الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 1، ألقاها
المحاضرة قدمت كتاب قرة عيون الموحدين وتحدثت عن مؤلفه ومعناه اللغوي. وضعت الأساس لفهم الكتاب وأهميته.
تم شرح موضوع كتاب قرة عيون الموحدين وأوضح الفرق بينه وبين كتاب فتح المجيد. كلا الكتابين شرح لكتاب التوحيد.
الكلام تطرق لتعريف كتاب التوحيد ومراد الشيخ من تأليفه. تم توضيح أن المراد به توحيد العبادة وليس الربوبية.
الدرس انتهى بالدعاء والاستغفار وتسبيح الله تعالى. تم التأكيد على أهمية الاستغفار والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فكما أعلن عنه في الليلة الماضية أنه سيفتح دارس بإذن الله جل وعلا في كتاب قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين. وقبل أن ندخل في القراءة في الكتاب بإذن الله جل وعلا، نحب أن نذكر بين يديه الكتاب بعض المسائل وبعض التنبيهات بين يديه الكتاب، فنسأل الله جل وعلا التوفيق والعون والسداد. أولا، جرت عادة العلماء رحمهم الله تعالى أنهم قبل أن يتكلم أو يشرع في الكلام على كتاب شرحا أو تعليقا أو ما شابه ذلك يهتمون بادئ ذي بدء بأمور، ومنها معرفة المؤلف. فأما المؤلف لكتاب قرة عيون الموحدين فهو الشيخ العلامة النحرير المجدد الثاني للدعوة النجدية بعد جده الإمام محمد بن عبد الوهاب، الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. وهو يعد من العلماء المحققين ويعد كذلك من المجددين لدين الله جل وعلا في الأزمان المتأخرة، ولا سيما بعد ظهور ملامح الشرك والبدع والخرافات إلى غير ذلك من المنكرات. فهو رحمه الله تعالى يعتبر كما ذكر من ترجم له بأنه المجدد الثاني لدعوة التوحيد بعد جده الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. والكلام على أحواله وعلى شيوخه وعلى تلامذته يطول. وقد أخذنا بفضل الله جل وعلا وقرأنا شيئا من ذلك في شرحنا مع إخواننا في الدرس الذي أخذناه مع إخواننا حفظهم الله جل وعلا في كتاب فتح المجيد، قرأنا ترجمة فيها شيئا من التوسع لهذا الإمام الجليل. فهو إمام ومن نسل إمام، إمام ومن نسله كذلك أئمة مشاهير، منهم العلامة المحقق النحرير الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى أجمعين. فالشيخ عبد الرحمن بن حسن كما يقال نار على علم، رحمه الله. وكذا الكتاب الذي علق عليه وحش عليه الذي هو كتاب التوحيد، كذلك مؤلفه أشهر من نار على علم، وهو الإمام المجدد بحق لدين الله جل وعلا الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان الوهيبي التميمي رحمه الله. وهو كذلك كما سمعتم أشهر من نار على علم الصالح المصلح رحمه الله الذي رفع الله جل وعلا على يديه منارات التوحيد والسنة، وقمع كذلك على يديه مظاهر الشرك والبدعة. فلله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وما يتقلب به المسلمون اليوم من دعوة التوحيد هي في الحقيقة امتداد لتلك الدعوة المباركة المثمرة التي قام بها ذلك الإمام ومن كان من إخوانه من العلماء من علماء التوحيد في أقطار أخرى من أقطار الإسلام. إلا أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كانت أظهر وأشهر، وثمارها بحمد الله جل وعلا لا تزال تجنى إلى يومنا هذا. فنسأل الله جل وعلا أن يغفر له وأن يرحمه وأن يعلي درجته، ومن سار على سيره في نصرة دعوة التوحيد والسنة وقمع مظاهر الشرك والبدع في كل مكان وزمان. هذا يمختصر عن هذين الإمامين رحمهم الله