الخطبة بعنوان فضائل الأمة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٣ جمادى الآولى ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية اعتزاز المسلمين بدينهم وأمتهم، مشيرًا إلى أن الإسلام دين الله المختار وأمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم. هذه الخيرية تشمل جميع أفراد الأمة عبر التاريخ.
الأمة المحمدية لها فضائل عديدة مثل التخفيف في العبادات، وعصمتها من الضلالة، ووجود طائفة على الحق دائمًا، وحمايتها من الإبادة، وتسجيل المصائب كأجر. كما لها شرف في الآخرة، فهي أول من يُحاسب ويُدخل الجنة.
يُشدد على التمسك بدين الله ويُعدد فضائل الأمة المحمدية، ويحث على الدعاء لله لهداية المسلمين لاتباع أحسن الأقوال وإقامة الصلاة، مشيرًا إلى قدرة الله ورعايته للعباد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إنه ما تعيشه الأمة في هذه الأزمان من حالة الضعف والذل والهوان، وعن تخلفها عن ركب الحضارات في جميع الميادين والمقامات، فضلًا عما كان من تصلط أعداء الدين عليها على ثرواتها وأراضيها، بل قل على ثقافتها وهويتها، كل ذلك أسفر عن إيجاد سلوك رديء وفكر هابط، وهو أن هذه الأمة أصبحت تظن في نفسها أنها من أتعس الأمم وأشقاها، وأن غيرها من الأمم والعوالم شرقًا وغربًا لها المجد والكبرياء، ولها السؤدد والعظمة. أما أهل الإسلام فما وجدوا في هذه العوالم إلا للخدمة والتبعية لغيرهم. اعلموا عباد الله أن هذا الاعتقاد وبئس الاعتقاد، لهو سوء ظن بالله جل وعلا، وأنه لا يفكر بهذا التفكير الأهوج وبهذا المنطق الأعوج إلا من لم يتعرف على حقيقة دينه وانتسابه إلى ملته وأمته. اعلموا عباد الله، إن كان من شيء يوجب اعتزازنا على غيرنا وبه نرفع رؤوسنا على من سوانا، فليس بمثل انتمائنا لعقيدتنا وانتسابنا لديننا وملتنا. إن الله جل وعلا جعل هذا الدين هو من خيرة الأديان وأكملها، إن الدين عند الله الإسلام، وأن كل من ينتسب لهذا الدين فله الخيرية. قال عليه الصلاة والسلام: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي، ومن ذلك وجعلت أمتي من خير الأمم». فكل من ينتمي لهذه الأمة فهو من خيار الناس ومن أكمل الناس بالنسبة إلى غيره من الأديان والملل. وإن هذه الأمة يا عبد الله، وإن هذه الخيرية لا تنحصر ولا تقتصر على الصدر الأول منها أو على أوائلها، بل إن هذه الخيرية تستمر من أولها إلى آخرها في جميع أوقاتها وفي كل أزمانها. قال عليه الصلاة والسلام: «مثل أمتي كمثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره». فاعتز بذلك يا عبد الله، أن الله اصطفاك وحباك فجعلك من خير الأمم والأديان. وكم هي الفضائل والمناقب والخصائص التي جعلها الله جل وعلا لهذه الأمة فقط، لا يتعداها إلى غيرهم. فمن هذه الخصائص أن الله جل وعلا مع جعله أن هذه الأمة من أقصر الناس أعمارًا، فقلت بهم الأعمال، إلا أن الله جل وعلا ضاعف لهم الثواب وضاعف لهم الجزاء. ففي صحيح البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا...» إلى آخر الحديث. وكذلك من فضائل هذه الأمة أن الله جل وعلا جعل في شريعتها اليسر واللين والسهولة، ما جعل عليكم في الدين من حرج. بخلاف غيرنا من الملل والأديان، فكانت عليهم الأواصر والأصرار والأغلال. قال عليه الصلاة والسلام: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ومن ذلك وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل في أرض، في مغارة، في صحراء، في بحار. أما غيرنا ما كانوا كذلك، ما كانوا يعرفون الصلوات إلا في الكنائس وعند المحاريب. وهكذا قل في أمر الصلاة، شرعها ربنا جل وعلا على هذه الأمة بخمسين صلاة، فلا زال التخفيف ولا زال التيسير يتوالى على هذه الأمة حتى أصبحت خمسًا في العدد وخمسين في الأجر. وهكذا الغنائم لم تحل ولم تبح لمن كانوا قبلنا، إنما كانت الغنائم تحرق فلا ينتفعون منها بشيء، حتى جاءت هذه الأمة المحمدية فحباها الله بنعمة الغنائم. