الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  70

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 70

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 70، ألقاها

رخصة استقبال القبلة في السفر أثناء الصلاة

يشرح هذا الفصل رخصة استقبال القبلة للمسافر أثناء الصلاة على راحلته، حيث يجوز له الصلاة في أي اتجاه توجهت به راحلته بعد استقبال القبلة إذا أمكن في الفرض. يُشترط استقبال القبلة في الفرائض إذا أمكن ذلك.

حكم استقبال القبلة في الصلاة أثناء السفر على الراحلة

يتطرق هذا الفصل إلى حكم استقبال القبلة في الصلاة أثناء السفر، حيث يجوز للمسافر الصلاة على راحلته إلى غير القبلة في النوافل، بينما يُستحب استقبال القبلة في الفرائض إذا أمكن ذلك. يُبيّن أيضًا أنه لا يجب استقبال القبلة أولًا عند ابتداء الصلاة.

الصلاة في الراحلة في الحضر والسفر وآراء الفقهاء

يتناول هذا الفصل حكم الصلاة في الراحلة سواء في الحضر أو السفر، حيث يختلف الفقهاء في ذلك. يرى الإمام مالك وأحمد جواز الصلاة في الراحلة حتى في الحضر، بينما يرى أكثر العلماء أن ذلك خاص بالسفر فقط.

  • 25 جمادى الأولى 1440هـ - 31/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا مسدد، وهو مسدد بن مسرهد، أبو الحسن البصري رحمه الله، قد ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض ما جاء في ترجمة أبي جعفر الرازي، قال: أخبرنا ربعي بن عبد الله بن الجارود، وهو ابن أبي صخر البصري، وهو صدوق، قال: حدثني عمر بن أبي الحجاج، وأبو الحجاج اسمه ميسرة، وهو المنقري البصري، عمر بن أبي الحجاج المنقري البصري، وهو ثقة، قال: حدثني الجارود بن أبي صخرة، والجارود هو جد ربعي، جد ربعي بن عبد الله بن الجارود، والجارود أيضًا صدوق أوثقه ابن معين، قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل براحلته القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه. قال شيخنا: هذا حديث حسن، فهذا الحديث يدل على الرخصة للمسافر إذا كان في رحلته أن يستقبل براحلته، بمركوبه القبلة إذا صلى، ثم حيثما توجهت به هذه الراحلة أو هذا المركوب. وتعلمون أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، الله عز وجل يقول ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فدل على وجوب استقبال القبلة. وجاء في البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم منا»، فاستقبال القبلة شرط عند عامة العلماء. والخلاف الذي ذكره الشوكاني في نيل الأوطار إنما هو في نقل الخلاف، وليس هناك خلاف في هذه المسألة، فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، إلا أن هذا الاستقبال يسقط في بعض المواضع، أن يسقط وجوبه يسقط وجوبه. ومن هذه المواضع الخوف الشديد، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا»، قال عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر، أو قال مجاهد عن عبد الله بن عمر: مستقبل القبلة وغير مستقبليها. فيصلي الخائف إذا لم يستطع أن يصلي إلى القبلة يصلي إلى غير القبلة. وأيضًا ممن يسقط عليه القبلة من لم يعرف مكان القبلة، وقد تقرر معنا حديث في هذا، من لم يعرف مكان القبلة ثم صلى باجتهاد، فصلاته صحيحة. وإذا لم يصلي باجتهاد فعند أكثر العلماء أن صلاته غير صحيحة إذا كان عنده وسائل للاجتهاد ولم يجتهد. ومن هذه أيضًا الرخص أو الاستثناء في استقبال القبلة إذا كان راكبًا في سفر، فإنه يرخص له بترك القبلة، يصلي حيثما وجهت به راحلته، أي في النافلة. أما في الفرض فلابد أن ينزل ويستقبل القبلة، إلا إن كان لا يستطيع أن يخرج من مركوبه، مثلا من كان في سفينة أو في طائرة، فهذا لا يستطيع أن يخرج، وهنا يصلي حيثما في مكانه، إن استطاع أن يستقبل القبلة واجب عليه أن يستقبل القبلة، وإن لم يستطع فيصلي حيثما وجهت راحلته، هذا في الفرض. وأما في النفل فيجوز أن لا يستقبل القبلة إذا كان في مركوبه مسافرًا، وهذا في النفل كما قلنا، فاتفق العلماء على أنه يجوز له أن يصلي إلى غير القبلة على حسب ما توجهت به راحلته. لكن هل إذا ابتدأ في الصلاة أولًا استقبل القبلة أو لا يشترط ذلك ولا يجب؟ فأكثر أهل العلم على أنه لا يجب، ونسب بعضهم الوجوب إلى أحمد، وهذا ليس صحيحًا، نسب بعض أهل العلم الوجوب إلى أحمد أنه يوجب أن الإنسان يكبر على هذا الحديث، لكن الإمام أحمد لم يقل بالوجوب، وإنما يقول بالاستحباب، أن يستحب له ذلك. لأن أكثر الأحاديث التي جاءت في هذه المسألة حديث ابن عمر في الصحيحين، وحديث أنس أيضًا، حديث آخر في هذا الباب، وكذلك حديث البراء، وجماعة من الصحابة، كلهم يذكرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى غير القبلة، ولم يذكروا أنه كان يوجه أولًا راحلته إلى القبلة، لم يذكروا هذا، فتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يلتزم هذا الأمر. فلهذا من باب الاستحباب وليس من باب الوجوب، إذا كان يستطيع أن يستقبل القبلة استقبلها، وإلا صلى حيثما وجهت براحلته. وهذا الاستقبال كما قلنا ليس بواجب، وإنما مستحب، يوجه مثلا سيارته إلى القبلة ثم يتوجه إلى المكان الذي يتجه إليه، فهذا من باب الاستحباب. ثم قال أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع، وهنا اختلف العلماء، أن بعضهم يقول أن «كان» للاستمرار، وبعضهم يقول ليست للاستمرار، ورجح ذلك الإمام النووي على أن «كان» هنا في الحديث ليست للاستمرار، وإنما لوقوع هذا الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم، ممكن أنه يقع منه عدة مرات، أما الاستمرار فلا تدل على الاستمرار. كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه، فهذا يدل على استحباب هذا الأمر، أنه يوجه راحلته إلى القبلة ثم حيثما توجهت به هذه الراحلة، سواء كانت طائرة أو سفينة أو سيارة أو شيء من هذه المركوبات. طيب، إذا لم يكن في سفر، هل يترخص في ذلك؟ إذا كان مثلا إنسان راكب سيارة وهو في بلد، فهل يترخص في ذلك على أنه يصلي بغير اتجاه القبلة؟ فرخصة جاءت رواية عن الإمام أحمد في الترخيص في ذلك، وهو أيضًا قول الإمام مالك في الترخيص في ذلك، على أنه ولو كان في بلد، فالإنسان عنده سيارة وهو يمشي في نفس البلاد، فحضرت الصلاة مثلا أراد أن يصلي مثلا ركعتين بعد الظهر، لم يستطع أن يصليها في المسجد أو لم يستطع أن يصليها في بيته، وكان عنده مشوار في السيارة، فهل يصليها في ذلك؟ عند الإمام مالك ورواية عن أحمد كما قلنا أنه يجوز، حتى في البلد. لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذلك في راحلته، وأكثر العلماء يمنعون من ذلك، يمنعون من ذلك، لأن مسألة السفر غير مسألة الحضر، فالسفر يحتاج الإنسان إلى عدم الوقوف حتى ينجز هذه المسافر، وأيضًا يستغل وقته في المشي، غالبًا المسافر إذا سافر ما يحب الراحة، مثلا في الأماكن يمشي هنا ويجلس هنا، لا يحب أنه يسرع إلى مكانه الذي سيسافر إليه. فلهذا فالسفر ليس مثل الحضر، ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه توجه إلى غير القبلة في حضره. جاء حديث عند أبي داود من حديث عبد الله بن أنيس، حديث ابنه عن أبيه عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، وأنه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقتل بعض اليهود فمشى إليه، وفي الطريق لما رأى أنه سيتأخر صلى وهو يمشي، صلى وهو يمشي حيثما توجه وجهته. وهذا الحديث الصحيح أنه لا يصح، لأن ابن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه لم تعرف حاله، ولم يروى بالحديث، فلهذا فهو مجهول، فلهذا الأولى الإنسان أن لا يفعل ذلك إذا كان في بلده، وإنما يفعل هذا في السفر، يصلي في راحلته، في سيارته، يومئ برأسه في الركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، كما كان يفعل نبي الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في راحلته متوجها إلى غير القبلة، يومئ برأسه، يجعل الركوع أخفض. فلهذا هذه السنة التي جاءت، وأما في البلد والحضر فالأولى أن لا يفعل، فهذا ما يذكر بهذا الحديث والله تعالى أعلم.

شاركنا على