الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 54، ألقاها
يتناول هذا الفصل أهمية الرجوع إلى الكتب في التحديث وخطأ الاعتماد على الحفظ فقط، من خلال قصص الأئمة الذين اعتمدوا على حفظهم وأخطأوا أحيانًا. كما يبرز أهمية التحديث من الكتاب لتحسين دقة الرواية.
يُبرز هذا الفصل أهمية معرفة المحدثين لأصول كتبهم في نقد الأحاديث، من خلال قصص علماء بارزين مثل يحيى بن معين ونعيم بن حماد وأحمد بن حنبل. كما يشير إلى اعتماد العلماء اللاحقين على النسخ المتاحة دون الوصول المباشر إلى الأصول.
يشرح هذا الفصل زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام وقلة ما كان يملكه، ويستشهد بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن أكل النبي من التمر الذي أهدي إليه. كما يفصل في شرح أكل النبي للتمر متحفزًا وبتركيز.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الصمد، وهو ابن عبد الوارث بن سعيد التنوري، وأبوه عبد الوارث من حفاظ أهل البصرة. لكن اتهم بالقدر والاعتزال، وكان عبد الصمد ينكر هذا أن يكون أباه كذلك، ينكر أن يكون أباه من المعتزلة أو القدرية، ولم يثبت عنه شيء يدل على ذلك إلا بعض الكلام المحتمل، فلهذا بعض الأئمة يقول: إنه لم يثبت عنه القول بالقدر. قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا همام، وهمام ابن يحيى العودي، وهمام ابن يحيى حديثه الآخر أو الأخير أفضل من حديثه الأول. وهذا الشيء ليس مشهورًا عند الأئمة، الغالب العكس، الغالب العكس أن حديث المحدث الأول أفضل من حديثه الآخر، إلا همام، فإن حديثه الآخر أفضل من حديثه الأول. وهذا لسبب أن همامًا رحمه الله كان يحدث من حفظه، كان يحدث من حفظه، وعنده كتاب معلومة البصرة من أشد الناس عناية بالكتابة وبالكتب، عنده كتابه، لكن اعتمد على حفظه، كان يحفظ، فلهذا أخطأ في حديث بسبب أنه اعتمد على حفظه ولم يعتمد على كتاب، إما أنه لا يرجع إلى الكتاب أو يكون أحيانًا كذلك، أي لا يرجع فيحدث دون أن يرجع إلى الكتاب، فيأتي الخطأ في حديثه. فذات مرة نبهه همام -أقصد عفان- والمسلم الصفار، وعفان من أقصة العميدة. ولهذا هذا الحديث ذكره أيضًا لما محمد، كما ذكر الشيخ من طريق عفان، كما سيأتي، عفان نبهه على خطأ، فقابله، فرجع إلى كتاب، فوجد أنه أخطأ في هذا الحديث، وأخطأ في غيره. فقال: يا عفان، قد كنا نخطأ، كنت أخطأ ولا أدري أنه كان يخطأ في حديثه. ولهذا لما سمع بعض الأحاديث بعض أهل الحديث كيحيى بن سعيد وغيره استنكرها، أنكر هذه الأحاديث أن تكون فيها شيء من الغلط. فلهذا كان يحيى بن سعيد يتكلم على همام وينكر حديثه. ومن ثم إن همامًا التزم بعد ذلك التحديث من الكتاب، فكان حديثه أفضل من الأول. ولهذا كان عفان يقول ليحيى بن سعيد: إن همامًا حديثه صحيح، وهو ينكر. قال: فلما جاء معاذ بن هشام بن أبي عبدالله الدستوائي، قال: فرأى يحيى بن سعيد كتاب معاذ عن نبيه عن قتادة، فقارنه بكتاب همام الذي عند عفان، فرآه سواء، رآه سواء، أي أن همامًا ما كان يخطئ، أي في كتابه، فكان كتابه صحيح، فغير رأيه يحيى بن سعيد رحمه الله، غير رأيه في همام. وهكذا تجد أهل الحديث أحيانًا الإنسان يعتمد على حفظه، وعنده كتب، لكن أحيانًا ما يرجع، بل أحيانًا بعض المحدثين يحدث بحديث ليس موجودًا في كتبه، تجد أنه حفظه، وقع في ذهنه، وقع في ذهنه، فلما جاءت المناسبة حدث به. ولهذا من ذلك ما ذكر عن أبي عوانة الوضاح بن عبدالله اليشكري أنه مرة حدث بحديث، وكان عنده عبدالرحمن بن مهدي، فقال له: يا أبا عوانة، هذا الحديث ليس من حديثه. فقال: ماذا تقول يا أبا سعيد؟ كيف ليس من حديثه؟ هذا من حديثه. قال: لا، هذا ليس من حديثه. فقال: يا فلانة -لمولاة له- هاتي الكتاب الذي في الدرجة الفلانية، فجاءت بالكتاب، فنظر إلى الكتاب، لم يجد هذا الحديث. فقال: يا أبا عوانة، يا أبا سعيد، من أين جاءك هذا الحديث؟ فقال له عبدالرحمن: لعلك ذكرت به وأنت شاب، لعلك ذكرت به وأنت شاب، فعلق عندك -علق معناه خلاص حفظته- ولأن أولئك الكبار كان حفظهم قويًا، أنه إذا سمع شيئًا حفظه، فقد يكون يسمع شيئًا قديمًا، قد يكون في المذاكرة، فيعلق في ذهنه هذا الحديث، فيحدث به بعد سنوات طويلة، فيظن أنه في كتابه وليس في كتابه. وهذا يحصل. فأيضًا كذلك حصل هذا مع نعيم بن حماد الخزاعي، فإنه حدث بحديث مسح الخفين، فجعلهم الحديث المرفوع عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة. فكان في المجلس أبو زكريا يحيى بن معين، فقال: يا نعيم، هذا الحديث ليس من حديثك. فقال: كيف ذلك؟ حتى هم بعض من كان عنده أن يسكت ابن معين في هذا، فقال: بل هو من حديثي. فقال: لا. فقال: إنما أنت أردت شيئًا. قال: والله ما أردت إلا أن أزينك، أنا -يقول ابن معين بن نعيم- وكان صاحبه، فقال: والله ما أردت إلا أن أزينك عند الناس. فقال له نعيم بن حماد: بل هذا من حديثي. فقال: لا. فقال يحيى بن معين: والله ما حدث به ابن عون، ولا حدث به ابن شريك -أو قال: ما حدث به ابن المبارك، ولا حدث به ابن عون- فقال: فدخل وجاء بكتابه -أي نعيم بن حماد- دخل بيته وجاء بكتابه حتى ينظر إلى هذا الحديث. ثم جاء إلى من كان عنده في المجلس من طلبة العلم ورواة الحديث، فقال: أين الذين يقولون إن أبا زكريا ليس أمير المؤمنين في الحديث؟ أنا أدعو ليحيى بن معين رحمه الله؛ لأنه رأى أن هذا الحديث ليس موجودًا في كتبه، فلهذا يحصل هذا عند كثير من المحدثين، يحدث بحديث وليس هذا الحديث موجودًا في كتبه. وهكذا أيضًا قصص كثيرة حصلت، حصلت أيضًا لهشام بن إسماعيل مع أبي حاتم وغيره، مما يحصل. وهؤلاء إما يعرفون حديث الرجل، يعرفون حديثه عن فلان؛ لأنه يكتبونه، فإذا حدث بحديث ليس موجودًا في كتابه عرفوا. ولهذا يقول العلماء: إن أولئك إما قد عاينوا الأصول، لما يقولون شيئًا، مثلًا هذا كذا، وهذا كذا، فهم قد عاينوا الأصول، أصلا أصول الكتب عاينوها، أصول المحدثين عاينوها، فهم أعرف بحديث الرجل. فلهذا تجد لمام أحمد أحيانًا يعلم بعض الأحاديث، فيقول: وهذا ليس في كتب أبي عوانة، وهذا ليس في كتب سعيد بن أبي عروبة، أن يعرفون هذه الأصول، فلهذا إذا أنكروا حديثًا أحيانًا يسلم لهم؛ لأنهم قد عاينوا الأصول، كما قال الحافظ ابن رجب، وكذلك الحافظ ابن حجر، فهؤلاء عاينوا الأصول. أما من جاء بعدهم، إنما ينظر في النسخ، ينظر في الكتب، فما وجده في الكتب أخذ به. وأما أولئك فقد عرفوا أصول المحدثين. قال: قال همام: حدثنا قتادة، هو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، وكان آية في الحفظ، وولد أَكَمَة رحمه الله، وكان إذا سمع شيئًا حفظه، فإذا لم يحفظه أخذه العجب أن يصيح حتى يحفظ هذا الشيء الذي كان يقرأ فيردده حتى يحفظه. قال: حدثنا قتادة عن أنس: أن أم سليم بعثته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رطب. القناع هو إناء يوضع فيه الرطب ليؤكل، ويصنع من عسب النخل، أو من الجريد، جريد النخل نصنع له قناعًا، فبعثت أم سليم رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رطب، أو رطب معروف، تمر الناضج الذي من الشجر. قال: فجعل يقبض قبضته فيبعث بها إلى بعض أزواجه، ويقبض القبضة فيبعث بها إلى بعض أزواجه، أي يقول لأنس: اذهب بهذا إلى فلان، اذهب بهذا إلى فلان. وجاء في رواية سليم -رواية سليم بن مروان- ظاهر عن أنس، أو صهيب بن سليم، صهيب بن سليم عن أنس: أنه أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم رطب، فكان يوصيني أن أعطي فلان كذا، أعطي كذا من هذا. قال: ورأيته جالسًا يأكل من هذا التمر وهو مقعٍ، أي مقعٍ، وأنا في جلسة المتحفز. المتحفز: الإقعاء هنا المراد به إقعاء، يعني يضع رجليه على الأرض وينصب ساقيه، فهذا يسمى إقعاء. وأولًا كان جالسًا كجلسة المتحفز، كما جاء أيضًا في