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الله لما رأى ضعفنا وعجزنا أباح لنا الغنائم». وهكذا يا عبد الله، حتى التنسير في مقاصده وفي نياته، فإنما يكون في صدورنا من الوساوس ومن حديث النفس، فإن الله جل وعلا قد تجاوز عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». وهكذا يا عباد الله، من فضائل هذه الأمة من رفع الحرج، أن الله جل وعلا جعل كل ما يصدر منها من أقوال وأفعال وسلوكيات بغير إرادتها وبغير قصد منها، أن ذلك معفو عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وكم نحكي عباد الله من الأشياء الشيء الكثير من إباحة المحظورات على المضطرين، ومن إسقاط الواجبات عن العاجزين، كل ذلك يدخل في هذه الفضيلة. ومن فضائل هذه الأمة المحمدية أن الله جل وعلا عصمها عن الخطأ وعن الزلل وعن الضلالة، وذلك متى اجتمعت كلمتهم على أمر ما، فإجماع الأمة إجماع المعصوم. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا قد أجار أمتي على أن تجتمع على ضلالة». فهم لا يجتمعون أبدًا على ضلالة، كحال اليهود والنصارى مما تواترت عنهم العقائد على أمور باطلة وعلى أمور محرمة. أما هذه الأمة فعصمتها في اجتماع كلمتها. وهكذا يا عبد الله، مما يلحق بذلك ومن خصائص هذه الأمة المحمدية أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها طائفة جعل فيها فرقة لا زالوا على الحق، مهما تتابعت وتوالت على هذه الأمة من فتن ومن شبهات ومن شهوات، فسقط منهم من سقط، إلا أن الله جل وعلا حبى هذه الأمة بأبناء من أبنائها يرفعون راية الدين الصحيح. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، وهم كذلك حتى يأتي أمر الله». وأيضًا عباد الله، من فضائل الله جل وعلا التي أعدها وخصها لهذه الأمة المحمدية أن الله حرسها وحماها من الإبادة الجماعية. قال عليه الصلاة والسلام: «سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، سألته أن لا يهلك أمتنا كما أهلك الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر علينا عدوًا من غيرنا، فأعطانيها». وهكذا عباد الله، من فضائل هذه الأمة أن ما يصيبها من مصائب ومن آفات ومن أضرار ومن أوجاع وآلام، فإن في حقيقة أمره يسجل في صحائف أعمالهم من الحسنات ومن الأجور والمناقب والثواب. قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن، حتى الشوك يشاكه، إلا كتب له أجر». وسئل عليه الصلاة والسلام عن الطاعون، فقال عليه الصلاة والسلام: «هو عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، فمن أصابه فمكث في بلده صابرًا محتسبًا، كان له كأجر الشهيد». قال عليه الصلاة والسلام: «هذه الأمة أمة مرحومة، ليس عليها من عذاب الآخرة شيء، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والبلايا». الله أكبر، ما أعظم هذا الدين الذي ننتسب إليه وننتمي إليه، فضل من الله ونعمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدى ما أدى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه. أما بعد، فلازلنا عباد الله وإياكم نستعرض الفضائل التي أعدها الله وخصها الله جل وعلا لهذه الأمة المحمدية، فلا يدانيها أحد ولا