تعالى. أما بالنسبة لهذا الكتاب، أي كتاب قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين، فالكلام عليه أولا باعتبار اسم الكتاب. اسم الكتاب كما هو مشهور ومتداول بأن اسمه قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين. لكن ها هنا تنبيه، وهو أن هذا الاسم لم يسمه به مؤلفه، أي أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى لم يضع هذا الاسم لهذا الكتاب. ويدل على هذا أمران: الأمر الأول أنه وجد في المخطوطات القديمة، يعني وقفت على مخطوطة فيها تعليقات للعلامة عبد الرحمن بن حسن على كتاب التوحيد بهذا العنوان. والأمر الثاني وهو الأظهر والأجلى أن الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ذكر في كتابه مشاهير علماء نجد وغيرهم أن هذا العنوان إنما سماه به ولد المؤلف، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن. فقال صاحب الكتاب المذكور، الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف: وعلق الشيخ عبد الرحمن بن حسن على كتاب التوحيد لجده المذكور حاشية مفيدة، سماها ابنه العلامة الشيخ عبد اللطيف قرة عيون الموحدين. إذن نستفيد من هذا النقل أن اسم الكتاب إنما هو من وضع ولده الشيخ وتلميذه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع. الأمر الثاني، ما معنى قرة عيون الموحدين؟ معناه ما تسر به أعين الموحدين. فإنه يقال لما يسر به قرة عين. قال تعالى عن امرأة فرعون: ﴿قَالَتْ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ أي يكون سببا لسرورنا وتقر أعيننا به، أي بموسى عليه السلام. وقال الله جل وعلا عن المؤمنين الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أي ما يكون قرّة لأعينهم. وقيل في أصل القرة: قرة العين أصلها من القر، قيل من البرد، فقرت عينه معناه بردت فصحت. وقيل بل لأن للسرور دمعة باردة قارة، وللحزن دمعة حارة. ولذلك يقال لمن يدعى عليه: أسخن الله عينه، وفي المقابل يقال لمن يدعى له: أقر الله عينه. وقيل هو من القرار، أي المعنى أعطاه الله ما تسكن به عينه فلا يطمح إلى غيره. والناظر في كلا المعنيين يجد أنه لا تنافي بينهما، بل بينهما تلازم. فلا مانع من حمل المعنى عليهما جميعا، إذ أن بينهما تلازما. فإن من قرت عينه فاستراح وسر فإنه لا يطمح إلى غيره. إذن معنى قرة عيون الموحدين، أي ما تسر به أعين الموحدين مما ذكر في هذا الكتاب من العلوم والمباحث والتقريرات النافعة الجليلة العظيمة التي حررها وحققها هذا الإمام رحمه الله تعالى. رابعا، بالنسبة لموضوع هذا الكتاب، فكما هو ظاهر من عنوان الكتاب، وأنه حاشية على كتاب التوحيد وتحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين. فهو كتاب اعتنى به مؤلفه بشرح كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب، أي كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، يعد أجل كتاب وأفضل كتاب ألف وصنف في توحيد الإلهية. بل بعضهم نقل الإجماع على هذا المعنى أنهم لم يصنفوا في بابه مثله، أي مثل هذا الكتاب. والناظر في الكتاب يجد الأمر كما قيل. فالإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى اعتنى بكتابه التوحيد بتقرير توحيد الألوهية، وذكر معنى كلمة التوحيد وتفسيرها، وبيان شروطها، وبيان كذلك لوازمها ومقتضياتها ومكملاتها، وبيان ما يناقضها من الشرك بالله جل وعلا، سواء كان الشرك الأكبر أو ما يخدش في كمالها