الخطبة بعنوان حسن الظن بالله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الجمعة ١٥ شعبان ١٤٣٥هـ ألقاها
يُشدد الخطيب على أهمية حسن الظن بالله ودافعية للعمل الصالح. يُبين أن حسن الظن بالله يلعب دورًا كبيرًا في تحفيز العبد على العبادة.
يُشدد الخطاب على أهمية التوكل على الله والثقة به في مواجهة المصاعب. يُظهر كيف أن التوكل على الله يفتح أبواب الفرج ويجلب النصر.
يُبيّن أن حسن الظن بالله واجب من واجبات التوحيد والإيمان. له دور كبير في إصلاح علاقة العبد بربه وبغيره.
يختم المقطع بالتأكيد على أهمية العمل بما يرضي الله تعالى. يدعو الله أن يوفق الجميع لذلك ويغفر لهم ويرحمهم.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، رَوَى الشَيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي». وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعَالَى». هَذَانِ الْحَدِيثَانِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا يَدُلَّانِ دَلَالَةً عَظِيمَةً عَلَى فَضْلِ حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، كَيْفَ لَا وَهُوَ أَعْظَمُ الْأُمُورِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْعَمَلِ وَعَلَى إِحْسَانِهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَلَامٍ لَهُ مَعْنَاهُ: «مَنْ تَأَمَّلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلِمَ أَنَّ حُسْنَ الظَّنِ بِاللَّهِ هُوَ حُسْنُ الْعَمَلِ، إِذْ لَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ إِلَّا مَنْ كَانَ حَسَنَ الظَّنِ بِاللَّهِ، رَجَاءُهُ لِلَّهِ وَطَمَعُهُ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، إِذْ لَوْ أَسَاءَ الْعَبْدُ الظَّنَّ بِاللَّهِ لَسَاءَ عَمَلُهُ». وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِنَّ حُسْنَ الظَّنِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي يَبْعَثُ الْعَبْدَ عَلَى الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَعَلَى حُسْنِ الْعَمَلِ، وَعَلَى التَّوَكُلِ عَلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ التَّوَكُلَ عَلَى اللَّهِ هُوَ حُسْنُ الظَّنِ بِاللَّهِ». ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «والتحقيق أَن حُسنَ الظَّنِ بِاللَّهِ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى التَّوَكُلِ عَلَى اللَّهِ، إِذْ لَا يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا مَنْ كَانَ حَسَنَ الظَّنِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاظِرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَيَجِدُ أَنَّ حُسْنَ الظَّنِ بِاللَّهِ أَعْظَمُ دَافِعٍ لِلْعَبْدِ عَلَى حُسْنِ السَّيْرِ إِلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى حُسْنِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى الثِّقَةِ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى رَجَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى التَّوَكُلِ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، عَلَى تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَمَاذَا إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ تَحْقِيقٌ مِنْ الْعَبْدِ وَاعْتِرَافٌ مِنْ الْعَبْدِ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ رَبُّهُ وَمَالِكُهُ وَمُدَبِّرُهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْتَارُ لِلْعَبْدِ فَوْقَ مَا يَظُنُّ وَفَوْقَ مَا يَحْتَسِبُ، فَيَفْتَحُ لَهُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَبْوَابِ، وَيُفَرِّجُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ مِنْ الْكُرُبَاتِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ مِنْ الدَّرَجَاتِ فَوْقَ مَا يَظُنُّ وَفَوْقَ مَا يَتَصَوَّرُ. «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ» اللَّهُ أَكْبَرُ، خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ». أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، أَيُّهَا الْعَبْدُ، اعْلَمْ أَنَّ الْأَبْوَابَ إِذَا غُلِّقَتْ أَمَامَكَ وَانْقَطَعَتْ أَمَامَكَ الْأَسْبَابُ الْحِسِّيَةُ، فَلَمْ تَرَ بَابًا مَفْتُوحًا، فَاعْلَمْ أَنَّ بَابًا وَاسِعًا لَا يُغْلَقُ، أَنَّ بَابًا مَفْتُوحًا دَائِمًا وَأَبَدًا، إِنَّهُ بَابُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِنَّهُ بَابُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. إِنَّهُ مَنْ طَرَقَهُ وَصَدَقَ مَعَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي طَرْقِهِ، لَجَأَ إِلَى اللَّهِ وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى اللَّهِ، فَرَّجَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ، وَفَتَحَ عَلَيْهِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ الْأَبْوَابِ فَوْقَ مَا يَحْتَسِبُ وَفَوْقَ مَا يَظُنُّ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّهُ بَابُ اللَّهِ، إِنَّهُ الرَّجَاءُ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، إِنَّهُ تَعْظِيمُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، إِنَّهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، إِنَّهُ رَجَاءُ اللَّهِ وَإِجْلَالُ اللَّهِ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالدَّوَرانُ مَعَ حِكْمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَقَدَرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَخْتَارُ لِلْعَبْدِ فَوْقَ مَا يَظُنُّ وَفَوْقَ مَا يَتَصَوَّرُ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاظِرَ فِي أَحْوَالِ الصَّالِحِينَ وَذُرْوَتِهِمْ، الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، لَيَجِدُ الْأَمْرَ الْعَجَبَ الْعُجَابَ، وَيَرَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مَا وَصَلَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ مِنْ الْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ فِي الثِّقَةِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. حَتَّى إِنَّ النَّاظِرَ فِي سِيرَتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ لَيَنْتَقِلُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ إِلَى مَرْتَبَةٍ تَكَادُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَرْتَبَةِ الْمُشَاهَدَةِ لِخَبَرِ اللَّهِ الصَّادِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَتَأَمَّلْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَهُوَ يَحْكِي عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوَّلِ رَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. ثِقَةٌ بِاللَّهِ، وَحَصْرُ ظَنٍّ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. وَهَكَذَا أَخْبَرَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. اللَّهُ أَكْبَرُ، رَجُلٌ وَاحِدٌ يُتَحَدَّى أُمَّةً، قَدْ كَادَتْ لَهُ وَتَمَالَأَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ تَفْعَلَ بِهِ مَا تُفْعَلُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذِيَةِ وَالْإِضْرَامِ، فَإِذَا بِهِ يَقُولُ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾، يَقُولُ لَهُمْ: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، ثُمَّ كِيدُونِي وَلَا تُنْظِرُونِ، وَإِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ». ثِقَةٌ بِاللَّهِ، وَحُسْنُ ظَنٍّ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، مَا بِالِهِ بِالْأَسْبَابِ الْحِسِّيَةِ الَّتِي دَاعَتْ عَلَيْهِ وَأَحَاطَتْ بِهِ، لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. بَلْ انْظُرْ إِلَى خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حَصَلَ مِنْهُ مَا حَصَلَ مِنْ تَكْسِيرِ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَقْفَةُ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، الْمُحْسِنِ لِظَنِّهِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. أُضْرِمَتْ عَلَيْهِ النِّيرَانُ، أُوقِدَتِ النِّيرَانُ، أَوْقَدُوهَا بِحَطَبٍ عَظِيمٍ، جَمَعُوهَا لِمُدَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَلَمَّا أُلْقِيَ إِلَى النَّارِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِنْ قَطَعَ أَمَامَهُ كُلَّ سَبَبٍ حِسِّيٍّ، إِنْ قَطَعَ أَمَامَهُ كُلَّ سَبَبٍ حِسِّيٍّ يُلْقَى إِلَى النَّارِ. فَإِذَا بِهِ يَقُولُ قَوْلَةَ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ، قَوْلَةَ مَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا أَعْظَمَ الظُّنُونِ وَأَحْسَنَ الظُّنُونِ، قَالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ، حَسْبِيَ اللَّهُ». فَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلنَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، كَلِمَةٌ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حِينَ قِيلَ لَهُ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». عِبَادَ اللَّهِ، مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هُوَ مَا حَصَلَ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ، بَعْدَ أَنْ أَصَابَ مَا أَصَابَ، بَعْدَ أَنْ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْكَرْبِ وَالْبَلَاءِ، وَمَا بِهِمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْحُزْنِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ. سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَأْصِلَ الْمُسْلِمِينَ زَعَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُسْتَنْفِرًا لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ كَانَ مَعَنَا فِي الْأَمْسِ فَلْيَقُمْ»، فَقَامَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَرْحِ، مِنَ الْجُرُوحِ، مِنَ الْأَذِيَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، اسْتِجَابَةً لِلَّهِ وَاسْتِجَابَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. ثِقَةٌ بِاللَّهِ، ثِقَةٌ بِاللَّهِ، وَحُسْنُ ظَنٍّ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ بِهِمُ الْقُرُوحُ وَبِهِمُ الْجُرُوحُ، وَقَالُوا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، فَظَنُّوا بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا أَعْظَمَ الظُّنُونِ وَأَحْسَنَ الظُّنُونِ، فَكَانَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُمْ وَمَعَهُمْ وَنَاصِرًا لَهُمْ وَكَافِيًا. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، مَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَمْرَ حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَهُوَ مِنْ وَاجِبَاتِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، فَالْمُسْلِمُ كُلَّمَا كَانَ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كُلَّمَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ سَبَبًا لِازْدِيَادِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَإِجْلَالِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِ اللَّهِ وَالْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ. وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا دَافِعٌ عَظِيمٌ لَكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ فِي إِصْلَاحِ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ. كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَتَعَالَى، أَنَّهُمْ قَالُوا: «أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا يَتَوَاصَوْنَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ»، وَذَكَرُوا مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ: «أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ»، وَأَنَّ الْعَبْدَ -أَوْ قَالَ: وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ- أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ عَلَانِيَتَهُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ وَهَذِهِ الْوَصَايَا مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى أُمَمٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعًا: «قُلْتُ يَوْمًا لِأَبِي -يَعْنِي لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ-: يَا أَبِي أَوْصِنِي، يَا أَبِي أَوْصِنِي»، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَنْوِ الْخَيْرَ، أَنْوِ الْخَيْرَ، فَإِنَّكَ فِي خَيْرٍ مَا نَوَيْتَ الْخَيْرَ»، «أَنْوِ الْخَيْرَ، فَإِنَّكَ فِي خَيْرٍ مَا نَوَيْتَ الْخَيْرَ». قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَةِ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ، قَالَ: «وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ سَهْلَةٌ سَهْلَةُ الْأَلْفَاظِ، سَهْلَةُ الْفَهْمِ، غَزِيرَةُ الْمَعَانِي، عَظِيمَةُ الْعَمَلِ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا»، ثُمَّ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَةِ، وَشَرَحَهَا بِشَرْحٍ عَظِيمٍ فِي عِبَارَاتٍ مُوجَزَةٍ. فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، مَنْ وُفِّقَ لِلْعَمَلِ بِهَا فَلْأَفْلِحْ وَفَازَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِذْ إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ نَاوِيًا لِلْخَيْرِ، وَدَائِبًا فِي عَمَلِ الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ مَأْجُورٌ أَبَدًا مَا عَاشَ». وَهَكَذَا هِيَ وَصَايَا الْأَئِمَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا جَمِيعًا لِلْعَمَلِ بِمَا يُرْضِي رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا، وَأَنْ يَرْحَمَنَا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَصَلَى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.