شرح قرة عيون الموحدين 13

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 13، ألقاها

تفسير الآيات وتأدب العباد مع الله

المقطع يفسر الآيات التي وردت على لسان الأنبياء وترد الأمر إلى مشيئة الله، ويبين أنها لا تعارض الآيات الأخرى التي تنص على أن الله لا يغفر الشرك. الرد إلى المشيئة هو تأدب مع الله وتفويض الأمر إليه.

تحذير النبي من الشرك الأصغر والأكبر

المقطع يتناول تحذير النبي لأصحابه من الشرك الأصغر ويشرح الفرق بين الشرك الأصغر والأكبر. النبي كان يخاف على أصحابه الشرك رغم إيمانهم وتوحيدهم.

خطورة الشرك وعقوبته

المقطع يحذر من الشرك بالله ويبين خطره وعقوبته. من مات على الشرك دخل النار، والإخلاص لله وحده هو السبيل لدخول الجنة.

التوحيد والاستغفار كأساس للتوبة

المقطع يشير إلى التوحيد باعتباره صفة إلهية ويتضمن الدعاء بالتسبيح والاستغفار. التسبيح والاستغفار يعبران عن التوبة والاعتراف بوحدانية الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، من أجل ربط الدرس بالدرس، نقرأ شيئاً مما قد قرأناه في الدرس الماضي. قال رحمه الله تعالى: فذكر عليه السلام -أي إبراهيم عليه السلام- الذي أوجب له الخوف عليه وعلى ذريته بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. قال: وقد ضلت الأمم بعبادة الأصنام في زمن الخليل وقبله وبعده، فمن تدبر القرآن عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه والوعيد على فعله والثواب على تركه. وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه. نسأل الله الثبات على الإسلام والاستقامة على ذلك إلى أن نلقى الله على التوحيد. إنه ولي ذلك والقادر عليه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: رد أمرهم إلى الله كما رد عيسى عليه السلام. وفي هذه الفقرة -يعني- شيء من الخفاء، ما أدري هل في بقية النسخ هكذا أم هناك زيادة أو نقص. فالحاصل -يعني- أن العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى غالباً ما يذكر تفسير الآيات من تفسير ابن كثير رحمه الله. قال ابن كثير رحمه الله -عند تفسيره لقول الله جل وعلا: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾-: ذكر -أي إبراهيم عليه السلام- أنه أضلل بالأصنام كثيراً من الناس، وأنه بريء من من عبدها، ورد أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كما قال عيسى عليه السلام. واضح -يا جماعة- أن الآية الأولى في قول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَنْ أَطَاعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي إن شئت. وظاهر قول عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ تَعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، كأن فيه معنى من معاني المشيئة. ومعلوم أن الشرك بالله جل وعلا لا يغفره الله جل وعلا. واضح -يا جماعة- أن الشرك لا يغفره الله جل وعلا. فعلى ماذا يحمل قول عيسى عليه السلام: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقول الخليل إبراهيم عليه السلام في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟ على ماذا تحمل هذه الآية وهذه الآية؟ يقول ابن كثير رحمه الله: وليس في هذا أكثر من الرد إلى المشيئة، من الرد إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز وقوع ذلك. واضح -يا جماعة- أن الله جل وعلا قد يأتي إنسان فيستشكل هذه الآية كيف وقد علمنا أن الشرك لا يغفره الله جل وعلا. فكيف يقول إبراهيم الخليل: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؟ وكيف يقول عيسى عليه السلام -وقد قال الله جل وعلا له: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية-: ﴿إِنْ تَعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؟ فقول عيسى عليه السلام وقول إبراهيم ينصبان في مصب واحد، وهو أنهما ردّا الأمر تأدباً مع الله جل وعلا إلى مشيئة الله. وقد علم أن المشرك لا يغفر الله جل وعلا له. واضح -يا جماعة- أن هؤلاء عليهم السلام، وهما من أولي العزم من الرسل، تأدبا مع الله جل وعلا، ردّا الأمر إلى مشيئة الله. وقد علم أن الله جل وعلا لا يغفر الشرك أبداً. لذا يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: قال: وليس في هذا أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز وقوع ذلك. أي: لا تجويز وقوع مغفرة ذنب الشرك. واضح -يا جماعة- أم لا؟ وبه يظهر لنا الكلام المذكور عندنا ها هنا، وهو قول الشيخ رحمه الله: «وقال تعالى: ﴿إِنْ تَعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: رد أمرهم إلى الله، كما رد عيسى عليه السلام». واضح هذا -يا جماعة- أم لا؟ أي: أن إبراهيم عليه السلام رد أمرهم إلى الله جل وعلا، كما أن عيسى عليه السلام رد أمرهم إلى الله جل وعلا. وقد علم بأن الله جل وعلا لا يغفر الشرك أبداً. فإذا في الآية الأولى والأخرى بيان من أن الأمر كله بمشيئة الله جل وعلا، وبأمر الله جل وعلا، لا يخرج شيء عن مشيئة الله جل وعلا النافذة. وقد أخبر الله جل وعلا بأن الشرك لا يغفره أبداً. لذا قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: «رد أمرهم إلى الله كما رد عيسى عليه السلام». وقد بيّن الله تعالى فيما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حكمه في أهل الشرك، بأنه لا يغفره لهم. قال: «فلا معارضة» -أي: لا معارضة بين الآيات والآيات الأخرى- «بل كلها يصدق بعضها بعضاً، ويبين بعضها بعضاً، ويجلي بعضها بعضاً». قال رحمه الله: «وقد بيّن حكمه فيهم في هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد». أي: بيّن الله جل وعلا حكم الشرك وأهله. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. وجاء في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. والله جل وعلا كذلك قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. إلى غير ذلك من الآيات الواضحات البينات التي تبين هذا المعنى وتجليه، ولا تجعل لذي لب شك في أن الشرك لا يغفره الله جل وعلا، وأن المشرك بالله جل وعلا -الشرك الأكبر- لا يغفر الله جل وعلا له ذنبه. قال رحمه الله تعالى: قوله في الحديث لأصحابه صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه، فقال: «الرياء». قال: وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد، وهو حديث صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في سلسلته الصحيحة برقم واحد وخمسين وتسعمائة. والحديث -كما ترونه- ظاهر في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك الأصغر، بل جعله أخوف ما يخاف على أمته. الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: «الرياء». والرياء من الرؤية، ومعناه: أن يري الإنسان عمله لغيره لأجل الثناء ولأجل الحمد. فهذا مذموم، وهو -كما جاء في الحديث- من الشرك الأصغر. والعلماء رحمهم الله تعالى في ضابط الشرك الأصغر يذكرون له تعريفين: منهم من يقول في الشرك الأصغر بأنه كل وسيلة إلى الشرك الأكبر، فهو شرك أصغر. كل وسيلة تفضي وتوصل إلى الشرك الأكبر مما نهى عنه الشرع، فهو من الشرك الأصغر. وبعض أهل العلم يزيد إلى هذا التعريف قيداً آخر، فيقول: وأطلق عليه الشرع بأنه شرك. بمعنى: أن ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، ولم يطلق عليه الشرع بأنه شرك، فلا يسمى شركاً أصغر. على التعريف الثاني، وعلى التعريف الأول يسمى شركاً. والأمر في ذلك -والله أعلى وأعلم- يعني: كل تعريف صحيح باعتبار، فلا منافاة ولا مخالفة بينهما. إذ الكل متفقون على أن كل وسيلة مفضية إلى الشرك الأكبر، فإنها محرمة. ولكن الخلاف: هل يطلق عليه بأنه شرك أصغر أم يقال بأنه محرم من محرمات الخلاف؟ لأجل هذا، وإنهم متفقون على الحرمة. قوله: «فإذا كان يخافه صلى الله عليه وسلم على أصحابه الذين وحدوا الله بالعبادة، ورغبوا إليه وإلى ما أمرهم به من طاعته، فهاجروا وجاهدوا من كفر به، وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم وما أنزله الله في كتاب من الإخلاص والبراءة من الشرك، فكيف لا يخاف من لا نسبة له إليه في علم ولا عمل مما هو أكبر من ذلك؟». والأمر كما ذكر رحمه الله تعالى. ومنه تظهر لنا المناسبة في ذكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لهذا الحديث في ضمن هذا الباب، وأن الشرك مما يخافه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على أمته. وما كان كذلك، فيجب على كل مؤمن أن يخافه على نفسه. أن يخاف الشرك على نفسه، إذا كان نبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الصحابة الكرام -أهل الإيمان- أهل الخير والإخلاص، أهل المسابقة إلى الطاعات، ونبذ كل ما يبعدهم عن الله جل وعلا، يخاطبهم بهذا الخطاب. فكيف بمن هو دونهم علماً وعملاً وعقلاً وفهما إلى غير ذلك؟ فهو أحق بأن يخاف من الشرك بنوعيه. قال رحمه الله تعالى: «وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن أمته بوقوع الشرك الأكبر فيهم، بقوله في حديث ثوبان الآتي ذكره: "حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"». والحديث أيضاً صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وبدأود وغيرهم، وإسناده صحيح. والشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأن قبائل من أمته تلحق بالمشركين. وقال: «وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان». الأوثان: بمعنى أن الشرك سيقع في هذه الأمة، ولا محالة. قال: ومنه نعلم خطأ من قال: بأنه لا شرك بعد الإسلام، ولا شرك في الإسلام. واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينكم». ظن هذا الجاهل بأن هذا الحديث معناه: أن الشرك لا يكون في أي زمان، ولا يكون في أي مكان قط. ولو تأمل هذا المسكين في الواقع لعلم أن الشرك قد وقع، وواقع، وظهر، وظاهر