التعليق على الجواب الكافي 163

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 163، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم جنة الدنيا وعلاقتها بالآخرة

جنة الدنيا هي محبة الله والشوق إلى لقائه، وهي الطريق إلى جنة الآخرة. المؤمن المخلص يعيش عيشًا طيبًا ومطمئنًا بفضل هذه المحبة.

أثر الإقبال على الله في حياة المؤمن

الإقبال على الله يجعل الطاعة سهلة وممتعة للعبد، ويمنحه الطمأنينة واللذة. السلف الصالح كانوا يتأثرون بذكر الله ويعيشون في خشوع وتدبر.

مقارنة بين محبة الله ومحبة الدنيا

محبة الله تعقبها الراحة واللذة، بينما محبة الدنيا تعقبها الحسرات والعذاب. من يحب الله يعيش في نعيم، بينما يعاني العشاق الدنيويون من العذاب.

فضل محبة الله تعالى وأهميتها

محبة الله تعالى هي الأصل الذي ينبغي للمسلم التمسك به، ومن ضيع أمر الله يعوضه الله بمحبته ومعرفته. هذه المحبة هي أساس حياة المؤمن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن محبة الله عز وجل والشوق إلى لقائه والفرح به هي جنة الدنيا، وكذلك الرضا به وهي الحياة الطيبة التي ذكرها ربنا جل وعلى، لها للإيمان، وهو انشراح الصدر الذي ذكره الله عز وجل لأهل الإيمان كذلك، فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، وويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله. وأيضًا بيّن أن أولياء الله الذين آمنوا والذين يتقون هم الذين بشرهم الله عز وجل في الحياة الدنيا، لهم البشرى في الحياة الدنيا، وهذه البشرى في الحياة الدنيا هي العيش الطيب، الطمأنينة والراحة التي تكون في قلوبهم، مهما ضاقت عليهم السبل، ومهما أيضًا تكالبت عليهم الأعداء، ومهما كذلك أيضًا تكالبت عليهم هموم الدنيا، فإنه يعيش مطمئنًا مرتاحًا. قال رحمه الله: فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وسواء كان غنيًا أو فقيرًا، فهو لا يلتفت إلى هذه الدنيا، لكنه مخلص لله جل وعلا، كما قال الله عز وجل في نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، فصرف الله عز وجل عنه هذا السوء والفحشاء التي كانت معها تراوده امرأة العزيز. وهذا أيضًا من العيش الطيب والهنيء الذي يعيشه المؤمن، أن الله عز وجل يصرفه عن الشر، ويوفقه في الخير، ويجعل له لسان صدق في هذه الدنيا، وكذلك أيضًا يجعل له أعمال صدق وأقوال يوفقه الله عز وجل في أقواله وأعماله، كما جاء في حديث الأولياء، قال: فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وأشرحهم صدرًا، وأسرهم قلبًا، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة، هذه جنة الدنيا التي كما ذكرنا. قال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، كما ذكر عنه الإمام ابن القيم: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. فهذه الجنة العاجلة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر»، وهذا الحديث قد سبق، وأنه محتمل للتحسين لشواهده. قالوا: ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، وهذا متفق عليه. وأما اللفظ: «ما بين قبري ومنبري»، فالظاهر أنه لم يثبت، كما حقق ذلك العلامة الألباني رحمه الله في «تحذير الساجد». قالوا: ومن هذا قوله، قد سألوه عن وصاله في الصوم: «إني لست كهيئتكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني»، فهذه هي الجنة، أنه يطعم بمناجاته لربه جل وعلا، فهو إذا ناجى الله عز وجل نسى الطعام والشراب، وكأن الله عز وجل يطعمه ويسقيه. وكما سيذكر المؤلف رحمه الله قول بعض الشعراء: «لها حديث من ذكراتك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد، لها بوجهك نور تستضيء به، ومن حديثك في أعقابها حادي، إذا أشكت من كلال السير أو عدها روح اللقاء فتحيا عند ميعادي»، أنا تريد أن تلقى الحبيب، وهذا الشوق الذي في قلبي هذا السائر هو الذي يصبره على ضيق العيش، يصبره على عدم وجود الطعام والشراب، لكنه إذا لقي ما أراد فإنه ينسى الطعام والشراب، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لست كهيئتكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني»، وهذا من أعظم المنازل التي منّ بها الرب جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام، فهي منزلة خاصة عند الله جل وعلا. وقد يدركها أو يدرك بعضها بعض العباد، لكنها ليست كما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا أن هذا الطريق التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم هي الطريقة الصحيحة التي تجمع بين المحبة العظيمة، وكما قلنا: إنه ليس هناك أحد من هذه الأمة يحب الله عز وجل كمحبة نبيه عليه الصلاة والسلام له، بل إنه اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا خليلًا، وهذا من أعظم المحبة. فوق هذا إلا أنه يخشاه ويرجوه ويرغب إليه ويرهب، وهكذا، فهذا جمع بين الطرق التي توصل إلى الله. وأما كما قلنا: بعض الزهاد دخل في باب المحبة وجعل كل شيء في هذا الباب، وترك باب الخوف وترك باب الرجاء، حتى قال قائلهم: «نعبدك لا خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك»، وهذا جهل. قال: فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي، وأن ما يحصل له من ذلك أمر مختص به لا يشارك فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه وينوب منابه ويغني عنه، وهذا من شدة المحبة والتعظيم والإجلال لله، حتى يكون مناجاة ربه جل وعلا طعامًا وشرابًا. وهذا الذي قاله أكثر الشراح على أن هذا الطعام والشراب ليس طعامًا حسيًا أو شرابًا حسيًا، وإنما المراد به ما ينهل النبي عليه الصلاة والسلام من ربه من الحكمة، وأيضًا القرآن وغيرها من هذه الأمور العظيمة، قال: ويغني عنه، كما قيل: «لها حديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد، لها بوجهك نور تستضيء به، ومن حديثك في أعقابها حادي، إذا أشكت من كلال السير أو عدها روح اللقاء فتحيا عند ميعادي». وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج، كان تألمه بفقده أشد، وكلما كان عدمه أنفع له، كان تألمه بوجوده أشد، ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته، بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك، هذا كلام عظيم جدًا، وهذه الحقيقة عظيمة وجدها أهل العبادة والطاعة وأهل العلم وأهل العلم العاملون بعلمهم، الذين عرفوا هذه الحقيقة العظيمة. فلم يشغلهم عن الله عز وجل شاغل، ولم يلههم عن الطريق إليه عز وجل هذه الملاهي، بل جدوا واجتهدوا في مرضاة الله جل وعلا وما يقربهم إلى الله، فلهذا أنفع شيء على الإطلاق كما قال الإمام ابن القيم هو الإقبال على الله عز وجل والاشتغال بذكره، قال: وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته، بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك، فعدمه ألم شيء له وأشده عذابًا عليه. ولهذا إذا وجد العبد هذه المعاني في قلبه، وجد اللذة التي يجدها في طاعته لله جل وعلا، فتكون الطاعة عليه سهلة، أن تجد من السلف رحمه الله من كان يقوم الليل بركعة واحدة يقرأ القرآن كله، كما ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وكذلك منهم من يقرأ كثيرًا حتى يختم القرآن في ثلاث، ومنهم من يختم وهم أكثرهم في سبع، يختمون القرآن في صلاة الليل في سبع ليالي، ويحزبونه على ما جاء في بعض الأحاديث، وإن كان فيها شيء في الإسناد، لكن اتفق ذلك عن جماعة من الصحابة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر كما في البخاري: «اقرأه في سبع ولا تزد»، أي لا تزد على أنك تقرأه في أقل من سبع. فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر أن أفضل شيء أن يقرأه في سبع، لأنه لو قرأه في ثلاث فإنه لم يفقه، أن سيقرأ قراءة سريعة كالشعر، لكن الله عز وجل يلين هذا القرآن العظيم لمن تمسك به وأحبه، فيصير عليه سهلًا، فيقرأ القراءة الطويلة. ولهذا تجد من العلماء من يقرأ القرآن مرتين في اليوم، ومنهم من يقرأ أكثر من هذا، أن يقرأ أكثر من ختمة في يوم واحد، أنه الآن قد إذا قرأ الإنسان من الصباح إلى الليل قد يقرأ المصحف كله، وقد لا يقرأه، وإن كان مثلًا إذا على المعتاد إذا بدأ مثلًا من بعد الفجر وقرأ ينتهي منه قبل العصر. وإذا واصل في القراءة وكان حافظًا للقرآن فلا يفتر إلا لصلاة، ويقرأ في صلاته كذلك، ما وقف عند قراءة، فإنه سيقرأه إلى قرب العصر، وإذا أكمل أيضًا يريد ختمة أخرى يقرأ من بعد العصر إلى الليل. ولهذا تجد كما قلنا بعض الصحابة يقرأه في الليل فقط من بداية الليل إلى آخره، ومنهم من يقرأ نصف المصحف، ومنهم من يقرأ أقل من ذلك، خمسة أجزاء أو هكذا حتى يقرأه في أسبوع. وهذا كما قلنا أكثر الصحابة على هذه الطريقة، أنهم يقرؤون القرآن في سبع ليالي، ويجزئونه على أجزاء، أولًا اليوم الأول يقرأ ثلاثة سور الطويلة: البقرة وآل عمران والنساء، ثم يقرأ خمس سور بعدها إلى التوبة، ثم يقرأ سبع سور بعدها في اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع يقرأ تسع سور، وفي اليوم الخامس يقرأ إحدى عشرة سورة، وفي اليوم السادس يقرأ ثلاثة عشر سورة، وفي اليوم السابع يقرأ المفصل، يقرأ المفصل من قاف إلى الناس. فهذا كان ترتيب الصحابة رضي الله عنهم وتحزيب القرآن الذي كانوا يحزبونه، فلهذا فكانوا يلتدون بهذه العبادة، سواء كان بقراءة القرآن أو بالصلاة أو بغيرها من الطاعات. قال: وإنما تغيب الروح عن شهود هذا العذاب والألم لاشتغالها بغيره، أن ما يحس بهذا الألم ولا هذه الشدة، أنه حتى بعضهم كما جاء عن بحازم العرج أنه كان يقرأ في صلاة الليل قائمًا حتى أنه من كثرة قراءته إذا انتهى ما يستطيع أن يقوم، يحبو حبوًا من شدة القراءة. لكنه ما يجد ألمها في وقت القراءة، وإنما يجد ألمها إذا انتهى، إذا انتهى من الصلاة وجد هذا الألم. وهذه الراحة التي يجدها العبد في صلاته، قال: واستغراقها في القرآن، فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوات بفراق يحب شيء إليها وأنفعه لها، معنى إذا هذه الشدة التي تكون ما يجدها لماذا؟ لأنه مطلوبه شيء آخر، معنى هو الآن يسعى إلى مطلوبه ومحبوبه، فلهذا يهون عليه الشدة والألم. وهذا موجود حتى في الواقع، أنه موجود حتى في الواقع، وإن كان لا ينبغي أن يكون العبد مثلًا يعشق زوجته أو يعشق مثلًا امرأة، فيصير مثل هذا الأمر حتى أنه ينسى كل شيء، ينسى حتى طعامه وشرابه لأجل لقاء محبوبه، وهذا يحصل عند العشاق، لكن الذي في قلبه محبة الله عز وجل وتعظيمه، فإنه يكون أكثر لذة وطمأنينة، معنى ليست لذة ساعة التي يجدها العاشق أو لذة أيام ويتألم أكثر وقته. أنه تجد أنه يبكي عند الفراق ويبكي عند اللقاء، ويشتد عليه الكلام في كلمة يقولها محبوبه، وغيرها من هذا العذاب الذي يعيشه هؤلاء العشاق، معنى يعيشون حياة ضيقة، حياة ضنك، وحياة أيضًا فيها تعاسة وألم وشدة، لكن هذا المحبوب الذي يحب الله عز وجل، فإنه يعيش في نعيم، طمأنينة وراحة، مهما تكالبت عليه هموم الدنيا، فإنه لا يراها شيئًا أمام ما يطلبه ويسير إليه، وهو الشوق إلى الله جل وعلا. قال: وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره، الذي احترق داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات حوله، حتى إذا صحى وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر، فهو أعلم بحاله حينئذ. ولهذا ربنا جل وعلا سمى ما كان يفعله قوم لوط من العشق بالذكور وكذلك الفاحشة سماه سكرًا: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، أن هذا المطلوب الذي هم يريدونه هذا جعلهم مثل السكران، ما يحسون بما عندهم، ولا يحسون بألم ذلك الشيء، لأجل أنهم يريدون مطلوبهم. لكن كما قلنا: هذا المطلوب إنما هو ساعة يجدها الشخص لذة، لكن تعقبها حسرات، تعقبها أيضًا عذاب، ويعقبها أيضًا كذلك شدة، لكن محبة الله عز وجل ما تعقبها إلا الراحة والاطمئنان واللذة والخير الذي يجده في سعة قلبه، وكذلك طمأنينة قلبه. قال: وهكذا الحال سواء كان عند كشف الغطاء ومعاينة الطلائع الآخرة، والإشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها إلى الله. بل الألم والحسرة والعذاب هنا أشد بأضعاف مضاعفة، فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته في الدنيا بالعوض، ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له، فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل منه، ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعًا؟ فهذا الذي لم يجد هذه اللذة، وليس عنده شوق إلى لقاء الله عز وجل، فإنه يعيش بعد ذلك في الحسرات وفي الألم وفي العذاب، أنه ترك هذه اللذة التي وجدها أهل الإيمان. قال: ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعًا، فلو قضى الله سبحانه عليه بالموت من هذه الحسرات والألم لكان العبد جديرًا به، فإن الموت ليعود أعظم أمنيته وأكبر حسراته، هذا لو كان الألم على مجرد الفوات، فكيف بمن يكون العذاب على الروح والبدن أمور أخرى وجودية بما لا يقدر قدره؟ فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين الذين لا تحملهما الجبال الرواسي، لكنهما بينهما فرق وبون شاسع. فالذي ترك هذه اللذة العظيمة وانغمس في الدنيا، فإنه تعقبه الحسرات العظيمة والألم والعذاب. وأما من لم يلتفت إلى هذه الدنيا والتفت إلى ربه جل وعلا، فكلاهما يجد العلم، وكلاهما يجد المشقة، لكن الآخر والثاني يجد ويعقب ذلك بعد ذلك النعيم العظيم، وكذلك اللذة أو ما تشتهيه الأنفس، كما ذكر الله عز وجل، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قرة أعين، أي ما تقر به العين، وما تستقر به العين عليه، أي الراحة والطمأنينة. قال: فأعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا، كأنه الإمام ابن القيم الآن يكلم القارئ لهذا الكلام، يقول: أعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا، من الذي تحبه في هذه الحياة بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه؟ فأصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه، انظر الآن، أنت يريد الإمام ابن القيم أن يتفكر العبد إذا كان له محبوب يرى أن هذا المحبوب هو أعظم محبوبًا له في الدنيا. يفكر أنه لو فارقه، ومعنى حيل بينه وبينه إما بالموت أو بغيره، وأيضًا كذلك أحوج ما كنت إليه، كيف يكون حالك؟ أنت الآن مثلًا أحوج ما تكون إليه مثلًا لمواقف الدنيا، تحب أن يكون معك ابنك أو مثلًا أخاك أو غيرهم من أولاد الذين تحبهم وتحب مقامهم معك، فانظر كيف حالك يكون؟ أن ستتحسر وتتألم. قال: وهذا ومنه كل عوض، فكيف بمن لا عوض عنه سبحانه جل وعلا؟ هذا المحبوب الذي يكون في الدنيا ويكون له عوض، ممكن أنك تجد آخر غيره، إن كانت زوجة تجد غيرها، معنى إن ماتت هذه الزوجة، وإن كان أخًا أيضًا تجد غيره، وإن كان صديقًا أيضًا تجد غيره، فهناك عوض لهؤلاء، لكن الذي لا تجد له عوضًا فكيف يكون حالك؟ وهو رب جل وعلا. فقال: فكيف بمن لا عوض عنه؟ كما قيل: «من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض»، يعني ما ستعوض إذا ضيعت الله عز وجل، فلهذا يجب عليك أن تتأمل هذا الأمر، المسلم وطالب العلم أحوج، لأنه يضع نفسه عند الله عز وجل، ويتقرّب ويقبل على الله بكليته وبقلبه، حتى لا يضيع هذا الرب العظيم، وهو أحوج إليه. في وقت يكون الناس فيه في مقام وفي مستقر لا موت بعد ذلك، وهو يوم القيامة. قالوا: في أثر إلهي: «ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم طلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء»، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، قالوا: «إن فتك فاتك كل شيء»، إذا فاتك الله عز وجل فقد فاتك كل الخير وكل ما تحب أن يكون لك. قال: «وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»، وهذا أثر إلهي، معنى يذكره بعض السلف، إما أنه يأخذونه من كتب أخرى أو أنهم يأتون بمعنى ما يكون يوم القيامة، أو بمعنى الأحاديث، وهذا الكلام كلام صحيح قد دلت عليه الأدلة، فمن كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض، فنسأل الله عز وجل أن يعوضنا بمحبته وبمعرفته وبالشوق إليه سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين.