الدرس في التعليق على الجواب الكافي 165، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح ابن القيم أن الحب هو أصل الحركة سواء كانت خيرًا أو شرًا، وأن الملائكة لهم دور في تدبير الأمور وتحريك الأفلاك والطبيعة بإذن الله. كما يبين أن أصل حركة الكون والمخلوقات هو محبة الله عز وجل.
يناقش توحيد الربوبية والألوهية، ويبين أن كفار قريش كانوا يعترفون بأن الله هو المدبر للأمر، وأن وجود آلهة أخرى مع الله يؤدي إلى الفساد والصراع في الكون. كما يشرح أن العباد ينبغي أن يتقربوا إلى الله وحده.
يُحتج على المشركين بعبادة من هم عبيد لله عز وجل بينما يُترك الخالق سبحانه وتعالى، ويُبين أن العبادة يجب أن تكون لله وحده. هذا يظهر تناقض عبادتهم ويؤكد ضرورة توحيد العبادة لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل الحب أصل الحركة، تقدم أنه أصل الأعمال، سواء كانت أعمال الخير أو أعمال الشر، فإن الإنسان يفعلها بإرادته، أي بمحبته لفعل الخير أو لفعل الشر. فكذلك أيضًا هنا يقول: إن الحب هو أصل الحركة، أصل حركة الإنسان أو غيره هي المحبة. قال: وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علتها الفاعلية والغائية، لأن كل إنسان يتحرك بمحبة وبإرادة، والإرادة هنا مراد بها المحبة، أي يحب هذا الفعل. قالوا: ذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية وإرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية -معنى إجبارية أو معنى ضرورية أو يضطر إليها الإنسان. قالوا: الحركة الطبيعية أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي، فهو يتحرك للعود إليه. أن كل الحركة الطبيعية أصلها السكون، إذا سكن الجسم، فإذا تحرك إلى مكان رجع إلى مكانه. قالوا: خرج عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرك له، فله حركة قسرية تكون بتحريك محركه وقاسره، وحركة طبيعية بذاتها يطلب بها العود إلى مركزه. وكلا الحركتين تابع للقاسر المحرك، فهو أصل الحركتين. وهذا معنى حركة طبيعية، والحركة الاضطرارية هذه تحدث للإنسان بدون شعور، أو لغيره من المخلوقات. قالوا: الحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين، وهي تابعة للإرادة والمحبة. والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا. قال: التي إما أن تكون على وفق طبعه تكون طبيعية، وإذا كانت ليست على وفق طبعه تكون قسرية -معنى فعلها الطرار. قال: إذا ثبت هذا، فما في السماوات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات، وحركات الأجنة في بطون أمهاتها، فإنما هي بواسطة الملائكة والمدبرات أمرًا، كما في قول جل وعلا: ﴿وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. جعل الله عز وجل ملائكة تدبر مثل هذه الأمور، والمقسمات أمرًا، كما دل على ذلك نصوص من القرآن والسنة في غير موضع. والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، أن هناك وكل الله عز وجل ملائكة بتحريك هذه الأفلاك. قال: فإن الله وكل بالرحم ملائكة، وبالقطر ملائكة، وبالنبات ملائكة، وبالرياح ملائكة، وبالأفلاك والشمس والقمر والنجوم. ووكل بكل عبد أربع من الملائكة، كاتبين عن يمينه وشماله، وحافظين من بين يديه ومن خلفه. كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وأيضًا له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من الجنة والنار. ووكل ملائكة بمساءلته وامتحانه في قبره، وعذابه هناك أو نعيمه. وملائكة تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره، وملائكة بتعديبه في النار أو نعيمه في الجنة. وهذا كله من الحركة القسرية التي لا يستطيع الإنسان أن يعارض هذه الحركة -تحدث بمعنى بعدم إرادته. قال: وكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة تسوق حيث أمرت به، وبالقطر ملائكة تنزل بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله. ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلتها وفرشها والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك. قال: فأعظم جند الله الملائكة، ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وإنما الملائكة هم عند الله عز وجل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. قالوا: هم يدبرون الأمر ويقسمونه بأمر الله وإذنه. قال الله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. نزلت لما أبطأ جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام وتأخر عليه، قال: ما لك أبطأت علي؟ فقال: فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قالوا: إن الملائكة لا تفعل شيئًا إلا بإذن الله وبأمر الله جل وعلا. قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لأمره في الخليقة، كما قال جل وعلا: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾، يريد به الملائكة هنا تصطف وتزجر الناس. وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، كل هذه صفات للملائكة الكرام. قالوا: إذا عرفت ذلك، فجميع تلك المحبات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات. وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها، فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب والنيّرات. فالملائكة تفعل هذا حبًا لله وتعظيمًا له وإجلالًا لله جل وعلا. قالوا: لا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولن صدع حان الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأراضون والسماوات وما فيها من أنواع المخلوقات. فسبحان من تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا. وخلاصة هذا المبحث: الإمام ابن قيم رحمه الله أراد أن يبين أن أصل المحبة وأصل حركة كل شيء في الكون هي من الله عز وجل، ويتحرك هذا الكون بمحبة الله سبحانه وتعالى. هذا غير الحركات الطبيعية والقسرية، فهي أصلها أيضًا محبة إرادية اختيارية، محبة الله جل وعلا. فأصل هذه الحركات الطبيعية وكذلك القسرية هي تابعة للمحبة الإرادية. قال: فإذا عرف ذلك، فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة. ولا صلاح للموجودات إلا بأن تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإيجاده وحده. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، ولم يقل سبحانه: لما وجدتا، ولكانتا معدومتين، ولا قال: لعدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكون على وجه الصلاح والاستقامة إلا بأن يكون الله وحده ومعبودهما. قال: ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، لأن هذا يحب شيئًا وذاك يحب شيئًا آخر، فهذا الإله يحب شيئًا وذاك الإله يحب شيئًا آخر، فتحصل بعد ذلك الفساد وتعطيل الأمور. قال: فإن كل إله يطلب مغالبة الآخر والعلو عليه وتفرده دونه بإلهيته، وهذا معنى قول العزيز جل وعلا: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال: ذي الشركة نقص في كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلهًا ناقصًا. فإن قهر أحدهم الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله، لأن الإله لا يقهر. وإن لم يقهر أحدهم الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه. فالإله هو ما تعلقت به القلوب تعبدًا وتعظيمًا وإجلالًا، فإذا كان ناقصًا فهذا عيب. قال: فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما حاكم عليهما، وإلا ذهب كل منهما بما خلق وطلب كل منهما العلو على الآخر، وفي ذلك فساد أمر السماوات والأرض ومن فيهما. حتى المخلوقات ستفسد، هذا يريد وجهًا كذا وهذا يريد وجهًا كذا، فهذا سيكون فيه الاختلاف. لكن هذا كله يدل على أن الله عز وجل إله واحد متفرد بألوهيته جل وعلا وربوبيته وبأسمائه وصفاته. كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملكان متكافئان، عن النبي عليه الصلاة والسلام: حتى في الأمراء الذين يكونون في بلدة واحدة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن بايعتم لرجل ثم جاء آخر فاقتلوا الآخر». قال: وفساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء، ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام فيه. قال: الآن هؤلاء أهل التصوف الذين يقولون بأن هناك أغواثًا أربعة يصرفون الأمر، فهؤلاء كذبوا، لو كان هناك أغواث أربعة لاختلفوا فيما بينهم غالبًا. وكذلك أيضًا مثل هذا الهراء الذي يقولونه كله باطل. الله عز وجل هو الذي يدبر الأمر وحده لا شريك له، وإنما الملائكة تمتثل أمر الله جل وعلا، وليس هم الذين يدبرون. بل حتى كفار قريش لما قال الله عز وجل لهم: ﴿وَمَنْ يَدْبُرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، هم يعلمون أن الذي يدبر الأمر هو الله جل وعلا، ليس هناك معه أحد، لا كما تعتقد غلاة الصوفية أن هناك قطبًا وأغواثًا وأوتادًا يتصرفون في أمور الدنيا، وهذا باطل وأيضًا شرك بالله جل وعلا. قال: إلا في زمن تعدد ملوك من المسلمين، اختلافهم وفراد كل واحد منهم ببلاد وطلب بعضهم العلو على بعض، من قرأ في التاريخ يجد هذا عيانًا. تجد أن الملوك كل واحد -حتى ملوك من المسلمين- إذا نزعت منهم تقوى الله جل وعلا، فغالبًا يعتدي بعضهم على بعض لأجل العلو، وكل واحد يريد أن يتوسع في ملكه. قال: فصلاح السماوات والأرض، استقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام، من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأن كل معبود من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل إلا وجهه العلي. قال الله عز وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فلو كان هناك ولد وكان معه إله لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. قال: وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. وقال تعالى: �ِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. فقيل: المعنى لابتغوا السبيل إليه بالمغالبة والقهر كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، ويدل عليه في قوله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ يَوْمَ تَمْلِكُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَلَا يَزَالُونَ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، وهذا الذي تقرر قبل. قال شيخنا رضي الله عنه -لا يريد شيخ الإسلام ابن تيمية- ورضي الله عنه، هذه من باب الدعاء، فيجوز أن تقال لغير الصحابة. قال: الصحيح أن المعنى لابتغوا إليه سبيلًا بالتقرب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدًا له؟! قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، إذا كانوا هؤلاء قل: لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا. قال: أيها أولئك الذين تعبدونهم من دونه هم عبادي كما أنتم عبادي، وترجون رحمتي وتخافون عذابي. قال: ويدل على هذا وجوه، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. قال: ومنها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي، وترجون رحمتي وتخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم من دوني؟! وهذه كما قال ابن عباس: نزلت في الملائكة وعزير وأيضًا عيسى ابن مريم. وقال ابن مسعود -كما في البخاري-: إن هذه الآية نزلت في قوم من الجن، كان قوم من الإنس يعبدونهم، ثم أسلم الذين من الجن وبقي الإنس يعبدونهم من دون الله. قال: الثاني: أنه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلًا، بل قال: لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا، وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب، كقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: والثالث: أنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبوا وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قال: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، وهم إنما كانوا يقولون: إن آلهتهم تبتغي تقربًا إليه وتقربهم زلفة إليه -أن تقرب أصحابها ومن يعبدها- وهذا من الشفاعة الموهومة الشفاعة الشركية. قالوا: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدًا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟! وهذه حجة على المشركين، فعن كيف تتخذون هؤلاء الذين هم عبيد لله؟! عبدوا الله عز وجل واتركوهم لأنهم عبيد، كيف تعبدون عبيده وتتركون الخالق سبحانه وتعالى وتتركون إلههم؟! هذا معنى الكلام. نكتفي بذلك.