التعليق على الجواب الكافي 164

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 164، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم المحبة وأهميتها في الإيمان

تنقسم المحبة إلى محمودة ومذمومة، والمحمودة هي أصل السعادة. القرآن الكريم يدور حول الأمر بمحبة الله ولوازمها.

أهمية محبة الله ورسوله وتقديمها على غيرهما

محبة الله ورسوله أهمية بالغة في الإيمان وتجب أن تتقدم على محبة النفس والغير. تعظيم محبة الله في القلب ضروري وتوازنها مع الخوف والرجاء.

تعريف التأله والعبادة ومتطلباتها

التأله يشمل المحبة والطاعة والخضوع، وعبادة الرحمن تتضمن محبة مع طاعة وخضوع وذل. المحبة والذل قطبان أساسيان في عبادة الرحمن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل المحبة المحمودة والمحبة المذمومة. فبعد ما بين رحمه الله أن لب العبادات وطمانينة القلب، وأيضا كذلك جنة الدنيا، هي محبة الله عز وجل ومعرفته والشوق إلى لقائه سبحانه وتعالى، وهي أعظم مطلوب ومرغوب للعبد، وأعظم محبوب له في الدنيا. ثم ذكر هنا الآن أن المحبة تقسم إلى قسمين: محبة محمودة ومحبة مذمومة. قالوا: لما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها، وما لا يصلح إلا له وحده. لأن الإمام ابن القيم رحمه الله يتكلم عن الأمور الشرعية، فلهذا فالمحبة أنواع متفاوتة، منها ما يصلح ومنها ما لا يصلح، ومنها ما هو حلال ومنها ما هو حرام، ومن الحلال أيضا ما هو واجب ومنها ما هو مستحب وهكذا. وقال أيضا: وما لا يصلح إلا له وحده، أنا من هذه المحبة، وأغلب ما يذكر يذكره الفقهاء والعلماء هو محبة الله جل وعلا، ما كانت المحبة في حق الله، ما كان المحبة في حق الله تعالى، وما يختص به ويليق به من أنواعها، وما لا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما. لأن أنواع العبادة أو أنواع المحبة عشرة أنواع كما ذكر من قبل، فبعضها يصلح أن تكون لله، وبعضها لا يصلح. كما ذكر رحمه الله مثلا العشق، العشق لا يصلح أن يقول الإنسان عاشق الله أو يقول عاشق النبي صلى الله عليه وسلم، أن هذه اللفظة التي يأتي بها أهل التصوف خطأ، خطأ من ناحية المعنى، حتى لأن العشق محبة مصحوبة بشهوة، وهذا لا يليق بالله ولا برسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تليق حتى بالإنسان معنى الرجل، إنما تكون مع الأزواج. فلهذا لا يصلح أن يقول الإنسان عاشق النبي أو بعضهم أيضا يقول عاشق الكرة أو عاشق الفنانين أو الفنانات، هذا كله خطأ. لكن من أنواع المحبة التي تليق العبادة والإنابة والود والخلة وغيرها من الأشياء التي جاءت في الشرع. قالوا: وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، لقوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. أعظم أنواع المحبة المذمومة المحبة مع الله، هذا أعظم أنواع المحبة المذمومة، أنا أعظم من ناحية الذنب، كما أن أعظم أنواع المحبة المحمودة محبة الله عز وجل، والمحبة في الله. لكن المحبة مع الله هي من أعظم أنواع المحبة المذمومة لأنها شرك. قال: التي يسوي فيها المحب بين محبة الله ومحبته للند الذي اتخذه من دون الله، مثل ما ذكر في الآية: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. قالوا: أعظم أنواع المحمودة هذه المحبة المحمودة أعظم أنواعها محبة الله وحده، ومحبة ما أحب، كما جاء في الحديث حديث أنس في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». هذا أيضا علامة من علامات تتمكن القلب وثبات القلب في الإيمان. قال: وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. وبعض العلم صحح الحديث الذي جاء عند أحمد: «اللهم أرزقني حبك وحب من يحبك، والحب الذي يوصلون إلى حبه». قال: والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها. فأهل المحبة الذين حبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى فيها منهم أحد. فهذا بإجماع أهل السنة أن أهل التوحيد وإن دخلوا النار فإنهم يخرجون منها، فعن ما يلبثون فيها ولا يخلدون فيها. قالوا: مدار القرآن على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى ولوازمها، وضرب الأمثال المقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما، وإخباري عن فعله من نوعين. القرآن كله يذكر هذه الأشياء، أنا يذكر أهل المحبة وهل الطاعة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، «حسن أولئك رفيقا». ويضرب أيضا أمثال المقاييس للنوعين، معنى مثل ضرب المثال للنوع المذموم مثل قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾. وضرب أيضا مثلا للنوعين معا في سورة الزمر، قال: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا﴾. أن الرجل فيه شركاء عبد معنى مالكه أكثر من واحد، وعبد لواحد فقط، فهل يستوي هذا وهذا؟ لا يستويان. وغيرها من الأمثال التي يذكرها ربنا جل وعلا في النوعين. وكذلك أيضا يشيد بأوليائه وأهل عبادته، ويدم أولئك الذين عبدوا غيره وأحبوا غيره. قالوا: عن حال النوعين في الدور الثلاث: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار. والقرآن جاء في شأن النوعين الذين يحبون الله والذين يحبون مع الله، إما العبد يكون محبا لله وإيمانه على قدر محبته لله، وإما أن يكون محبا لغير الله ويكون مشركا به سبحانه وتعالى، معنى يشرك بالله عز وجل غيره فيكون محبا مع الله. قالوا: أفلوا دعوة جميع الرسل عليهم السلام من أولهم إلى آخرهم، إنما هي عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمن لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له والإجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. قالوا: قد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس، وأخرجه كذلك البخاري من حديث أبي هريرة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، أي النبي عليه الصلاة والسلام لابد أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليك من كل أحد من الناس. قالوا: في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: «الآن يا عمر». وإنما أراد عمر رضي الله عنه أن يبين أنه محب للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن ذكر نفسه حتى لا يكون في كلامه مغالطة، فقال: إلا من نفسي. لكن لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى من نفسك يا عمر»، قال: إنك الآن لا أحب إلي من نفسي. وهذه هي الحقيقة التي كان عمر يضمرها، لكن قدم هذا الكلام لأجل أن لا يقال أنه يراوغ في الكلام أو كذا أو يبالغ في الكلام. وإلا فعمر رضي الله عنه لا شك أنه أحب أن النبي عليه الصلاة والسلام أحب إليه من نفسه، ويفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وبوالديه. وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة كان عمر يقول: «فداك أبي وأمي». ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام أشد حبا من غيره، وأيضا حتى من أنفسهم. ولهذا لما قيل لخبيب بن عدي رضي الله عنه لما كان يعذب في مكة، قيل له: أيسرك أن يكون محمدا صلى الله عليه وسلم في مكانك هذا وأنت في بيتك تأكل وتشرب؟ قال: لا والله ما يسرني أن أكون في بيتي ويشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة، شوكة حتى الشوكة ما يسره ذلك أن يكون في بيته والنبي صلى الله عليه وسلم يؤذى عليه الصلاة والسلام. فكانوا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام أشد حبا، حتى قال سهيل بن عمر رضي الله عنه: قد أسلم في الفتح، ولما جاء في الحديبية قال: والله قد وردت الملوك، أنا جئت إلى الملوك ورأيتهم. قال: فما رأيت أحدا يحب أحدا كمحبة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم له. قال: ما رأيت أحدا يحب أحدا كمحبة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم له. فالملوك إنما يتزلف لهم أو لأجل الرهبة خوفا أو طمعا، لكن هؤلاء محبة وتعظيما له لإجلال الله عز وجل له ولإرسال الله عز وجل له بدينه. قال: فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست لذاته وإنما لأنه رسول الله، وهو يحب لله محبة لله، وليست لذاته. قد تقدم معنى أنه ليس هناك أحد يحب لذاته إلا رب العالمين سبحانه وتعالى، ليس هناك أحد يحب لذاته إلا الرب جل وعلا. قال: فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن في محبة مرسله سبحانه وتعالى، ووجوب تقديمها على محبة ما سواه. قالوا: محبة الرب تعالى تختص من محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها، فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه. وكلما كان العبد يعظم أو يعظم محبة الله عز وجل في قلبه، كلما كان إيمانه أعظم. لكن ينبغي أن يوزن هذه المحبة بالخوف والرجاء، أما محبة مجردة مثل ما يفعل أهل التصوف وغيرهم، فإنهم يخرجون عن الطريق الصحيحة. قال: فيكون إله الحق معبود وحب أحب إليه من ذلك كله. والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب بغيره، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده لا شريك له. أنا لا يحب من كل وجه ويحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، وأما غيره من المخلوقات أو غيره سبحانه وتعالى، إنما يحب ليس لذاته وإنما يحب لغيره، حتى الملائكة حتى الأنبياء وهم يحبون لله عز وجل لأن الله عز وجل أمر بمحبتهم. قالوا: لا تصلح الألوهية إلا له، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. الألوهية معنى العبادة والخضوع ما تكون إلا لله عز وجل. ولهذا هؤلاء أهل الغلو جعلوا منزلة النبي عليه الصلاة والسلام كمنزلة الله، وأعطوه شيئا مما لا يصلح إلا لله فغلطوا وخرجوا عن سواء السبيل. قال: والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع، أن العبادة هي محبة مع طاعة وخضوع وذل، كما قال الإمام ابن القيم: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطباني». أي قطبان المحبة أو قطبان عبادة المحبة والذل، المحبة والذل. فهذا ما ذكره الإمام ابن القيم.