الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 63، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف السحر لغوياً بما خفي سببه، ثم يُقسَم شرعياً إلى نوعين: عقد ورقى يستعين فيها الساحر بالجن وهو كفر، ونوع يعتمد على عقاقير حسية وهو فسق. يستدل المحاضر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ لتأكيد الحكم.
توضح الآية أن السحرة يعلمون أن من تعلم السحر لا نصيب له في الآخرة، ويستدل العلماء بذلك على كفر الساحر. السحر يُعد شركاً لأن الساحر يطيع الجن فيأمره بالشرك، لذا أُدرج في كتاب التوحيد لمناقضته إياه.
يُفسر الطاغوت بأنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، ويُذكر أن الكهان من الطواغيت حيث ينزل عليهم الشيطان ليخبرهم بأخبار الغيب. يخلط الكهان الحق بالكذب ليأخذوا أموال الناس بالباطل، وهذا يندرج تحت معنى الطاغوت.
يوضح المقطع أن الكهان قد يكونون سحرة يجمعون بين الكهانة والسحر، حيث يدّعي الكاهن الساحر علم الغيب ويستعين بالشيطان. يؤكد المتحدث أن هذا الوصف ينطبق على الكاهن سواء كان يميناً أو غير ذلك، فيُعتبر ساحراً في الحالتين.
الحمد لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: باب ما جاء في السحر. والسحر لغة هو ما لطف وخفي سببه، فلذلك سمي السحر سحرًا لأنه ما لطف وخفي سببه. هذا في اللغة، ولذلك سمي السحر سحرًا لأنه مغطى بظلام الليل فهو خفي. وسمي الشعر سحرًا، وإن من البيان لسحرًا، لأنه كذلك خفي سببه. هذا في اللغة. وأما في الاصطلاح، أو في الشرع، فهو على قسمين: قسم عبارة عن عقد ورقى، وهذا لا بد أن يكون من أعمال الشياطين، يتمتع هذا البشري الساحر بالجني، والجني يستمتع به، فهذا هو نوع عقد ورقى شيطانية. والنوع الثاني عبارة عن عقاقير وأدوية تؤثر على المسحور، عقاقير يعني شيء حسي ملموس يدخل في جسد المسحور فيؤثر عليه، والسحر له حقيقة، فيخيل إليه أنه كبير وهو صغير، أو أنه يتحرك وهو ثابت، ونحو ذلك. هذا يكون بعقاقير وأدوية وأعمال خفية. واختلف العلماء في حكم السحر، أهو كفر أو ليس بكفر؟ والصحيح أن النوع الأول الذي هو عقد ورقى وتمائم هذا كفر، لأن الساحر لا يصل إلى هذا إلا عن طريق الشيطان، عن طريق الجن، فيأمره الجن بفعل الكفر، إما بإهانة المصحف من تمزيقه أو تلطيخه بالنجاسة أو نحو ذلك، وبترك الصلاة، وبكتابة الآيات بالنجاسات ودم الحيض ونحو ذلك، فهذا كفر. وأما النوع الثاني فهو فسق وليس بكفر. قال: وقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾. "ولقد علموا" الضمير هنا يعود على السحرة، علم هؤلاء لمن اشتراه، المراد بقوله "لمن اشتراه" لمن تعلمه، يعني تعلم السحر، ما له في الآخرة من خلاق، يعني ما له في يوم القيامة من نصيب من الأجر. واستدل العلماء بهذه الآية على كفر الساحر، وهو المعنى الأول كما تقدم، لأن الآية أولها: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾. هذا واضح صريح في الكفر. ثم بين ربنا أن السحر له حقيقة: ﴿ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾. ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ يعني هؤلاء السحرة ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ يعني لمن تعلمه ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ يعني من نصيب. وجه الشاهد ظاهر من الآية. طيب، ما وجه إدخال السحر في باب في كتاب التوحيد؟ ظاهرة لأن السحر شرك، صح، إذ أن الساحر يطيع الجن فيأمره بالشرك والكفر، والكتاب كتاب التوحيد، فمما يناقض التوحيد السحر، تعلم السحر. واضح هذا الآن، هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الباب في هذا الكتاب، والآية مطابقة لهذا الباب. قال: ﴿ وَيَقُولُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾. قال عمر رضي الله عنه: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وهذا من التفسير ببعض المعنى، وقد تقدمت معنا الآية: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾. فسر الجبت بالسحر، فسر بماذا؟ بالسحر. فهذا على سبيل الإنكار عليهم: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾. فالإيمان بالجبت وهو السحر إنما هو من أعمال الكفار، ليس من أعمال المؤمنين، فهو كفر. والطاغوت فسر بالشيطان، وهو كذلك من التفسير بالمعنى، وإلا فالطاغوت يشمل ما هو تعريف الطاغوت كما تقدم معنا: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. وقال جابر رضي الله عنه: الطواغيت كهان، كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد. وهذا أيضًا من التفسير ببعض المعنى. كهان، والكاهن قيل هو الذي يدعي علم الغيب، أو يدعي ما في نفس الإنسان، قول هذا في نفسه كذا وكذا، كيف يعلم هذا؟ ينزل عليهم الشيطان لأن الشيطان وهم الجن يسترقون السمع كما تقدم معنا، فربما سمعوا الكلمة من الحق فيخلطون معها مئة كذبة. واضح. فهذا معنى قوله: كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد، يعني ما تخلوا منهم حارة، الحي هو بمعنى الحارة أو بمعنى المجموعة من البيوت في مكان واحد، فكانوا كل حي فيه واحد يأتي إليه الناس ويخبرهم بما في نفوسهم أو بما غاب عنهم، فيأتي هذا مثلاً يقول له: ضاع علي مال أو ذهب، فيدعي أنه يعلم، وأحيانًا يصدق، وأحيانًا يصدق، وهذا من فعل الشياطين. وقد يكون الشيطان هذا الذي هو تبع لهذا الساحر أو لهذا الكاهن هو الذي شارك في أخذ هذا المال، شارك في أخذ هذا المال، لأن الساحر أو الكاهن هذا لما يخبر أن ضاع عليك ثلاثة ملايين، تمام، وقال لك: ثلاثة ملايين هذا مع فلان ذهبت، وأخرجت الثلاثة ملايين، أنت مستعد أن تعطيه ربما مليون، ربما نصفها، صح. فهم يعملون ذلك من أجل أخذ أموال للناس بالباطل، من أجل أخذ أموال للناس بالباطل. فهذا معنى قوله: الطواغيت، وهذا من التفسير ببعض المعنى. فالكهان يدخلون في معنى الطاغوت، في معنى الطاغوت. وما وجه تفسير هذا بما جاء في الباب؟ لأن الكهان قد يكونون أيضًا من السحرة، فهو ساحر كاهن، فهو ساحر كاهن يدعي علم الغيب ويستمتع به الشيطان فيقع ربما في السحر. نعم، إذن يكفي هذا إن شاء الله، باقي نكمل. هو يمين وغير، فهو ساحر، وغير فهو ساحر، فهو ساحر. ترجمة نانسي قنقر