من الشرك الأصغر. فكان الكتاب جامعا بين ما يحتاجه المسلم في توحيد الإلهية، وما يجب على المسلم الحذر منه من الشرك بالله جل وعلا بنوعيه، سواء كان الأكبر أو كان الأصغر. فكتاب التوحيد كما ذكر اعتنى بتقرير التوحيد وبيان مكملاته والتحذير من الشرك وما يقرب إليه وما يكون وسيلة إليه. فكان الكتاب جامعا لمباحث عظيمة وعلوما جمه في هذا الباب، أي في باب توحيد الألوهية. والشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى أضاف إلى الكتاب جمالا فوق جماله، فألبسه حلة زادته تألقا وتأنقا وبهاء، بهذه الحاشية الجليلة العظيمة التي هي حاشية كتاب التوحيد. والأمر الخامس الذي نذكره أيضا، قد يقول قائل: أو ما هو الفرق بين كتاب فتح المجيد وبين كتاب قرة عيون الموحدين؟ فالفرق بين الكتابين يتجلى بأمور: أولها أن كتاب فتح المجيد كان عبارة عن اختصار وتهذيب وتكملة لكتاب الشيخ العلامة المحقق النحرير الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، المسمى بتيسير العزيز الحميد. فالشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هو أول من تصدى لشرح كتاب التوحيد، وشرحه بذلك الكتاب العظيم الجليل، كتاب تيسير العزيز الحميد. وقد أسهب فيه في مواضع، وتكلم فيه بكلام واضح بين، وحشد الأدلة وحشد الأقوال وحشد الشواهد في ذلك الكتاب الجليل. إلا أنه لم يكمل، أي أن الإمام سليمان بن عبد الله توفي رحمه الله قبل أن يكمل ذلك الكتاب، أي كتاب تيسير العزيز الحميد. فتصدى تلميذه وابن عمه العلامة عبد الرحمن بن حسن، فقيام بتهذيب كتاب تيسير العزيز الحميد وأكمل ما لم يكمله الإمام العلامة سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى. فكان الكتاب على تلك الحالة التي هي معروفة معهودة. وقد مر معنا بحمد الله جل وعلا دراسة هذا الكتاب والتعليق عليه بما يسره الله جل وعلا. وهو يعد أصل في شروحات كتاب التوحيد، يعني كتاب الشيخ سليمان بن عبد الله يعد أولا أصلا هو الأصل لكل شراح كتاب التوحيد. فما أحد شرح كتاب التوحيد إلا وهو يقترف من كتاب الإمام سليمان، وكذا من كتاب فتح المجيد. فصار شرحهما إماما لمن جاء بعدهما ممن قصد شرح كتاب التوحيد. إذن هذا بالنسبة لكتاب فتح المجيد. وأما كتاب قرة عيون الموحدين الذي هو كتابنا هذا الذي بين أيدينا، فهو عبارة عن تعليقات لطيفة، بين فيها الشيخ رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة مقاصد الشيخ ومباحث من مسائل التوحيد، وقرر فيها مسائل تقريرا عظيما باختصار، وحقق ونقح وعلق. فكان الكتاب من الكتب النافعة بهذا الاعتبار، ففيه بعض الزوائد التي ليست في فتح المجيد، كما أن الآخر فيه ما ليس في هذا الكتاب. لأن الأول وصف بماذا؟ بأنه فيه شيئا من الطول، بخلاف هذا الكتاب، فإنه عبارة عن حواش وتعليقات. إلا أن الكتاب مملوء بالعلم، هذه التعليقات كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا مليئة بالعلم والتحقيق والتحرير من علامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى وغفر له. هذا ملخص ما قصد ذكره بين يدي هذا الكتاب، فندخل بإذن الله جل وعلا ونقرأ ما تيسر من هذا الكتاب. نسأل الله جل وعلا أن يمدنا بتوفيق من عنده، وأن يرزقنا الإخلاص والصدق في القول والعمل. قال: وجرت عادة العلماء رحمهم الله تعالى أنهم يفتتحون كتبهم ومصنفاتهم بالبسملة. قوله: «والبداءة بها سنة كما فعل البخاري وغيره من العلماء اتباعا للسنة في مراسلات النبي صلى الله عليه وسلم للملوك وغيرهم، وفي الأمر بالبداءة بها حديث معروف». قوله: «والبداءة بها سنة»، أي البدء ببسم الله الرحمن الرحيم سنة. قال: كما فعل البخاري وغيره، أي من العلماء المصنفين رحمهم الله. فجرت عادة العلماء المصنفين أنهم يفتتحون كتب العلم بالبسملة. بل نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في أوائل كتاب فتح الباري أن هذا الأمر استقر واتفق عليه المصنفون مؤخرا، أن هذا الأمر استقر أي مؤخرا استقر عليه عمل المصنفين في كتب العلم أنهم يفتتحون كتبهم بالبسملة. والشيخ رحمه الله تعالى سار على سير هؤلاء. وقوله: «والبداءة بها سنة»، كما ذكر رحمه الله تعالى أمرين: الأمر الأول اتباعا للسنة، أي لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مراسلاته للملوك. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كتب الكتب وأرسل الرسائل إلى الملوك افتتحها وابتدأها ببسم الله الرحمن الرحيم. وأيضا كما ذكر من ذكر من العلماء أنها كذلك طريقة الكتاب العزيز، فالله جل وعلا افتتح سور القرآن بالبسملة. والأمر الثالث هو ما ذكر من أنه استقر عليه عمل المصنفين استقر عليه عمل المصنفين من البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم. إذن هي من السنة بالاعتبارات الثلاثة المذكورة. وقوله: «وفي الأمر بالبداءة بها حديث معروف». والحديث الذي أشار إليه جاء من حديث أبي هريرة، وجاء كذلك عن غيره. والراجح فيه الضعف، والراجح فيه الضعف. وللعلامة الألباني وللعلامة الألباني علامة العصر ومجدد العصر بحث في أول كتابه الإرواء على طرق أحاديث طرق أحاديث البدء بالبسملة والبدء بالحمدلة، استوعب فيها الكلام وخلص رحمه الله تعالى بأن الأحاديث مضطربة، وأن الراجح فيها الإرسال. قوله: «كتاب التوحيد». الكتاب يقال: كتاب، يعني من كتب يكتب كتابا وكتابة. والكتب بمعنى الجمع، منه يقال: الكتيب، ومنه يقال: الكتيبة، ومنه يقال: كتابة، لاجتماع الحروف فيها، لاجتماع الحروف وضم وانضمام بعضها إلى بعض. وذكر بعض علماء اللغة أن الأصل في الكتاب أنه يطلق على الورق الذي فيه الكتابة، فما وقعت فيه الكتابة يسمى ماذا؟ يسمى كتابا. والأمر ها هنا كذلك. ومعنى كتاب التوحيد، أي كتاب جمع فيه مسائل التوحيد. قوله: «المراد بالتوحيد توحيد العبادة». والتوحيد من وحد يوحد توحيدا. قال: «المراد بالتوحيد توحيد العبادة»، أي المراد بقول الشيخ رحمه الله تعالى كتاب التوحيد ها هنا، المراد به توحيد العبادة. وكونه قال: بأن الشيخ رحمه الله تعالى أراد بقوله التوحيد توحيد العبادة، مع أن التوحيد من حيث هو أعم، أي أن التوحيد يطلق على توحيد الربوبية وعلى توحيد الإلهية وعلى توحيد الأسماء والصفات. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر ها هنا التوحيد، وقال: كتاب التوحيد، لأنه هو الذي أراده الشيخ، وإن كان غيره من أنواع التوحيد تدخل فيه إما ضمنا وإما لزوما، أي توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات إما تدخل فيه أي في توحيد العبادة إما ضمنا وإما لزوما. والشيخ رحمه الله تعالى إنما ألف في كتاب التوحيد، أي في توحيد العبادة دون غيرها، لأن توحيد الربوبية بحمد الله جل وعلا مستقر بالفطر، ولم يحصل فيه نزاع بين المشركين الأولين مع الرسل، فضلا عن غيرهم. وإن حصل فيه شيء من نزاع اليسير في بعض جزئياته. أما عند المتأخرين، فسأتي معنا أن