شرح قرة عيون الموحدين 91

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 91، ألقاها

تحريم الاستشفاع بالله على خلقه وتوضيح معناه

يناقش هذا الفصل مفهوم الاستشفاع بالله على خلقه ويبين تحريمه لما فيه من قلة تعظيم الله وضعف إجلاله. كما يشرح أنواع الشفاعة بين المخلوقين وما يباح وما يحرم منها.

التحذير من الاستشفاع بالله وتوضيح أخطاره

يشرح هذا الفصل خطأ طلب العبد من الله أن يتوسط له عند غيره، ويعتبره تنقصا لحق الربوبية وضعفا في تعظيم الله. كما يستدل بشرح حديث جبير ابن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الاستشفاع بالله وبالرسول وحكمهما

يناقش هذا الفصل معنى الاستشفاع بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الاستشفاع بالله تعالى غير جائز، بينما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم جائز في حياته. كما يوضح الفرق بين الشفاعة الجائزة والشركية.

أهمية إذن الله في الشفاعة

ينفي هذا الفصل الشفاعة بدون إذن الله تعالى، مستشهدا بآيات قرآنية تشير إلى أن الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله. كما يُظهر أهمية رضا الله في قبول الشفاعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن ابن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله -أي قول إمام محمد ابن عبد الوهاب- في كتابه «التوحيد»: قوله: باب لا يستشفع بالله على خلقه. قوله -رحمه الله تعالى- باب، أي مدخل في عدم، في بيان عدم جواز الاستشفاع بالله تبارك وتعالى على خلقه. ومعنى الاستشفاع -كما مر معنا- هو طلب الشفاعة، أي التوسط عند الغير لجلب نفع أو دفع ضر. والشفاعة في حق المخلوق مع المخلوق -كما يقول علماء رحمهم الله تعالى- في أمور الدنيا على قسمين: شفاعة المخلوق للمخلوق عند المخلوق في أمور الدنيا على قسمين: مشروع وممنوع. أما المشروع، فهو الشفاعة في شيء مباح أو في شيء مستحب عند الغير، كأن يطلب إنسان من إنسان أن يشفع له عند إنسان في خطبة ابنته، أو في أن يعمل عنده، أو ما شابه ذلك. هذه شفاعة مباحة، بل وفاعلها مأجور على شفاعته؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «اشفعوا تؤجروا». هذا النوع الأول في حق المخلوق مع المخلوق. النوع الثاني من الشفاعة -وهي الشفاعة الممنوعة- من المخلوق للمخلوق عند المخلوق، وذلك بأن يشفع إنسان لإنسان عند إنسان في إعانته على فعل محرم، أو على ترك واجب، ومنها أن يشفع إنسان عند الحاكم لإسقاط حد من حدود الله تبارك وتعالى. هذا من قسم الممنوع، وإن كان بين الناس بعضهم لبعض؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأسامة بن زيد حينما شفع للمرأة المخزومية التي سرقت: «يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها». فهذا النوع من الشفاعة محرم. وأعظم من ذلك أن يستشفع المخلوق بمخلوق عند الله تبارك وتعالى، بأن يجعله واسطة بينه وبين الله تبارك وتعالى، يتقرب إليه بأنواع من القرب حتى يرضى ذلك الوسيط عنهم، فيكون ذلك سببًا لرضى الله تبارك وتعالى عنه. وهذا نوع من الشفاعة الممنوعة، بل هو أشدها وأنكرها؛ لأن هذا النوع شفاعة شركية. وأما الباب المذكور عندنا، وهو باب لا يستشفع بالله على خلقه، فمعناه تحريم أن يطلب الإنسان الشفاعة من الله تبارك وتعالى عند المخلوق؛ لما فيها من معنى قلة التعظيم وضعف الإجلال لله تبارك وتعالى، وهضم لربوبية الله تبارك وتعالى؛ لأن الله جل وعلا لا يعجزه شيء، وبيده كل شيء تبارك وتعالى. فكون هذا العبد يطلب من الله جل وعلا أن يتوسط له عند الغير، فكأنه جعل ذلك الغير أعظم مكانة وأجل قدرًا من الله تبارك وتعالى، فاحتاج إلى أن يوسط الله تبارك وتعالى لأجل جلب نفع لهم عند ذلك الغير، أو دفع ضر عنهم من ذلك الغير. وهذا -كما سمعتم- فيه تنقص وهضم لحق الربوبية، ففيه معنى من معاني ضعف وقلة التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى، فهو من منقصات التوحيد. قال -رحمه الله تعالى-: قوله باب لا يستشفع بالله على خلقه، وذكر هذا الحديث -أي حديث جبير ابن مطعم الآتي ذكره-. قال: وسياق أبي داود أتم مما ذكره المصنف، ولفظه عن جبير ابن محمد ابن جبير ابن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك، أتدري ما تقول؟» وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: «ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك». ويحك، أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لها كذا -وقال بإصبعه مثل القبة- يعني أشار مثل القبة: أن عرشه على السماوات كالقبة. قال: «وإنه لا يأط به أطيط الرحل بالراكب». قال ابن يسار في حديثه: «الصواب ابن بشار». الصواب ابن بشار -محمد ابن بشار الملقب بغندر، وهو أحد مشائخ أبي داود في هذا الحديث-. وإن كان الحديث كذلك من طريق محمد ابن يسار، ولكن هذه الزيادة رواها محمد ابن بشار، كما يتضح ذلك جليًا بالرجوع إلى سنن أبي داود الذي نقل منه الشيخ هذا النقل. قال ابن بشار في حديثه: «الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته». هذا الحديث بهذا الطول وبهذا التفصيل فيه ضعف؛ لأنه من طريق محمد ابن إسحاق -رحمه الله تعالى- وهو صدوق مدلس، وروى هذا الحديث بالعنعنة. والقاعدة عند العلماء أن من عرف بالتدليس -ولا سيما التدليس الذي يضر- فإن حديثه لا يقبل إلا إذا صرح بالتحديث. قال -رحمه الله تعالى-: قوله «ويحك» كلمة تقال للزجر. قوله «أتدري ما الله» في إشارة إلى قلة علمه، أي إلى قلة علم ذلك السائل بعظمة الله وجلاله. فمنه يعلم أن هذا من الجفاء، ومن قلة العلم والعقل والدين، أن يستشفع بالله تبارك وتعالى على خلقه؛ لما فيه -كما سمعت- من معنى ضعف التعظيم الواجب لله رب العالمين تبارك وتعالى، ولما فيه كذلك من معنى هضم الربوبية؛ إذ أن الأمر بيد الله تبارك وتعالى. قال: «أنت أردت شيئًا، فاسأل ممن بيده الخير كله». تبارك اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير. بيد الله تبارك وتعالى الملك، وبيده الخير، وبيده العزة، وبيده الرفعة لمن شاء سبحانه وتعالى. فتطلب هذه الأمور من مالكها حقًا وحقيقة تطلب من الله تبارك وتعالى وحده لا شريك له. قال -رحمه الله تعالى-: قوله «إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه»؛ لأن الأمر كله بيده -تعالى- ليس في يد المخلوق منه شيء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع -تعالى وتقدس-. قالوا: في هذا الحديث الرد على الجهمية وإثبات العلو. الرد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومن نحا نحوهم ممن زعم أن الله تبارك وتعالى ليس في السماء، وأنه لم يستوي على عرشه حقيقة، وإنما استولى على العرش كما زعمت ذلك الجهمية، وتبعتها المعتزلة، وتبعتها كذلك الأشاعرة. والكل مخالف منابذ للأدلة الكثيرة من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولإجماع سلف الأمة من إثبات علو الله تبارك وتعالى على خلقه، واستوائه على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. قال -رحمه الله تعالى-: وهذا الحديث رواه أبو داود، ورضيه على عادتي فيما إذا كان عنده صحيحًا أو حسنًا وسكت عليه. وهذا أحد الأقوال في سكوت أبي داود -رحمه الله تعالى- عن الحديث الذي يرد في كتابه «السنن». قال -رحمه الله تعالى-: وأما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، فإنما هو بدعائه، أي بطلب الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأن يدعو لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا جاز عند الله تبارك وتعالى، أو أن يستشفع لهم عند الغير في أمر من أمور الدنيا. كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين حينما عتقت بريرة، فجعل زوجها يلاحقها ويريد أن يرجعها. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أو طلب منها النبي صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى زوجها»، قالت: «يا رسول الله، أتأمرني أو تشفع؟» قال: «بل أشفع». قالت: «لا حاجة لي به». الشاهد من أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع إما في أمور دنيوية، أو قد يشفع لغيره عند الله تبارك وتعالى بالدعاء بأن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدعو ذلك الإنسان الله تبارك وتعالى بأن يستجيب لهم مطلوبهم. قال -رحمه الله تعالى-: فإنما هو بدعائه صلى الله عليه وسلم، ودعاؤه مستجاب. وأما بعد وفاته، فلا يجوز الاستشفاع به. وقوله «ودعاؤه مستجاب» هذا هو الأصل أن دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دعاؤه مستجاب، إلا أن يكون لحكمة علمها الله تبارك وتعالى، فقد يمنع الاستجابة كما في حديث جابر في الصحيح وغيره، قال: «دعوت الله جل وعلا في ثلاث، فاستجاب لي واحدة، ومنع اثنتين -أو كما قال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال -رحمه الله تعالى-: كما تقدم تقريره في باب الشفاعة وما قبله. والله تعالى نهى عن اتخاذ شفعاء في مواضع كثيرة من القرآن، كما تقدم معنى. وهذه من الشفاعة الشركية. قوله: «والله تعالى نهى عن اتخاذ الشفعاء الذين جعلوا وسائط بين العباد وبين الله تبارك وتعالى، جعلها من المشركين يتقربون إليها ويتوددون لها ويتألهون لها؛ لأجل أن ترضى عنهم فتشفع لهم عند الله تبارك وتعالى». فهذه الشفاعة شركية نهى الله تبارك وتعالى عنها. قال: ونفى في حق من سألها من غير الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. وقال عن المشركين: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. والله تبارك وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على