حديث شعيب بن حبحاب عن أنس. ثم إنه جلس وقع كما يقولون مثل إقعاء الكلب، لكن هذا من يعاب في الصلاة، من يعاب في الصلاة، لكن قد يفعله الإنسان أحيانًا. والنبي صلى الله عليه وسلم فعله لما أكل من التمر، أكل من هذا التمر الذي أهدي إليه من أم سليم رضي الله عنها. فقال أنس رضي الله عنه هنا: ويقبض القبضة فيبعث بها إلى بعض أزواجه. قال: ثم جلس فأكل بقيته، أكل رجل يعلم أنه يشتهيه، عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على قلة ما عندهم عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال صحيح، أنه قد خرج لهؤلاء البخاري، مسلم، عبد الصمد، أخرج له البخاري، مسلم، وكذلك همام، وقتادة، وأنس. وهذه الطريق هي في البخاري، وكذلك في مسلم، فالحديث على شرط البخاري، مسلم. ثم ذكره لنا محمد من طريق عفان، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام به. وعفان كما قلنا من أوثق الناس في همام، وعفان أثبت في كل شيوخه، كما يقول الإمام أحمد: عفان أثبت في كل شيوخه؛ لأنه عفان رحمه الله، عفان بالمسلم الصفار، كان يضبط كتابه، أنا مهتم بالكتاب، حتى كان لنا محمد يقول: إليهم المنتهى في التثبت، ما بعده تثبت، هؤلاء أهل بصرة، وخاصة ثلاثة منهم: عفان بن مسلم، وحبان بن أبي جبلة، وكذلك بهز بن أسد، هؤلاء الثلاثة كان لنا محمد رحمه الله يقول: إليهم المنتهى في التثبت، ما بعده تثبت، مثل تثبتهم. والمراد تثبتهم في الكتاب، يعني كانوا يثبتون كتابهم، وكانوا ما يحدثون إلا من كتبهم، ما يحدثون إلا من كتبهم. فلهذا ضبطوا هذه الأحاديث، فهذا الحديث الذي ذكره هنا المؤلف هو حديث صحيح، وهو على شرط البخاري ومسلم، وفيه هذا الأمر الذي ذكره هنا، وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من زهد، ومن قلة في الطعام. فما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثًا أو ثلاثة ليال من خبز شعير، كما قالت عائشة رضي الله عنها. وتمر الثلاثة الأشهر على أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يوقد فيه نار. بل قال عمر رضي الله عنه -كما في صحيح مسلم- وبعضه رواه بغير أو، لم يذكر عمر فيه، وإنما ذكر نعمان بن مقرن أو نعمان بن بشير: أنه خطب الناس بالبصرة، فقال: ما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ملأ بطنه من التمر الدقل، وما ملأ بطنه من تمر، أو من تمر الدقل، الدقل: معنى الرديء، حتى التمر الرديء، ما ملأ ما ملأ بطنه عليه الصلاة والسلام منه. فجاء كما قلنا أن النعمان بن بشير، وجاء عن عمر، وهو الصحيح أنه عن عمر، وأن عمر هو الذي خطب. فكان عليه الصلاة والسلام عنده تزهد في الدنيا، وقلة طعام، وكلما جاءه طعام أعطاه لأزواجه أو قسمه، أعطاه لأزواجه أو وزعه بين المسلمين. وحتى ما أعطي من الفيء الذي أعطيه عليه الصلاة والسلام من بني النضير، ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ إلى آخر الآية، هذا الفيء أعطيه، أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم حظه، فجعله عليه الصلاة والسلام لأزواجه، ادخره عليه الصلاة والسلام لأزواجه. وقلنا أن ثم قال: فيبعث بها إلى بعض أزواجه، ثم جلس فأكل بقيته، أكل رجل يعلم أنه يشتهيه، أنه ما تحصل على مثل هذا، فلما تحصل عليه أكله. ولهذا كما قلنا جاء في حديث صهيب بن سليم عن أنس: أنه قال أنس رضي الله عنه -وهو الحديث صحيح، في مسلم، كما قلنا- أن أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم رطبًا، فأكله وأعطى، أو قال: وابعثني إلى أعطي فلان كذا، وأعطي فلان كذا. ثم قال: فرأيته يأكل متحفزًا، معنى كأنه يشتهيه، معنى كأنه لم يأكل مثله قبل، أو أنه كان جائعًا عليه الصلاة والسلام، فلما جاء بالتمر احتاج إلى أن يأكله، فهذا معنى ثم جلس فأكل بقيته، أكل رجل يعلم أنه يشتهيه. طيب، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.