يوازيها أحد. فلا تفرحوا بأعداء الدين ولا تضعفوا يا عبد الله، فاستمسك بدينك، فإن عز الدنيا والآخرة إنما يكون بأن ترفع رأسك بدين الله جل وعلا. عباد الله، إن من نعم الله جل وعلا أن الله جل وعلا اصطفانا على هذا الدين، وأن جعل نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، قال نبينا: «أنا حظكم من الأنبياء، وأنتم حظي من الأمم». فضل على فضل، نور على نور. فأحمد الله يا عبد الله على هذا الدين، وأن اصطفاك وانتمى على هذه الملة السمحة. ثم اعلموا عباد الله أن نبينا عليه الصلاة والسلام كم كان يلهج لربه جل وعلا أن يعقل هذه الأمة ما يعقلها من المناقب. ثبت في السنن أنه عليه الصلاة والسلام تلا قول الله جل وعلا في إبراهيم: «رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس، فمن تبعني فإنه مني». وإنه عليه الصلاة والسلام تلا قول عيسى: «إن تعذبهم فإنهم عبادك». يستعرض نبينا دعاء كل نبي لقومه، إبراهيم وعيسى. فحينها رفع كفيه إلى السماء فقال: «اللهم أمتي، أمتي». فبكى عليه الصلاة والسلام، فقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم، فاسأله ما يبكيه». فنزل جبريل على نبينا عليه الصلاة والسلام وقال: «ما يبكيك؟» فأخبره عليه الصلاة والسلام بمقالته. فقام جبريل وأخبر الرب وهو أعلم جل في علاه، فقال الربة: «يا جبريل، اذهب واخبر محمدًا إنا سنرضيك في قومك ولا نسوءك». رواه مسلم في صحيحه. عباد الله، إن فضائل هذه الأمة لم تقتصر على حالة الدنيا في تشريعاتها، وما أنزله ربنا جل وعلا من فضائل ومناقب، بل إن شرف هذه الأمة بلغ معها إلى الآخرة، لها شرفها، لها زعامتها، لها سؤددها عند الله جل وعلا على باقي الملل والأديان. هذه الأمة من أول الأمة حسابًا يوم القيامة. عن ابن عباس قال: قال عليه الصلاة والسلام: «نحن آخر الأمم وأول الأمة حسابًا». يقال: «أين الأمة الأمية ونبيها؟» وهذه الأمة عباد الله من أول الأمم دخولًا إلى الجنة. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: عليه الصلاة والسلام: «نحن السابقون الأولون، ونحن أول من يدخل الجنة». ومن ذا الذي يزاحم أمة محمد على أبواب الجنة؟ لا أحد عباد الله. بل إن الله جل وعلا جعل من شرفها أن لها ميزة لها من الصفات والعلامات، لا أحد يشاركهم فيها. ففي السنن قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له بالرفع». قال: «فأنظر من بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم». قال: «وعن خلفي كذلك، وعن يميني كذلك، وعن شمالي كذلك». فقال رجل: «يا رسول الله، وكيف تعرف أمتك من بين الأمم؟» قال عليه الصلاة والسلام: «هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك إلا هم». أثر الوضوء، أثر الصلاة يا عبد الله. هذه الفضائل لا تنال بالتكاسل أو بالدعاوى أو الأمنيات، لا يا عبد الله، بالعمل توضأ لربك، صل لله، انتفع بهذا الدين علمًا وعملًا وقولًا واعتقادًا، حينها تأتيك هذه الفضائل. قال عليه الصلاة والسلام: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». سبعون ألفًا يدخلهم ربنا جل وعلا إلى جنات الخلد بغير حساب، بغير عذاب، بغير عقاب، فضل من الله. وليس هذا العدد محصورًا على ذاته، بل هو أكثر من ذلك. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، من حديث الفضيل بن عاصم رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان في مسجده... أسأل مولاي جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه الله، مولى المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.