الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبيّن المقطع النهي عن الصلاة في مسجد ضرار لكونه بُني على المعصية، ويوضح أن الطاعة تجعل البقاع محبوبة والمعصية تجعلها مكروهة، كما يحدد ضوابط استفصال المفتي عند وجود إشكال في السؤال.
يجوز نذر الذبح في بقعة معينة إذا خلت من وثن جاهلي أو عيد مشرك، ويمنع النذر فيها حتى بعد زوال المانع سداً للذريعة، مستنداً إلى قول النبي ﷺ: «أوفِ بنذرك» مع الاستفسار عن وجود وثن أو عيد سابق.
تجوز الصلاة في الأماكن التي كان أهل الجاهلية يذبحون فيها لغير الله بشرط ألا تكون صلاة لهم، بينما يحرم الوفاء بالنذر في تلك البقاع لكونه نذر معصية، ويحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم.
النذر في شيء لا يملكه الإنسان غير جائز شرعاً وقدراً لأن الإنسان لا يتصرف فيما ليس له، لذا لا يصح التصدق بمكتبه بناءً على نذر في غير ملكه.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال المؤلف الشيخ محمد المجدد، الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: فيه مسائل. المسألة الأولى: تفسير قوله: "لا تقوم فيه أبداً". وقد تقدم معنا أن المراد بهذا: مسجد ضرار، مسجد ضرار الذي بناه المنافقون. نهى ربنا عز وجل نبيه أن يقوم في هذا المسجد؛ لأنه أقيم على المعصية، أقيم على التفريق بين المسلمين، أقيم على إرصاد لمن حارب الله ورسوله، وغير ذلك. المسألة الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. هذا يؤخذ من قوله: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟". فلو كان فيها وثن، هذه معصية، فكانت هذه المعصية سبباً في عدم عبادة الله عز وجل في هذا الموضع. فالمعصية تؤثر على الأرض، تؤثر في الأرض. واضح؟ ما هو السبب الذي يمنع من الذبح في هذا المكان؟ لو كان فيه وثن؛ لأنه عُصي الله فيه. واضح: عُصي الله فيه، فالمعصية تؤثر في الأرض. وكذلك الطاعة تؤثر في الأرض، فتكون هذه الأرض من أفضل البقاع، كما قال عليه الصلاة والسلام في شأن المساجد: «أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها». قال العلماء: لأن المساجد موضع الطاعات من الصلوات، من قراءة القرآن، من ذكر الله، من العلم النافع، إلى غير ذلك. ولأن الأسواق الغالب يكون فيها الشر من الكذب، من الخيانة، من الغفلة، إلى غير ذلك. فإذا ما الذي جعل أحب البقاع المساجد وأبغض البقاع الأسواق؟ الطاعة والمعصية. فإذا الطاعة والمعصية تؤثر على الأرض، تؤثر على الأرض. هذا هو المراد. فلما انتفى كون هذا المكان فيه وثن من أوثان الجاهلية، أو فيه عيد من أعيادهم، جاز أن يؤدي هذه العبادة في هذه الأرض، وهو الذبح، وهو الذبح. المسألة الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال. والمراد بالمسألة المشكلة: تعيين هذا الرجل الذبح في هذا المكان. لماذا عينه؟ ما هو السبب؟ إذن هذا أمر مشكل. صح، هذا أمر مشكل. ما الذي يزيل هذا الإشكال؟ أن يرد هذا الأمر المشكل إلى البين. وكيف نعرف البين؟ بالاستفصال. ولذلك قال: "ليزول الإشكال". نستفصل منه: لماذا أنت تريد تذبح بهذا؟ هل فيه عيد من أعياد الجاهلية؟ قال: هل فيه وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا. إذن زال الإشكال، زال الإشكال. ولذلك رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة. نعم، ما هو معين؟ مثلاً... ما معين؟ مثلاً... هيا يقول: "ليش هذا"؟ سيأتي في المسألة الرابعة. المسألة الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. فهذا السؤال عند الحاجة: متى تستفصل؟ مش أي سؤال تستفصل، الشيء الذي فيه إشكال، الشيء الذي فيه إشكال. مثلاً: إنسان قال لك: "مثلا توفي... مثلا الرجل درست الفرائض، توفي رجل عن بنت وأخ وعم". هذا يحتاج إلى استفصال، فيقال له: الأخ هذا، هل هو لأم أو شقيق؟ لأن لو كان لأم، العم يرث عصبة. صح. وإن كان لأب، العم ليس له شيء لأن الأخ يحجب العم. إذن الشيء الذي فيه إشكال. إنسان قال لك: "أنا مثلا على سبيل المثال أبعوض، اكتب لي يعني كبش أسود". هذا فيه إشكال، ليش إلا كبش أسود؟ إيش الموضوع وراه؟ إذن هنا تستفصل. تمام. فالاستفصال ليس في كل سؤال، السؤال البين خلاص. مثل هذا: إنسان قال لك: "أنا نذرت أن أذبح كبشاً". هذا الأصل أنه يذبح في أي مكان، ما عين لك مكان، ليش تعك تستفصل؟ هو لا، أفل بعدين. إذا عين مكان، هو قصد مكان يعني شرك، مكان فيه يعني تذبح لغير الله، هذا أمر آخر. والأصل أنه يريد أن يذبح في أي مكان، فأنت تقول له: اذبح في أي مكان. وإن أردت مثلاً أن تنبه لأنك علمت منه مثلاً الجهل، أو أن التعلق مثلاً بالقبور وأصحاب القبور، لا بأس أن تقول له: اذبح، لكن احذر أن تذبح عند قبر أو في مكان يعبد فيه. لا بأس. تمام. فهذا معنى قول: "استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك". المسألة الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلى من الموانع. لو إنسان قال: "أنا نذرت أن أذبح مثلاً في بيتي". تمام، البيت يعني ما عليه... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، آهاك الله. الأصل في البيت أنه ما فيه وثن ولا فيه شيء. قال: "أنا سأذبح مثلاً في الوادي". تمام، فإذا كان هذا الوادي مثلاً ما فيه وثن ولا فيه عيد من أعيادهم، لا بأس، يجوز هذا. فأي بقعة خلت من الموانع، والموانع شيئان اثنان: وثن من أوثان الجاهلية، أو عيد من أعيادهم. فأي أرض خلت من هذين المانعين فيجوز النذر فيها، يجوز النذر فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أوفِ بنذرك». هذا هو الدليل. فلم يقل له: لا، لا تذبح. وقد تقدم معنا أن هذا الأمر بأصل الذبح، أما المكان لو أراد أن يغير المكان يجوز له ذلك ولا يعد حانثاً في نذره. واضح. المسألة السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن، وثن الجاهلية، ولو بعد زواله. يعني هذا المانع الأول الذي يمنع من الذبح في هذه البقعة: فيه وثن، وثن. لكن قال: "ولو بعد زواله"، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل كان فيه؟" يعني دليل على أن الآن ما فيه شيء، لكن "هل كان فيه؟". وهذا أيضاً فيه فائدة أخرى: وهو أن المنع من الذبح في مكان لا يلزم أن هذا المكان لا يزال يذبح فيه لغير الله، أو فيه وثن موجود إلى الآن، لا. وإنما المراد: كان فيما مضى من الزمن فيه وثن، فأزيل هذا الوثن، هل يجوز أن نذبح؟ لا، لا يجوز؛ لأن فيه تشبه بالمشركين. فهذا معنى قوله: "ولو بعد زواله". المسألة السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله. يعني ما يلزم كما تقدم أن يكون هذا المكان فيه وثن، لا، حتى لو فيه عيد. ومعنى العيد: ما يعود ويتكرر. لو قال: "قال هذا عيد زمان قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة"، قالوا: "ما يفعلون شيء". قال له: "ولو". حتى لو أزيلت هذه الزيارة. مثل: بعض مواضع كان تقام فيها زيارات كثيرة في البلاد الحضرمية مثلاً، ثم الحمد لله الناس يعني فهموا هذه الشركيات وتركت. فلو إنسان قال: "أنا سأذبح مثلاً في منطقة كذا وكذا، وهذا مشهور أن كان فيها عيد أو كان فيها قبر يذبح فيه لغير الله"، يقول له: لا يجوز. قال: "مع أنه فيه الآن ولو ما يفعل؟" نعم، ولو بعد الزوال؛ حتى تبتعد عن كل شبهة، عن كل شبهة. وهنا سؤال أو فائدة: وهو أن المنع منع العبادة في المكان الذي فيه وثن، كان فيه وثن، أو كان فيه عيد من أهل الجاهلية، لابد أن يقيد، تقيد هذه العبادة بأنها نفس الجنس ونفس النوع الذي كان عليه أهل الجاهلية. لماذا قلنا هذا؟ انتبهوا. قلنا هذا لأن مثلاً بعض القبور أو المواضع الجاهلية مشهورة بالذبح فقط، يذبحون فيها لغير الله، لكن ما يصلون عندها، ما يصلون عندها. فلو أزيلت هذه القبور، فهل يجوز للإنسان أن يصلي في هذا المكان؟ ما يذبح، يصلي. نعم يجوز؛ لأن فعل أهل الجاهلية ليس الصلاة، إنما هو الذبح. وفرق بين الأمرين. وهذا واقع عندنا في منطقة شرمة تسمعون بها، كان هناك ضريح يقال له: عمر المحضار. هذا عمر المحضار يعني عبارة عن تابوت فقط، مشهد، وإلا هو مقبور في تريم. عمر المحضار هذا في تريم، لكن تعرفون يقولون: حتى يشتهر يجعلون له يعني عدة مشاهد، فقط ألواح دون جثة. فالحمد لله لما انتشر التوحيد أزيل هذا التابوت، وكان هذا التابوت يؤتى إليه ويتمسح به. الآن صارت غرفة، وكان في غرفة والتابوت غير موجود. هل يجوز أن إنسان يذهب رحلة في هذا المكان يصلي صلاة الجماعة في هذا المكان؟ نعم يجوز؛ لأنهم ما كانوا يصلون عند هذا القبر، وإنما يتمسحون ويطوفون به، ويأخذون الأخرة يعلقونها، ما كان يصلون. واضح. فدل ذلك على أن الصلاة تباح. قبر مثلاً ما يذبحون عنده، ما يذبحون عنده، إنما كانوا مثلاً يتمسحون به. طيب، لكن سيدخل في أمر آخر: وهو أنهم يفعلون لا عيد، فهذا لا يجوز أن تذبح عنده؛ لأن فيه عيد من أعياد أهل الجاهلية. فهمتم هذا الآن؟ فرق بينهم. ولذلك أجاز العلماء الصلاة في الكنيسة؛ لأن صلاة المسلمين تختلف عن صلاة النصارى. تمام. فهنا اختلف في النوع، نوع الصلاة، فأجازوا ذلك. واضح هذا الآن. المسألة الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية. فمن نذر أن يذبح في مكان كان يذبح فيه لغير الله، فلا يجوز له الوفاء بهذا النذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنه لا نذر في معصية الله». وهذه معصية، وهذه معصية، فلا يوفى بها. ومثله مثلاً: إنساء النذر، إنساء النذر أن يتصدق في زيارة ومثرة العدروس لكذا كذا من المال، أو من التمر، أو من اللحم، فيقال له: لا يجوز لك أن توفي بهذا النذر؛ لأنه نذر معصية. وقس على هذا. المسألة التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده. وهذا قيد مهم، نبه عليه كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. قد يقول قائل: "أنا ما أقصد التشبه بالمشركين، أنا أقصد فقط النذر، ما لي دخل بالمشركين". فيقال له: لا يجوز، ولو لم تقصد. في كل مشابهة: إنسان مثلاً تشبه بالمشركين في لباسهم، قال: "أنا ما أقصد التشبه بهم، بس أنا أعجبني هذا اللباس، ما أقصد التشبه بهم". قال له: لا، ما يجوز، ولو لم تقصد أنك تتشبه بهم. واضح. المسألة العاشرة: لا نذر في معصية. يعني لا يجوز أن ينذر الإنسان في معصية. المسألة الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. وقال العلماء: فيما لا يملك إما شرعاً وإما قدراً. شرعاً: مثلاً قال: "نذرت أن أقوم الليل"، وهو لا يستطيع أن يقوم الليل كاملاً، هذا لا يجوز؛ لأنه ما يملك هذا، ما يستطيع هذا. تمام. أو يقول مثلاً: "نذرت أن أصوم يوماً وأفطر يوماً"، وهو ضعيف لا يقوى على ذلك، فهذا نذر لا يجوز؛ لأنه لا يملك شرعاً أن يقوم بهذا. وكذلك قدراً: إذا يقول: "نذرت أن أتصدق بمائة ناقة"، وهو ما عنده، ما يستطيع أن يوفي هذا. نذرت أن أذبح بقرة وهو لا يملك. نذرت أن أتصدق بمليون وهو لا يملك. هذا لا يجوز؛ لأنه لا يملك ذلك. فالنذر فيما لا يملك لابن آدم إما قدراً وإما شرعاً. طيب، مكتبي بهذا إذا هنا أتصدق.