التشديد، ويكون في بعض الشرائع ما فيه شيء من التخفيف. وكل ذلك يعود إلى حكمة الله. وكله ابتلاء ليرى ربنا -عز وجل- من هذا الذي يُذعن لدينه ولشريعته ولما أمر به ربنا -جل في علاه-. فتجد من الأحكام التعبدية ما تكون في شريعة رسول وتستمر إلى أن يأتي أو تأتي شريعة أخرى، فتقف هذه الشريعة وينسخ كل ما فيها، ثم تؤتى بشريعة أخرى أو رسالة جديدة. هذا قد يقع تغيير في التشريع، أو يكون أحيانًا الشريعة هي هي في أصلها، لكن يختلف ماذا في كيفياتها؟ في جزئياتها؟ في تفاصيلها؟ في مقاديرها؟ تختلف من هذا إلى هذا. أو تكون لربما هذه الشريعة تنضي على حال، ثم تأتي شريعة أخرى بإضافة عبادة لم تكن في السابق، ما كان عندهم سلفًا. وهذا -إخواني في الله- كما قال علماء، يعود إلى حكمة الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال مؤلفنا: «امتحانًا من الله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملًا». فهذا -إخواني في الله- خلاصة هذا المبحث. والعلماء -رحمهم الله تعالى- بينوا هذه المسألة بمعنى أدق، وذكروا أن جميع الرسائل التي أرسلها الله سبحانه وتعالى من عنده إلى أممهم اتفقت في ثلاثة أمور، أو قل اتفقت في ثلاثة أصول، لا يكاد أحد من أنبياء الله ورسله يختلف فيها. الأصل الأول هو تقرير توحيد الله -جل في علاه-، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يُعبد لا سواه، وأن الإخلاص يكون له ولدينه -جل في علاه-، لا هناك ند، لا هناك شريك، لا هناك نظير، ما هناك أحد يُعبد مع الله. هذا الأصل -عباد الله- هو الأصل الأول، والذي ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- ها هنا. وهذا هو الأصل -كما قلنا- متفق عليه. الأصل الثاني والذي اتفقت عليه جميع الرسائل هو التعريف بالطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا يدخل فيه ما يتعلق بمسألة النبوات، ومسألة التشريع والتفريعات، وما يكون ذلك من أوامر ونواهي، ومن أحكام وطاعات وقربات ونوافل وسنن، يدخل في ذلك الترغيب والترهيب، يدخل في ذلك فضائل الأعمال. فالطريق الموصل إلى الله هذا أمر أجمعت عليه الرسل. أن ما من نبي وما من رسول إلا وضع لقومه طريقًا توصل إلى الله. وهذا قد أشرنا إليه في أوائل مبحث الإيمان بالرسل، أن هذه الفائدة من إرسال الرسل، أنهم يعرفوا الناس الطريق إلى الله. ما يمكن لأحد أبدًا بنفسه، بقلبه، بفطرته، أن يصل إلى الذي يريده الله. ما يحد يعرف إلا عن طريق النبوة والرسالة. فأجمعت الرسائل جميعًا على أنهم لابد أن يعرفوا الخلق بطريق توصل إلى الله. وكما قلنا، وهذه الطريقة تختلف من نبي إلى نبي، بين تشديد وبين تخفيف، بين نسخ وبين إمضاء، تختلف. لكن لابد من شريعة، لابد من طريق توصلهم إلى الله سبحانه وتعالى. الأصل الثالث والذي تم الاتفاق عليه بين جميع الرسل وفي جميع الرسالات، التعريف باليوم الآخر. التعريف باليوم الآخر، ويدخل في ذلك تقرير أمر المعاد، وما يلحق ذلك من الموت، ومن الحياة البرزخية، ومن البعث والنشور، وما يكون من الحساب والعقاب، ما يكون من الجنة والنار. هذا أصل اتفقت عليه جميع الرسائل. كل الرسل أخبروا أقوامهم عن ذلك اليوم، وضرورة الاستعداد له، وما يتبع ذلك من الحساب والعقاب والجنة والنار. لا أحد يختلف في هذا. ما أحد. وما ظهر في هذه الأزمان -مثلًا- عند النصارى خاصة، من أنهم أخذوا يعيدون النظر في مسألة القيامة، وتصور الجنة والنار، وهل لهذه حقيقة أو ليس لها حقيقة، كما ينعق بها بعض من يدعي النصرانية، هذا ليس منبثق من دين عيسى -عليه السلام- أبدًا. وإنما هذا من تأثر القوم بالعلمانية وبالحركات اللادينية. إذ أن الكثير من هذه الأديان الموجودة تأثرت من الأفكار التي قد انتشرت في أزمانهم، تلطخت. فتجد بعض الأديان تتلطخ، تأثرت بالماركسية، وبعضها بالشيوعية، وبعضها بالعلمانية. حتى سمعنا في الآونة الأخيرة أن بعض النصارى من أخذ يعيد النظر حول كيفية طرح موضوع الإيمان باليوم الآخر، كيف سيخاطب الناس؟ وخاصة أن النصارى قد كثر عندهم الإلحاد، كثر عندهم الإلحاد، حتى أصبح بعضهم ينظر إلى الكنيسة بسخرية. مثل ما ابتلى الله به في مثل هذه الأزمان، تجد بعض من الناس العلمانيين -مثلًا- أو تجد أن العلمانيين ينظرون إلى أهل المساجد نظرة استخفاف: من يعبدون هؤلاء؟ وإيش الصلاة؟ وإيش الصيام؟ هذه النظرة موجودة كثير عند النصارى خاصة، من تأثر منهم بالإلحاد. والعلمانيون ينظرون إلى الكنيسة وما عليها من طقوس، والإيمان باليسوع، هذا كله تراث وكله دجل. حتى وصل الأمر إلى أن بعض النصارى أخذ يعيد النظر في ثوابت عقيدتهم، ومنها الجنة والنار والحساب والعقاب واليوم الآخر بشكل عام. وأخذ بعضهم يلوح إلى أنه لا هناك يوم آخر، وإنما هي الأعمال يجاز بها العبد في هذه الدنيا، ثم ذهب، مات، وقضي نحبه، ولا ينتظر بعد ذلك بعثًا ولا نشورًا. هذا ليس من دين عيسى -عليه السلام-، بل عيسى -عليه السلام- هو ومن معه من أنبياء ورسله كلهم على هذا الأصل الثالث، وهو أنهم يقرون باليوم الآخر، وعرفوا الناس به، وعرفوا الناس به. إذن -إخوانا في الله- هذه الأصول الثلاثة هي التي اتفقت عليها جميع الرسل والرسالات، لا اختلاف بينهم ولا تنازع فيما بينهم على إثباتها. أولًا: إقرار وإثبات التوحيد لله -جل في علاه-. الثاني: التعريف بالطريق الموصل إلى الله. الثالث: التعريف باليوم الآخر. فهذا مما اتفقت عليه كلمة الأنبياء والرسل. فأسأل مولاي -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.