التعليق على كتاب التوحيد 15

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير التوحيد ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله

يشرح المقطع مناسبة باب تفسير التوحيد، مبينًا أن التوحيد يرادف شهادة أن لا إله إلا الله، ويستدل بآية سورة الإسراء لتوضيح أن الملائكة والأنبياء والصالحين الذين يُدعون من دون الله هم أنفسهم يتقربون إليه ويخافون عذابه، فيستحيل أن ينفعوا أو يضروا من يدعوهم. ويخلص إلى أن التوحيد الحق هو إفراد الله بالعبادة ونفي الألوهية عن سواه.

تفسير آيات التبرؤ من الشرك واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً

يفسر المقطع دعاء إبراهيم عليه السلام بتبرئه من عبادة الأصنام وإفراده الله بالعبادة لكونه الخالق، مبيناً دلالة لفظ (فطرني) على علة استحقاق الله للعبادة وبطلان عبادة من لا يخلق. ثم يوضح آية اتخاذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، موضحاً أن الربوبية هنا بمعنى التشريع والطاعة، وأن تحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال وطاعة الناس لهم هو عين العبادة المحرمة.

إخلاص المحبة والطاعة لله وحده في تفسير التوحيد

يبين المقطع أن التوحيد الحق يقتضي إفراد الله بالتشريع والطاعة والمحبة العبادية، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. ويوضح أن المشركين يحبون الأنداد كحب الله أو مكان حبه، بينما المؤمنون أشد حباً لله لأن محبتهم خالصة غير مشوبة بالشرك، محذراً من محبة الأولياء والصالحين محبة عبادة كما يفعل أهل القبور.

ختم الدرس والإشارة للدرس القادم

أعلن المحاضر الانتهاء من شرح الآيات الأربع، وبين أن الدرس القادم سيتناول الحديث النبوي والفوائد المستنبطة من هذا الباب. مختتماً بقوله والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله". أولًا: مناسبة هذا الباب للأبواب التي قبله: أن ما سبق من الكلام على التوحيد وفضله والدعوة إليه، فكأن النفس تتشوق إلى معرفة هذا التوحيد: ما هو؟ هذا التوحيد الذي ذكر فضله، وذكر معناه، أو ذكر وجوب العمل به. ما هو هذا التوحيد؟ فناسب أن يذكر هذا الباب: "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله". ومعنى "تفسير التوحيد": التفسير معناه الكشف والإيضاح، ومنه تفسير القرآن؛ تفسير القرآن معناه إيضاح وبيان معنى آيات الله عز وجل. فإذن قوله: "باب تفسير التوحيد" يعني: باب بيان وتوضيح معنى التوحيد. وأما قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله"، فـ "الواو" هنا عاطفة، و"شهادة" معطوف على "التوحيد"، معطوف على التوحيد، والعطف هنا من باب عطف المترادفين؛ لأن التوحيد يرادف شهادة أن لا إله إلا الله، فشهادة أن لا إله إلا الله هي بمعنى التوحيد، هي بمعنى التوحيد. فإذن العطف هاهنا من باب عطف المترادفين، فشهادة أن لا إله إلا الله ترادف معنى التوحيد. ثم ذكر عدة آيات تفسر معنى التوحيد، فقال: وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. أولًا: نأخذ معنى الآية. قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، الإشارة هنا إلى العابدين الصالحين الخاضعين لله سبحانه وتعالى، الذين يفتتن بهم بعض الناس، فجعلوهم آلهة من دون الله، يدعونهم ويتوجهون إليهم. فهؤلاء كالمثلًا الملائكة والأنبياء والصالحين، وغير ذلك من عباد الله المؤمنين. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني: الذين يدعونهم من دون الله سبحانه وتعالى. ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، ومعنى "يبتغون": يرجون ويطلبون. هؤلاء الصالحون، هؤلاء المؤمنون الذين تدعونهم من دون الله، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني: يطلبون إلى ربهم الوسيلة. والوسيلة هنا بمعنى القربة من الله عز وجل، القربة من الله سبحانه وتعالى. أنتم تتقربون إليهم، وهم في الحقيقة يتخذون كل وسيلة تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فأنتم ترجونهم وأنتم تخافونهم، وهم يخافون الله سبحانه وتعالى، ويدعون الله سبحانه وتعالى، ويتقربون إلى الله عز وجل. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، يعني: يخافون عذاب الله، لأن عذاب الله يحذره كل عاقل، وذلك بتحقيق التوحيد والانقياد لأوامر الله سبحانه وتعالى. نعم، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ يعني: هؤلاء الصالحون، أيهم أقرب؟ يتخذون كل وسيلة تقربهم إلى الله، ومع هذا يرجون أن يكون كل واحد منهم أقرب إلى الله عز وجل، أقرب إلى الله سبحانه وتعالى. فأيهم يعني: هؤلاء الذين يدعون من دون الله سبحانه وتعالى. ومعنى الآية: أن الذين يدعونهم هؤلاء هم أنفسهم، هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب. فكيف تدعونهم من دون الله؟ كيف تدعونهم من دون الله؟ ألا اتخذتم السبيل والطريق الذي اتخذه هؤلاء الذين تعبدونهم؟ فكما أنهم يعبدون الله وحده، فالواجب عليكم أن تعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا. واضح هذا الآن؟ فإذا معنى الآية: هؤلاء أنتم تدعونهم، وهم يتقربون إلى الله. فكيف أنتم تدعونهم، وهم محتاجون مفتقرون إلى الله، وهم محتاجون مفتقرون إلى الله؟ فكيف ينفعونكم، وكيف كذلك يضرونكم؟ أو كذلك يعني: تطلبون منهم ما يطلبونه من الله سبحانه وتعالى. فهذا هو السفه، هذا في الحقيقة هو سفه من هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله سبحانه وتعالى. وما وجه الشاهد من هذه الآية في تفسير معنى التوحيد؟ وجه الشاهد من هذه الآية في معنى تفسير التوحيد: أن التوحيد هو العلم والاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى هو المتصف بصفات الكمال والجلال سبحانه وتعالى، وبأن يخلص له وحده في العبادة. ويرجع هذا إلى أمرين اثنين: الأمر الأول: نفي الألوهية كلها عن غير الله. نفي الألوهية كلها عن غير الله. فإذن التوحيد هو تحقيق العبادة لله عز وجل وحده. من أين أخذنا هذا؟ من هذه الآية. أخذنا هذا: أن هؤلاء الذين يدعون غير الله، الذين يدعون غير الله، لم يفهموا معنى التوحيد؛ إذ لو فهموا معنى التوحيد لما دعوا هؤلاء الذين يدعون الله ويبتغون إليه الوسيلة ويعبدونه وحده. فهمتم هذا الآن؟ فإذن من معنى التوحيد: ألا يدعى مع الله غيره. ألا يدعى مع الله غيره. فقد أنكر الله عز وجل على هؤلاء الذين يدعون هؤلاء الذين يبتغون إلى ربهم الوسيلة. فهمتم الآن وجه الشاهد من هذا؟ هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية، من هذه الآية. وهذه الآية في الحقيقة خاصة بالذين يدعون من يعبد الله، كالمَلَكَة والأنبياء والصالحين، وصالحي الجن، وصالحي الجن. ثم ذكر الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومعنى الآية: يخبر الله عز وجل عن نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام أنه دعا قومه، بل وقبل ذلك دعا أباه إلى التوحيد. فلما أبوا وأصروا على الشرك بالله عز وجل، تبرى إبراهيم منهم جميعًا، تبرى إبراهيم منهم جميعًا، فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام والأنداد، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. ومعنى ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: يعني: إلا الذي خلقني. الفطر هنا بمعنى الخلق. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: إلى طريق الحق، طريق التوحيد. ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: يعني هذه الدعوة إلى التوحيد جعلها كلمة مستمرة، ودعا إلى هذه الكلمة بنيه، ورباهم عليها، رباهم عليها. فهذا هو المعنى الإجمالي لهذه الآية. فقوله: ﴿بَرَاءٌ﴾ هنا من التبرؤ. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ يعني: بريء، أي متخلٍّ، رائية التخلي عما تعبدون، عما تعبدون، ولا أعبد إلا الذي فطرني. قال العلماء: قوله ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، ولم يقل: "إلا الله"، في ذلك فائدتان. لماذا لم يقل: "إلا الله فإنه سيهدين"؟ وإنما قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؟ قال العلماء: في ذلك فائدتان: الفائدة الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة. يعني: لماذا يجب على كل مخلوق أن يعبد الله؟ ما هي العلة؟ ما هي العلة؟ العلة: كما أنه منفرد بالخلق، فيجب أن يكون منفردًا بالعبادة. فالمعنى: كما أنه خلقني فهو المستحق للعبادة. فهل هذه الأصنام التي تعبدون تخلق؟ هي التي خلقتكم؟ هي التي أوجدتكم؟ وهذا نظير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾. فإذن الذي خلق هو الذي يستحق العبادة. فكيف أنتم تعبدون هذه الأصنام وهي لم تخلق؟ هذه فائدة. والفائدة الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام. الإشارة الثانية، الإشارة أو الفائدة الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام لأنها لم تفطركم، يعني: لم تخلقكم، حتى تعبدوها، حتى تعبدوها. فدل ذلك على بطلان عبادة الأصنام. فلذلك أتى بهذا اللفظ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. فالذي يخلق هو الذي يستحق العبادة، وأنتم تعبدون الأصنام، فهذه الأصنام لم تخلق، فدل ذلك على بطلان عبادتها. وهذا من بلاغة القرآن. طيب، ما هو وجه الشاهد من إراد هذه الآية في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؟ وجه الشاهد من هذه الآية: أن من تمام تفسير وتحقيق التوحيد البراءة من عبادة غير الله، البراءة من عبادة غير الله. فمن قال: "أنا موحد"، ولكنه لم يتبرأ من عبادة غير الله، فلم يؤدِّ التوحيد، ولم يفهم معنى "لا إله إلا الله". عرفتم هذا الآن؟ هذا هو وجه الشاهد من إراد هذه الآية. فلابد للموحد من التبرؤ من عبادة غير الله، كما قال إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾. هذا هو معنى الآية. قال: وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ومعنى الآية: أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم، والأحبار: هو جمع حبر، ويجوز أن يقول: حبر. والحبر: هو العالم الذي عنده علم. ولذلك ابن عباس يقال له: حبر هذه الأمة، لما أوتي من العلم الكثير. فمعنى "اتخذوا أحبارهم": يعني علماءهم. ورهبانهم: المراد بالرهبان وهو جمع راهب، العباد الذين تفرغوا للعبادة، فاعتزلوا الناس في كنائسهم. فمعنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾، ومعنى "أربابًا": يعني مشرعين لهم. الرب هنا بمعنى المشرع، وبمعنى كذلك المطاع في تشريعه، المطاع في تشريعه. فمعنى ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾: يعني يحللون لهم الحرام فيطيعونهم، ويحلون لهم الحرام فيطيعونهم، يحرمون عليهم الحلال فيطيعونهم، ويحرمون عليهم الحرام فيطيعونهم. وهذا جاء فيه حديث عدي بن حاتم، لما سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ هذه الآية، وكان من اليهود، فقال: يا رسول الله، ما عبدناهم! كيف الله عز وجل يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾؟ قال: ما عبدناهم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمُ الْحَرَامَ فَأَطَعْتُمُوهُمْ وَيُحَرِّمُوا عَلَيْكُمُ الْحَلَالَ فَأَطَعْتُمُوهُمْ﴾؟ قال: بلى. فقال عليه الصلاة والسلام: «تلك عبادتكم إياهم». تلك عبادتكم إياهم. وهو ما يسمى بعبادة الطاعة، ما يسمى بعبادة الطاعة، بعبادة الطاعة. فمعنى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾: المسيح هنا معطوف على الأحبار والرهبان؛ لأنهم اتخذوه إلهًا من دون الله، اتخذوه والنصارى إلهًا من دون الله. فهم قالوا: إنه ثالث ثلاثة، وقالوا غير ذلك. فأنكر الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾، أي: ما أُمِر هؤلاء إلا بتحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى وحده، فهو الإله الحق، ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في عبادته وفي طاعته. هذا هو المعنى الإجمالي لهذه الآية. وما وجه الشاهد من هذه الآية؟ وجه الشاهد: أن من تفسير التوحيد أنه يستلزم أن تكون طاعتك لله سبحانه وتعالى، أن تكون طاعتك لله سبحانه وتعالى. فهو الرب الذي يعلم ما يصلح العباد، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فهو الذي يشرع الأحكام لعباده، وهو الذي يطاع. فمن تفسير التوحيد: أن التحليل والتحريم حق لله سبحانه وتعالى. فمن أطاع عالمًا أو عابدًا أو نبيًا أو عبدًا صالحًا في تحليل ما حرم الله، أو في تحليل ما حرم الله، فقد اتخذ مع الله عز وجل آلهة أخرى، وهو ما يسمى بعبادة الطاعة، ما يسمى بعبادة الطاعة. وهذا من تفسير التوحيد، وهذا من تفسير التوحيد. قال: وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ من هنا تسمى تبعيضية، يعني: أن بعض الناس ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾، والند: هو الشبيه والمثيل. يعني: من يتخذ شبيهًا ومثيلًا لله عز وجل في المحبة. والمحبة عبادة قلبية، المحبة عبادة قلبية: محبة الطاعة، ومحبة العبادة، ومحبة كذلك الإله الحق سبحانه وتعالى. فهذه عبادة جليلة، عبادة قلبية. فمن الناس من يتخذ من دون الله، يعني: مع الله، ﴿أَندَادًا﴾، يعني: مثيلًا وشبيهًا، مثيلًا وشبيهًا، ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، يعني: يحبون هذه الأنداد كحب الله. وجاء في معنى قوله ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ تفسيران: التفسير الأول: يحبونهم كحب الله، أي: مساويًا لحب الله. فهم يحبون الله، ويحبون هذه الأنداد، حبًا مساويًا لحبهم لله عز وجل. وهذا الآن، هذا التفسير الأول: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، يعني: يحبون الله ويحبون هذه الأنداد حبًا مساويًا لحبهم لله عز وجل. هذا تفسير. والتفسير الثاني: يحبونهم كحب الله، أي: يحبون هذه الأنداد وهذه الأصنام كحبهم لله، وهم لا يحبون الله. واضح؟ هم لا يحبون الله، إنما يحبون هذه الأنداد أو هذه الأصنام، ومحبتهم لهذه الأصنام كحبهم لله، وهم لا يحبون الله. ولكن كحبهم لله عز وجل، يحبونهم كحب الله، يعني: كالحب الذي يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى، وهو حب الذل، وحب كذلك الخشوع والخضوع، وإلى غير ذلك. فهذان تفسيران لمعنى هذه الآية ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، التفسيرين: التفسير الأول: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، يعني: أنهم يحبون الله ويحبون هذه الأصنام حبًا مساويًا لحبهم لله. هم يحبون الله، لكن أشركوا في هذه المحبة، فجعلوا محبة للأصنام تساوي محبتهم لله عز وجل. هذا التفسير الأول. التفسير الثاني: هم ما يحبون الله، تمام، ما يحبون الله، ما في محبة لله، إنما يحبون هذه الأصنام، ومحبتهم لهذه الأصنام كالمحبة التي يجب أن يحبون بها الله. عرفت؟ يعني: يحبون هذه الأصنام كالمحبة التي يجب أن يحبون بها الله، ما يحبون بها هذه الأصنام. عرفتم هذا الآن؟ وأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، أيضًا جاء فيها تفسيران، على ما قيل في التفسيرين الأوليين. فإن كان المراد أنهم يحبونهم كحب الله، يعني: حبًا مساويًا لحب الله، فالمعنى: أن المؤمنين أشد حبًا لله؛ لأنهم ما أحبوا إلا الله وحده، فما أحبوا غيره. فحبهم خالص، حب أهل الإيمان حب ماذا؟ خالص، ما نازعه شيء. فالمؤمنون لشك أنهم أشد حبًا لله، لأن حبهم لله عز وجل وحده، لأن حبهم لله عز وجل وحده، فحبهم خالص. أما المشركون، فحبهم ماذا؟ مشترك، حبهم مشترك، فهو يعني: حب فيه من الشرك، فيه من الشرك. وأما حب المؤمنين، ففيه من التوحيد؛ لأنهم أفردوا الله عز وجل في المحبة، لأنهم أفردوا الله عز وجل في المحبة. هذا التفسير على التفسير الأول. وعلى التفسير الثاني: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، يعني: أن المؤمنين أشد حبًا لله من حب المشركين لأصنامهم، من حب المشركين لأصنامهم. فالمشركون وإن أحبوا أصنامهم، طيب، محبة مفردة، إلا أن أهل الإيمان أشد حبًا لله من حب المشركين لأصنامهم. عرفتم الآن الفرق؟ فإذن هذا خلاصة ما جاء في تفسير هذه الآية، في تفسير هذه الآية. ومعنى أو وجه الشاهد من هذه الآية في تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن من معاني التفسير، أن من معاني تفسير التوحيد إخلاص المحبة لله سبحانه وتعالى وحده، إفراد المحبة لله سبحانه وتعالى وحده. فلا يجوز للمسلم الموحد أن يحب أحدًا حب عبادة من دون الله سبحانه وتعالى، فلا يخضع إلا لله، ولا كذلك يذل إلا لله سبحانه وتعالى. وهذا من تمام وكمال المحبة. فليس التوحيد أن تحب الله وتحب غيره، كما هو حال عباد القبور؛ فإنهم يحبون آلهتهم التي يعبدونها من الأولياء والصالحين، من زحمهم وغير ذلك، كما حبتهم لله أو أشد. فتجدهم يخشعون عندهم، ويذلون عندهم، وهكذا يسجدون ويركعون عندهم. واضح هذا الآن؟ وهذا كله دليل المحبة، دليل المحبة والخوف من هذه الآلهة. أما المؤمن، فلا يركع إلا لله، ولا يسجد إلا لله، ولا يخشع إلا لله، ولا يذل إلا لله سبحانه وتعالى. هذا هو وجه الشاهد من إراد هذه الآية في هذا الباب. فانتهينا من هذه الآيات الأربع، وإن شاء الله في الدرس القادم نأخذ الحديث والفوائد المستنبطة من هذا الباب، إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.