التوكل على الله

الدرس في التوكل على الله، التوكل على الله خطبة 7 بدار الحديث بالشحر شوال 1428هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوكل على الله وأهميته في حياة المسلمين

يتحدث الخطيب عن أهمية التوكل على الله في حياة المسلمين، موضحًا أنه يعطي العبد الإقدام والعزة والقناعة. يُستدل بالقرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية التوكل في تحقيق الإيمان والنجاح.

التوكل في طلب الرزق والابتعاد عن المعاصي

يُنبه الخطيب إلى خطورة طلب المال بطرق محرمة ويشدد على أهمية التوكل على الله في جلب الرزق. يُبين أن الرزق لا ينال بمعصية الله بل بالحلال والتوكل عليه.

الجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب

التوكل على الله يجب أن يرافقه الأخذ بالأسباب، فلا يصح التوكل بترك الأسباب ولا يعتمد على الأسباب فقط. يجب الجمع بينهما مع الحفاظ على أداء الواجبات الدينية.

خاتمة بالدعاء للتوكل على الله

المقطع يتضمن دعاءً لله تعالى أن يجعل الداعي من عباده المتوكلين والمؤمنين. يُختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. أكبر الله أكبر، إن الحمد لله، محمد وتعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، الناظر في أحوال المسلمين يرى أن المسلمين قد تركوا أشياء كثيرة من دينهم، وتركوا أحكام الله جل وعلا. ولهذا تجد فيهم الضعف، وفيهم الضلال، وفيهم المهانة، وكذلك أيضًا تجد فيهم الاهتمام بالشهوات، شهوات البطون والفرج، وتركهم لما هو أهم من ذلك، وما هو أعظم من ذلك، وهو هم هذا الدين، والنصرة لهذا الدين، وكذلك أيضًا إصلاح القلوب. فإن كثيرًا من المسلمين اعتمدوا وفكروا فيما يشغل وما يشبع بطنه وما يشبع فرجه، ولم يفكروا فيما يزكي قلبه ويحيي قلبه من هذا الدين العظيم، ومن آيات الله جل وعلا، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما هذا إلا لأنهم فقدوا أو قل عندهم التوكل على الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضًا كان قليلًا عندهم الإيمان بقضاء الله وقدره سبحانه وتعالى. فلهذا تجد من أهل الإسلام من يقضي من الشياطين ومن الجن، وكذلك تجد من المسلمين من تكون عنده الشكوك والأوهام، وتجد كذلك من المسلمين من يضيق صدره ويحاول أن ينتحر أو أن يذهب من هذه الحياة، أو تأتيه الأشياء النفسية والوساوس النفسية. وهذا كله لعدم التوكل على الله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه سبحانه وتعالى. فالإيمان والتوكل كما قال الحسن: "جماع الإيمان التوكل على الله سبحانه وتعالى". والتوكل في ديننا شأنه عظيم جدًا، إذ هو الاعتماد على الله جل وعلا أنه هو النافع، وأنه هو الضار. فلهذا فإن العبد يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أيضًا كذلك يعلم العبد أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه بشيء إلا بشيء قد كتبه الله له، أو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. فهكذا عباد الله، هكذا العبد المؤمن يكون إيمانه بالله سبحانه وتعالى، وبقدر الله جل وعلا، وبالتوكل عليه سبحانه وتعالى. ولهذا ربنا جل وعلا جعل التوكل عليه من علامة الإيمان، ﴿فَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. فهكذا عباد الله، فإن التوكل على الله جل وعلا اعتماد القلب، وصدق القلب لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله جل وعلا. فبهذا فإن العبد يكون عنده إقدام، ويكون عنده أيضًا عزة نفس، ويكون كذلك عنده قناعة، ويكون كذلك عنده أمور عظيمة بهذا التوكل. ولهذا عباد الله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين حقيقة التوكل كما جاء في الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». تغدو خماصًا أي جوعى، وتروح بطانًا أي تأتي في العصر وهي ممتلئة البطون. فهكذا عباد الله، فإن من سعى إلى الرزق فإنه آتاه الله عز وجل من هذا الرزق. فكذلك هذه الطير فإنها تسعى وتتحرك حركة خفيفة، ويعطيها الله عز وجل الرزق. فهذا لو فهمه الشخص وتدبر هذا الحديث لعلم حقيقة التوكل على الله جل وعلا، وهو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى مع الأخذ بالأسباب. فلهذا عباد الله، فإن كثيرًا من المسلمين ينهمك في الأعمال، وينشغل في الأشغال، وكذلك أيضًا يضيع وقته ويضيع دينه ويضيع عمره، كل ذلك لأجل العمل ولأجل هذه الدنيا، ولأجل أن يكسب ويتحصن من المال، ويضيع دينه. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من أشد الفتن على هذه الأمة فتنة المال». فإن العبد المسلم إذا انهمك في هذه الأمور وانشغل بها فإنه لا يخرج منها. ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنهوك في الدنيا، وكذلك اللاهي في الدنيا، شبههم بأنه عابد للدينار، وعابد للدرهم. كما جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقم». أي إذا غزته الشوكة فإنه لا يستطيع أن يخرجها، ولو بما يخرج هذه الشوك لشدة تمكنها. وعاكف الدنيا فإنها إذا تعلقت بالقلب، وتعلق قلب العبد بها فإنه لا يخرج منها. هذه الدنيا إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، وتاب الله عز وجل عليه. ولهذا عباد الله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء عنه في الصحيحين من حديث أنس بن مالك، وجاء كذلك نحوه في البخاري عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يكبر ابن آدم ويكبر معه غلمان حب الدنيا وطول الأمل». حب الدنيا وطول الأمل. فلهذا يا عباد الله، لا تتعبوا أنفسكم في هذه الحياة، وتضيعوا دينكم، وتضيعوا ما أوجب الله عز وجل عليكم. فإن هذا الأمر، فإن الرزق والرزق الحلال لا ينال بالعصية الله جل وعلا. ولهذا جاء من حديث جابر في الترمذي، وجاء كذلك عن غيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن جبريل أو قال: إن روح القدس نفث في روحي أنها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله، فإنما عند الله لا ينال بمعصية الله». فلا يجعلك أيها العبد قلة الرزق أو قلة المال أن تذهب إلى الأموال المشبوهة، من ربا، أو رشوة، أو أخذ أموال الناس بالباطل والظلم، وكذلك أيضًا التجني على أموال الناس، وأيضًا كذلك خداعهم، وأخذ أموالهم بغير إذنهم، وغيرها من هذه الأمور التي حرمها الله سبحانه وتعالى. أو العمل أو استئجار أمور حرمها الله سبحانه وتعالى. فإن هذه الأمور لا ينبغي للمسلم أن يفعلها بحجة أنه يأتي بالرزق. فإن الرزق لا ينال بمعصية الله جل وعلا، وإنما ينال بالحلال. فلهذا عباد الله، فإن من توكل على الله جل وعلا، فإن من توكل على الله سبحانه وتعالى كفاه الله جل وعلا. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ولهذا من تأمل كتاب الله جل وعلا، وتأمل حال الأنبياء، وجد أنهم متوكلون على الله سبحانه وتعالى، وأن التوكل على الله هو عزهم، وهو سلاحهم، وهو الذي ينصرون به. ولهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار قال: «حسبي الله ونعم الوكيل». وكذلك أيضًا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم». وكذلك أيضًا موسى قال لقومه: ﴿فَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وكذلك غيرهم من الأنبياء، وكذلك أولئك الأنبياء الذين أخبر الله عز وجل عنهم أنهم توكلوا على الله، وأيضًا كذلك جابه وظاهروا أقوامهم بالتوكل على الله جل وعلا، حتى أنكروا عليهم ذلك. فقال الله عز وجل على لسان هؤلاء الأنبياء: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾. وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعظم المتوكلين على الله. ولهذا كان يسمى المتوكل، كما جاء في البخاري عن عبد الله بن عمر، أن من أسماء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتوكل. وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم المتوكلين على الله جل وعلا. وفي سيرته صلوات الله وسلام عليه عبر كثيرة جدًا. ومن ذلك ما حصل في الغار عندما كان مع الصديق، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما». كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ لَا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. عباد الله، فإن من أعظم المقامات في هذا الدين التوكل على الله سبحانه وتعالى. إن أردت أن الله يحبك، فإن الله عز وجل يحب المتوكلين، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. وكذلك إذا أردت أن تهتم من الشيطان، وأن لا تخاف أحدًا إلا الله سبحانه وتعالى، فتوكل على الله جل وعلا. فإن ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وكذلك أيضًا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء عن أنس وعن غيره في سنن أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا خرج العبد من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الشيطان: لآخر ما عسى برجل قد كفي ووقي وتنحى عنه الشيطان». أي ابتعد. فإنك إذا توكلت على الله يا عبد الله تنحى منك الشيطان، وابتعد منك الشيطان، وصرت قوي العزم، وقوي الإيمان. فلهذا عباد الله، فإن التوكل على الله أمره عظيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، إن لهذا التوكل ثمرات، وكذلك أيضًا له أمور لا بد منها، وهي الأخيذ بالأسباب. فإن التوكل لا يقام له مقام إلا بالأخذ بالأسباب. وإن الأخذ بالأسباب لا يقوم إلا بساق التوكل. فإن التوكل والأخذ بالأسباب معًا، ولا يقوم التوكل إلا بهذا. ولا يجوز للعبد أن يعتمد على السبب، فإنه خدش في توكله. ولهذا عباد الله، ربنا جل وعلا قال لأصحاب رسول الله وللنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، وقال جل وعلا أيضًا كذلك أمرهم بحمل السلاح وهم في الصلاة. وكذلك أيضًا قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. فإن هذه كلها من الأسباب. بل ربنا جل وعلا جعل مريم تتسبب في إرسال التمر، فقال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. فمن أراد التوكل على الله بترك الأسباب فإنه لا يعرف التوكل. ومن اعتمد على الأسباب وعرض التوكل على الله فإنه قد خدش التوكل. ولهذا عباد الله، جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس، أن أناسًا من اليمن كانوا يذهبون إلى الحج ولا يتزودون. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. أي أنهم ما كانوا يأخذون شيئًا معهم، فأنكر الله عز وجل عليهم، وقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فلهذا عباد الله، الواجب على المسلم أن يرجع إلى ربه سبحانه وتعالى، ويتوب إلى الله جل وعلا، ويعتمد على الله سبحانه وتعالى، ولا يعتمد على السبب. فإن من اعتمد على الأسباب أضاع دينه، وأضاع عمره، وأضاع وقته. وكذلك انهمك في هذا السبب، وظن أن هذا السبب هو الذي ينجيه. وألم عز الله، إنما ينجيك صدق الاعتماد على الله جل وعلا مع الأخذ بالأسباب، كما قد ذكرنا قبل ذلك، وكما بينا ربنا سبحانه وتعالى. ولهذا ربنا جل وعلا لما ذكر الجهاد قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فلهذا فنأخذ بالأسباب، عمر عظيم في التوكل، وترك الأسباب كذلك خدش في التوكل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فلهذا لا يركن العبد إلى هذه الأسباب حتى يضيع التوكل على الله سبحانه وتعالى. ومن أراد التوكل فإنه يتوكل على الله بأخذ الأسباب. والمراد أن هذه الأسباب لا تشغله عن الدين. فإن كثيرًا من الناس يتعذر بالعمل عن ترك الصلوات، وكثيرًا من المسلمين يتعذر بالعمل عن ترك الواجبات التي عليه. فعليكم عباد الله، فإن هذا لا يسوغ للعبد أن يترك دينه لأجل هذه الأعمال، أو يترك صلاته لأجل هذه الأعمال. تجد كثيرًا من المسلمين يتأخر عن الصلاة، لا يؤديها إلا في آخر وقتها، أو تجد أن كثيرًا من الناس يدخل بالعمل ولا يخرج، ويخرج وقت الصلاة، ثم يقضيها بعد ذلك، وظن أن ذلك نافعه، وليس بنافعه أبدًا. وكذلك كثير من الناس يشغلهم الشاغل حتى في الجمعة، فتجد أنهم ما يأتون إلا وقد قاربت الصلاة، وبعضهم ما يأتي إلا وقد انتهت الصلاة، أو يدرك التشهد من ذلك. وهذه غفلة عباد الله. فإن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. هكذا عباد الله، من أراد الفلاح فإنه يسعى إلى ذكر الله جل وعلا، وإلى الصلاة، ولا تشغلوا هذه الأمور عن طاعة الله سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل وعلا أن يجعلنا من عباد المتوكلين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباد المؤمنين. والحمد لله رب العالمين.