الخطبة بعنوان التنبيهات الحسان في استقبال رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 شعبان 1437هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الخطيب عن أهمية استقبال شهر رمضان بالفرح والاستبشار والتفقه في أحكامه، ويشير إلى ضرورة تجاوز التحضير المادي إلى الاستعداد الروحي. يُشدد على أن الفرح بشرع الله هو عبادة جليلة.
ينبغي على المسلم استقبال رمضان بالتوبة وترك الظلم، وتصحيح أخطائه، والتحلل من المظالم، ورد الحقوق إلى أهلها ليقبل الله توبته وأعماله. يجب السعي في الإصلاح مع المسلمين وخاصة الأقرباء.
المقطع يتضمن أدعية وتسابيح ختامية بعد الصلاة، تشمل طلب المغفرة للمؤمنين والمؤمنات والصلاة على النبي محمد. يُظهر أهمية التعبد في الختام بالدعاء والذكر.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها قد أظلنا شهر عظيم مبارك، شهر لطالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين والعارفين، شهر ميزه الله بالخصائص والفضائل والأجور والمناقب، وكيف لا؟ فربك يخلق ما يشاء ويختار، وأعني به شهر رمضان. هذا الشهر هو شهر الخيرات وموسم البركات، شهر تتضاعف فيه الأجور وتزداد فيه الحسنات، شهر قد قرب دنوه ودنى وصوله، فلله الحمد من قبل ومن بعد. عباد الله، إن الحديث عن رمضان ليطول ويطول، فوحديث ذو شجون، فمواضيعه مترامية الأطراف متشعبة الأهداف. إن شئت يا عبد الله كان الكلام عن رمضان بذكر فضائله ومناقبه، وما أعده الله لأهله من الصائمين والقائمين من خيري الدنيا والدين، من رفيع الدرجات وعلو الطبقات. وإن شئت يا عبد الله كان الحديث عن رمضان بذكر أسراره ومقاصده، وبيان علله وحكمه التي تبهج العقول وتدهش الأفئدة والقلوب، ويدلاله على عظيم شرعة الله جل في علاه. أو كان حديثنا عن رمضان بذكر أحكامه ومسائله، بذكر أركانه وشرائطه، وبيان واجباته أو مستحباته، ومعرفة نواقضه ومبطلاته، والتعرف على أهل الأعذار من أهل الوجوب. عباد الله، لكن حسبنا في هذا المقام أن نتكلم بما يقتضيه المقام، وهو حول كيفية استقبالنا لهذا الشهر المفضل. فما هي إلا أيام بإذن الله جل في علاه، وسيحل علينا هذا الضيف الكريم وهذا الشهر العزيز، فكيف استقبالنا له؟ إنه من تأمل لأحوال الناس في إزاء استقبالهم لشهر رمضان ليرى العجب العجاب، فكل وعاء بما فيه ينضح. فتجد أن الكثير من الناس لربما اقتصرت هممهم في استقبال رمضان على شراء ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ومن توفير المواد الغذائية وتكديس السلع التموينية. وإن كنا لا نحرم على الناس شراء مثل هذه المشتريات، لكن بقي أهكذا يكون استقبالنا لرمضان؟ عباد الله، إن شأن رمضان أجل وأرفع من أن يستقبل برغبة البطون وملء الصحون. إن الله سبحانه وتعالى ما شرع رمضان إلا تهذيبا للنفوس وتطهيرا للقلوب وتثبيتا لما في الصدور. ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وإن المحب والصادق في محبته وتعظيمه لهذا الشهر المفضال، فإن له استقبالا يليق بعظمة الشهر وأبهته. وإنني في هذا المقام عباد الله لأذكر بعض المقامات التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يعد العدة في استقبال هذا الشهر الكريم. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة. فمن ذلكم عباد الله من أعظم ما يستقبل به رمضان الفرح به والاستبشار بمقدمه، وأن يطلع هذا الفرح في صميم قلوبنا، ثم يظهر أثره في تقاسيم وجوهنا وفي عبارات ألسنتنا. فإن من المقامات العظيمة والعبادات المنيفة الجليلة التي ينبغي أن يتصف بها المسلمون هو الفرح بكل ما شرعه لنا ربنا من أحكام ومن دين. قال جل في علاه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. الفرح والاستبشار بما يشرعه لنا ربنا من أحكام ومن دين، ومنها الصيام. ومن هنا ذهب جماعة من العلماء إلى مشروعية استحباب التهنئة بمقدم رمضان، حتى قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "هذا أصل في مشروعية التهنئة بعضهم بعضا في شهر رمضان". كل ذلك من باب الفرح، كل ذلك من باب الطرب والاستبشار بهذا الشهر المفضل. واعلموا عباد الله أن هذا الخلق وهو الفرح بطاعة الله وعبادته يعتبر فيصلا بين أهل الإيمان وبين أهل الشقاق والنفاق. فإن المؤمن كما أنه يفرح بالعبادات والطاعات وينشرح صدره لها، فإن المنافق على عكس من ذلك. كما قال ربنا حاكيا عنهم: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾. المنافق والمنافقون يستثقلون العبادات ويشمئزون منها ويضيقون بها ذرعا. أما المؤمن فأمره على خلاف ذلك، فهو ينشرح له صدره ويطمئن له قلبه، كأيام رمضان ولو طالت ساعات نهاره ولو اشتدت حرارته. فما له من رمضان إلا الفرح بمقدمه. وهكذا عباد الله، من أعظم ما ينبغي أن يستقبل به رمضان، وخاصة ونحن في مثل هذه الأيام، أن نجد ونجتهد في تحصيله التفقه والتعلم لأحكام رمضان. فإن الصيام يا عبد الله عبادة من العبادات الشرعية التي لا قوام لها إلا بالعلم. قال سبحانه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. قال العلماء: "فهنا بدأ ربنا سبحانه وتعالى بالعلم". ومنه استفاد العلماء على أن العبد المسلم إذا أراد أن يقبل على طاعة من الطاعات أو عبادة من العبادات قولية كانت أو فعلية، فعليه أولا أن يشتد في تعلم أحكامها ومسائلها. وهكذا قل في شهر الصيام. فللأسف كم من رجل وكم من امرأة حباهم الله بصيام العديد والعديد من رمضانات، إلا أنهم كانوا في عماية تامة عنها وعن أحكامها. فإذا بهم يخبطون في الصيام خبط عشواء. فكم من المفطرات التي تلبسوا بها في نهار الصيام وهم لا يشعرون، وكم من مباحات أبيحت لهم فحرموها على أنفسهم وهم لا يعلمون. وهكذا حالهم على تلك السنين وعلى تلك الأعوام. وكما قال سلفنا الصالح: "من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح". فعلينا عباد الله أن نغتنم هذه الأيام القلائل في الانكباب والاعتكاف على مجالس الذكر وعلى مجالس العلم، حتى نتفقه في ديننا ما يكون فيه صلاح لصيامنا. فلا سبيل يا عبد الله إلى ضمان صحة صومك إلا بمثل العلم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله لا زلنا وإياكم نستعرض بعض المقامات التي ينبغي أن يستقبل بها رمضان، وخاصة ونحن في مثل هذه الأيام. فكان مما مضى ذكره الفرح به والاستبشار بمقدمه، وأن تملأ القلوب طربا بمجيئه ووصوله. وأيضا مما ينبغي أن يستقبل به رمضان الإقبال على العلم وعلى التفقه لمسائله وأحكامه، حتى تكون يا عبد الله على بينة من أمرك. وأيضا عباد الله مما ينبغي أن يستقبل به رمضان، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أن نسعى جميعا إلى إزالة كل ما يعيق من قبول صيامنا وعباداتنا. فيا عبد الله، رب عمل تعمله فتتعب فيه وتؤديه، ثم إذ به يكون مردودا على وجهك، لا يرفعه الله ولا يقبله، ولا تجده مقيدا في صحيفة أعمالك. وإن الموانع التي تمنع من قبول الأعمال كثيرة، لكن حسبنا في هذا المقام الإشارة إلى بعضها وإلى أهمها. فمن ذلك يا عبد الله عليك أن تسعى بترك الاعتداء على الآخرين والظلم عليهم، الاعتداء والظلم على حقوق الآخرين. وأعني بهذه الحقوق الدماء والأموال والأعراض. هذه الحقوق يا عبد الله الذي من تلبس بها واعتدى على إخوانه المسلمين، فانكب على أموالهم وسفك دماءهم وطعن في أعراضهم، فعليه أن يعلم أنه ينبغي أن يكف عن ذلك. فإن رمضان هو شهر التوبة وهو شهر المغفرة، يتوب الله فيه على من يتوب من عباده. إلا أن العلماء قد اتفقوا على أن الذنب إذا كان العبد فعله مع طرف من عباد الله، وذلك بالتسلط على حقوقهم، فليعلم العبد حينها أن الله لن يقبل منه توبة حتى يتحلل من المظالم، وذلك بإرجاع الحقوق إلى أهلها والتسامح وطلب المسامحة من أهلها. ففي السنن من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: «الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله. فأما الظلم الذي لا يغفره الله الشرك بالله، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العبد لنفسه، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فمظالم العباد بعضهم مع بعض». «مظالم العباد بعضهم مع بعض». ولا يخفى على أحد منكم حديث المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات عظام كالجبال من صلاة وزكاة وصيام، إلا أنه عندما اعتدى على الناس فظلمهم في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، كان مآله أن أخذت من حسناته فأعطيت لغرمائه، ثم كان أمره أن أطرح في النار على أم وجهه. ولا حول ولا قوة إلا بالله. لذا يا عبد الله يا من ابتليت بالمظالم أو تناولت شيئا من هذه المظالم، وجب عليك استيفاؤها الآن، وذلك بإرجاع الحقوق إلى أهلها، وإلا فاعلم أن ما تعمله من عمل من صلاة وصيام وقيام لا يقبله الله سبحانه وتعالى، بل بالعكس فهو يعود إلى غرمائك ويعود إلى خصومك. وأيضا عباد الله من الأمور التي ينبغي أن يسعى المؤمن إلى تحصيلها حتى يتقبل ربهم منه الطاعات والعبادات، السعي يا عبد الله في الإصلاح مع المسلمين، مع قرابتك وأرحامك، مع أهلك وذويك، من والديك ومن أبنائك، ومع زوجك ومع إخوانك وأخواتك. فإن القطيعة يا عبد الله سبب من أعظم الأسباب في تعليق الأعمال وفي ردها على وجه صاحبها. فقد ثبت في صحيح مسلم أن السماء ترفع لقبول الأعمال، فيغفر الله لكل أحد إلا لمشرك أو متشاحن. وثبت أيضا في السنن قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا» - بمعنى لا يقبل الله منهم لا فريضة ولا نافلة - ومن هؤلاء قال عليه الصلاة والسلام: «العاق» - وهو الذي قطع صلته بوالديه أو بأحدهما - «لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». فالبدار البدار يا عبد الله، البدار يا عبد الله إلى السعي في مصالحة كافة المسلمين، وخاصة من كان من أقرب الناس إليك من أرحامك وقرابتك وأهليك وذويك. فإن ذلك من مكارم الأخلاق ومن شيء من نبلاء. قال ربنا جل في علاه: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. وأيضا عباد الله من الموانع التي تمنع من قبول الأعمال ترك الصلاة، ترك الصلاة. إنه لا عجب وأي عجب أن نجد جماعة من الناس من أمة الإسلام من لربما يحرصون على الصيام أكثر من حرصهم على الصلاة. فيا سبحان الله، بل إن بعضهم لربما يصوم ولا يصلي، يصوم ولا يصلي. نبينا صلوات ربي وسلامه عليه قال كما في صحيح البخاري: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». فما ظنك يا عبد الله بالذي يستديم على ترك الصلوات، كالذي يسهرون في رمضان حتى قبيل الفجر، فينامون وما يستيقظون إلا بعد العصر، فلا فجر صلى ولا الظهر صلى ولا العصر صلى. فكيف إذا انضاف إلى ذلك قول جماعة من العلماء أن تارك الصلاة كافر مرتد، كافر مرتد لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. فيا عبد الله يا عبد الله يا من أقبلت على الصيام وقد أضمرت النية على ترك الصلاة، فبالله عليك ما ينفعك صومك إذا لم تكن من المصلين؟ عباد الله، إن الموانع كثيرة وكثيرة، وذلك يحتاج منا إلى التفقه في أمور ديننا ومعرفة ما يصح به صيامنا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يبلغنا رمضان مسالمين معافين، وأن يعيننا على صيام نهاره وعلى قيام ليله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة.