الدرس في التعليق على الجواب الكافي 161، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام البلقيني أهمية كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وأثرها على الأعمال، ويبين أنها أساس الملة والدين وتتطلب الولاء لله والبراء من الشرك والمشركين. كما يوضح أنها العاصمة للدم والمال والذرية والمفتاح لدخول الجنة.
يشرح المقطع معنى كلمة التوحيد وكيف أن تحقيقها يتطلب تعظيم الله بجميع الطاعات، ويبين أن العبادة الصحيحة تجمع بين المحبة والخوف والرجاء مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما يتحدث عن تحقيق شهادة التوحيد ومقتضياتها مثل التوكل والإنابة.
يتحدث عن أهمية أن تكون المحبة لله وحده وأن لا يخاف أو يرجى سواه، وأن تكون العبادة كلها لله وحده. كما يبين أن من عاش على تحقيق كلمة التوحيد فروحه في جنة المأوى وعيشه أطيب عيش، ومن مات عليها فهو في الجنة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام البلقيني رحمه الله بكتابه «الجواب الكافي» بمسألة عن الدواء الشافي، في كلامه على المحبة، وأن أصل الأعمال أو أصل كل عمل من حق وباطل هو المحبة، كما أن أصل الأقوال وكمالها بالصدق. فذكر أن هذه المحبة هي المحرك للأعمال، فلهذا قال: أصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم بيّن أن أعظم هذه المحبة التي لله عز وجل لا تصح إلا بالموالاة والمعاداة، فلا بد من الموالاة لأهل الإيمان والمعاداة والبغض لمن عادى الله. قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ﴿قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغض أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. لا بد من الولاء والبراء، الولاء لأهل الإيمان والبراء من المشركين ومن شركهم، فالبراء من كل معبود سواه جل وعلا. ولهذا جاءت كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» التي قال الله عز وجل في إبراهيم ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾، أي جعل هذه الموالاة لله والبراء من كل معبود سواه جعلها في عقبه، وهذا هو التوحيد لله جل وعلا. ثم قال رحمه الله في كلمة التوحيد: «وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد». هذه الكلمة هي التي قامت بها الأرض والسماوات، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وأيضا نصب الله عز وجل الجبال وأسس هذه الملة، وأساسها هو هذه الكلمة العظيمة. وجردت سيوف الجهاد، أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا «لا إله إلا الله»، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام. قال: «وهي محض حق الله على جميع العباد»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «يا معاذ، أتدري ما حق الله عز وجل على العباد وحق العباد على الله؟» قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». هذا حق الله، وهو أن يعبده العبد لا يشرك به شيئا، وهو معنى هذه الكلمة «لا إله إلا الله». لا بد فيها من الولاء والبراء. قال: «وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار»، عصم دمه وماله، أي من قال هذه الكلمة وكفر بما يعبد من دون الله. قالوا: «المنجي من عذاب القبر وعذاب النار»، من كان آخر كلامه «لا إله إلا الله» دخل الجنة. قال: «وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه»، هو التوحيد. وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد. قالوا: «مقبول وطريد»، وبها انفصل دار الكفر من دار الإيمان، وتميز دار النعيم من دار الشقاء والهوان. وهي العمود الحامل للفرض والسنة. ومن كان آخر كلامه «لا إله إلا الله» دخل الجنة. وهذا الحديث صحيح، أخرجه الإمام أبو داود والنسائي وأحمد بن ماجة، كلهم خرجوه من طريق أبي عاصم والضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. وجاء أيضا عند ابن ماجة من طريق جابر بن سمرة عن معاذ، فالحديث صحيح. وقد جاء في ترجمة الإمام أبو زرعة، لما حضره الموت جلس عنده بعض المحدثين، فقالوا: نذكره «لا إله إلا الله». فهابوا أن يقولوا له «لا إله إلا الله»، لأنه إمام وعمره كله هو في الحديث والعلم. فقالوا: نتذاكر حديث معاذ، فأسند أبو حاتم الحديث، فقال: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وقضى معناها، قضى ومات رحمه الله. قال: «وروح هذه الكلمة وسرها إفراد الرب جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعال جده ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك». أن هذا هو أصل هذه الكلمة وسرها، أن كيف تتحقق هذه الكلمة بأن يعظم الرب جل وعلا بجميع الطاعات، لا يأخذ بعض الطاعات ويترك بعضها. مثل ما حصل من بعضهم للتصوف، فإنهم غلوا في محبة الله حتى أخرجتهم إلى أنهم يقولوا: «أننا لا نعبدك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك». وهذا جهل. بل من لم يعبد الله عز وجل خوفا من ناره ورجاء ثوابه، فإنه إيمانه مخدوش. ولهذا كان السلف يقولون: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ». وأهل التوحيد يعبدون الله عز وجل بالمحبة والخوف والرجاء. ولهذا قال الله عز وجل في وصف الخلق رسل الله جل وعلا: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. وقال أيضا: ﴿يرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. ﴿إن الذين تدعون من دون الله﴾، ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. فأولياء الله عز وجل هم الذين عبدوا الله عز وجل كعبادة الأنبياء. وأما من غلا بجهل في المحبة والإجلال والتعظيم لله ونسي الخوف والرجاء، إنه عبادته غير صحيحة. بل كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق عبادة لله، وأكثر الخلق مناجاة لله وتعظيما لله عليه الصلاة والسلام. وأكثر الخلق أيضا محبة وإجلالا وتعظيما لله جل وعلا. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له». فما دام أن النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الخشية وهي الخوف، دل على أن العبادة لا تكون إلا بها. قالوا: «توابع ذلك من التوكل، الإنابة، والرغبة، والرهبة، فلا يحب سواه». وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبة الله. وهذا كما تقدم وسيأتي أنه من حلاوة الإيمان، ومن أيضا قوة الإيمان إيمان العبد أنه لا يحب إلا لله. لا يحب أحدا لأجل مثلا ثيابه أو لأجل كلامه أو لأجل شيء من أمور الدنيا. أنه يعطيه مثلا مالا، لا يحب لأجل هذه الأمور، وإنما يحب لله. إذا رأى أن هذا شخص من أهل الإسلام وأيضا من أهل العبادة أو طالب علم أو غيره أحبه لله، ليس له غرض في المحبة إلا لله عز وجل. وأما الذي يكون له أغراض في المحبة فإنه ينقص أجره وتعظيمه لله بقدر غرضه الذي لأجله أحب فلانا. قالوا: «كونه وسيلة إلى زيادة محبته ليزداد إيمانا مع إيمانه، ولا يخاف السواه». أن لا يخاف إلا الله عز وجل، ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحتسب إلا به. أن لا يكتفي إلا بالله عز وجل، ولا يستغاث في الشدائد إلا به، ولا يلتجئ إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه. ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو أن لا يعبد بجميع أنواع العبادة إلا الله سبحانه وتعالى. فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أي أن يصرف العبادات كلها لله وحده لا شريك له. ولهذا حرم على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرم على النار». محالا يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، أي من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. كما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تبويبه في كتاب التوحيد، قال: «وقال تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾، فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه وفي قلبه وقالب». فإن الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون متجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب. وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن، معناها أن شهادة التوحيد تختلف من شخص إلى آخر. قال: «وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن، وروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن». وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لا أعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا». وهذا الحديث الصحيح أخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم. وفيه قصة حصلت بين طلحة وعمر، وذكر طلحة هذا الحديث لعمر: «إني لا أعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا». قال عمر: «لا تدري ما هذه الكلمة؟» قال: «لا». قال: «هي كلمة التوحيد التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام لعمه قبل أن يموت». فحياة هذه الروح بهذه الكلمة فيها كما أن حياة البدن بوجود الروح فيه. وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشه أطيب عيش إن شاء الله.