الأمر تعدى، وأن الشرك وقع عندهم أصلا ورأسا في توحيد الإلهية، وتعدى إلى توحيد الربوبية. فالشيخ رحمه الله تعالى أراد تقرير وتوضيح وتبيين توحيد الإلهية الذي من أقر به وعلمه وعمل بمقتضاه إلى آخر ما سيأتي معنا. فإنه بإذن الله جل وعلا يكون قد طام بجميع أنواع التوحيد بإذن الله جل وعلا. والعلماء رحمهم الله تعالى المتقدمون لم يؤلفوا في توحيد العبادة، يعني لو رأينا في تصانيف الأئمة والعلماء رحمهم الله تعالى، نجد كثيرا منهم إذا ألفوا في التوحيد أو في كتب السنة والعقائد، نجدهم يهتمون بتوحيد الأسماء والصفات. وذلك لأن الفتنة عمت وطمت في زمنهم في هذا الباب، فاحتاج العلماء رحمهم الله تعالى التصنيف بحسب محتوج إليه في ذلك العصر. وهذا فيه إشارة إلى أن توحيد الألوهية في الزمن في زمن الأئمة رحمهم الله تعالى لم يدخل فيه شيء من المخالفات الظاهرة، بخلاف العصور المتأخرة. فقد وقع في توحيد الإلهية خلل عند كثير من الناس، فلم يميز بعضهم ما بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، وبين ما هم عليه. فظنوا أن ما هم عليه أنه هو التوحيد الخالص. حتى إن أحدهم إذا قيل له: ما معنى لا إله إلا الله؟ قال: لا رب إلا الله، أو لا خالق إلا الله، جهلا منهم بمعنى لا إله إلا الله، جهلا منهم بكلمة التوحيد بأعظم كلمة بعث بها الرسل، بالكلمة المنجية بإذن الله رب العالمين إن استوفت شروطها. فلأجل هذا وغيره من الأمور، اهتم العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الباب، أي بتوحيد الألوهية وبيانه. فألف الأئمة رحمهم الله كالإمام محمد بن عبد الوهاب كتابه التوحيد، وألف كذلك الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى أيضا كتابا في ذلك، أي في توحيد الإلهية. ومن بعدهم كذلك من العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى نبهوا وشرحوا وبينوا. وقبلهم كذلك من الأئمة كالإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتلميذه ابن القيم، بل وتلاميذ ابن القيم رحمه الله تعالى، تلاميذ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى جميعا ساروا على هذا السير. بل كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن مدرسة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى إنما هي مدرسة ممتدة من مدرسة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلاميذه، ولا سيما تلميذه النجيب العلامة ابن القيم رحمه الله. فإذن قول الشيخ رحمه الله تعالى: «المراد بالتوحيد توحيد العبادة»، لأن الخلاف والنزاع وقع فيه بين الرسل وأقوامهم، وأيضا بالنسبة للمتأخرين وقعت الفتنة فيه، فاحتاج العلماء رحمهم الله إلى بيانه وتوضيحه وتجليته، يحيى من حيى عن بيانه، ويهلك من هلك عن بيانه. قال: «وكل رسول يفتتح دعوته لقومه بهذا التوحيد، أن يعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كما في سورة الأعراف وهود وغيرهما». إذن دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم هي دعوة التوحيد، أن يعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وكما سيأتي في الآيات التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى أنها دعوة الرسل أجمعين، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ إلى غيرها من الآيات الدالة على هذا المعنى. والله تعالى أعلى وأعلم. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.