في كثير من البقاع الإسلامية، فضلاً عن غيرها. والقاعدة المعلومة عند العلماء: أن ما ثبت بالحس والواقع لا يناقض ولا يخالف ما ثبت بالشرع. لا يخالف ولا يناقض ما ثبت بالشرع. فمنهم نعلم أن قول صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب». معناه: كان في تلك الفترة التي ظهر فيها الإسلام، ظهر فيها الإسلام والتوحيد في زمنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وانتشرت دعوة التوحيد، حتى أيس الشيطان أن يعبده المصلون لانتشار دعوة التوحيد. لا أن الشرك لا يكون، بل الواقع يدل على هذا، وإخباراته صلى الله عليه وسلم -وهي حق- تدل على هذا. قال: «وقد جرى ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وعمت به البلوى في أثي الأقطار، حتى اتخذوه ديناً، مع ظهور الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتخويف منه». كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. وهذا هو تحقيق التوحيد، كما تقدم في الباب قبله. ثم قال تعالى محذراً عباده من الشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال رحمه الله: «ومن لم تخوفه هذه الآيات وتزجره عن الشرك في العبادة إذا تدبرها، فلا حيلة فيه». إذا كانت هذه القوارع وهذه الآيات وهذا الوعيد من الله رب العالمين جل وعلا لا يزجره ولا يردعه عن قوله وحاله، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال رحمه الله تعالى: قوله -أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله-: «وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" رواه البخاري». قال: وهذا الحديث فيه التحذير من الشرك أيضاً، والتخويف منه. قال: «والند المثل والشبيه». الند: المثل والشبيه. بمعنى: أنه من جعل لله جل وعلا مثلاً يستحق العبادة مثل عبادة الله جل وعلا، فإنه وقع في الشرك. لأن حقيقة الشرك: تسوية الله جل وعلا أو تسوية غير الله جل وعلا بالله. حقيقة الشرك: تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا بخصائص الله جل وعلا وبحقوق الله جل وعلا. قال الله جل وعلا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. إذ نسويكم برب العالمين. فحقيقة الشرك بالله جل وعلا: تسوية غير الله بالله جل وعلا في خصائص الله جل وعلا وفي حقوقه جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال: وهذا الحديث في التحذير من الشرك أيضاً والتخويف منه. «والند المثل والشبيه». فمن دعا ميتاً أو غائباً، وأقبل إليه بوجهه وقلبه، رغبة إليه ورهبة منه، سواء سأله أم لم يسأله، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله. لماذا؟ لأنه مساواة غير الله جل وعلا بالله جل وعلا في هذا الأمر، أي: في الرغبة والرهبة. لأن الرغبة والرهبة التي هي من عبادات القلب لا تكون إلا لله جل وعلا وحده. قال: ولهذا حرم الله تعالى اتخاذ الشفعاء، وأنكره على من فعل ذلك أشد الإنكار، لكونه ينافي الإخلاص الذي هو إقبال القلب والوجه على الله في كل ما يخافه العبد ويرجوه ويتقرب به ويدين به. ومن المعلوم أنه إذا اتجه للشفيع يسأله، فقد أعرض بوجهه وقلبه عن الله تعالى إلى غيره. وذلك ينافي الإخلاص. قال رحمه الله تعالى: قوله -ولمسلم- عن جابر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار"». قوله رحمه الله: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً». قال: هذا هو الإخلاص كما تقدم. وتأمل إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يشرك به شيئاً». يعني: لا يشرك به شيئاً. من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار. فيه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم أن من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار. وفيه تهديد ووعيد. قال الشارح رحمه الله: وقوله: «ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار». قال: هذا هو الشرك. فمن لقي الله بالشرك دخل النار. قل أو كثر. قل أو كثر. وفي هذا إشارة من العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى إلى تعميم الحكم في الشرك كبيره وصغيره. أنه يقول رحمه الله تعالى: بأن الشرك الأصغر -أيضاً- مما لا يغفره الله جل وعلا. إلا أن الله جل وعلا بحسنة التوحيد -لا يجعله مخلداً في نار جهنم-. وهذا أحد القولين لأهل السنة والجماعة في هذه المسألة. قال: وأما الأصغر -كيسير الرياء- وقول الرجل: «ما شاء الله وشئت». يعني: يسير الرياء -كما ترون- يسير الرياء من أعمال القلب أو من أعمال الجوارح. من أعمال القلب: إذن قد يقع الشرك الأصغر في ماذا؟ من أعمال القلب، بأن ينظر، ويلسع القلب إلى غير الله جل وعلا. يقع منه شيء من ماذا؟ من الشرك الأصغر. وهذا -كما هو معلوم- لا يكاد يسلم منه إلا من سلمه الله جل وعلا. وقول الرجل: «ما شاء الله وشئت». في إشارة إلى أن الشرك الأصغر قد يكون بالألفاظ. قد يكون بالألفاظ، ولو لم يكن للقلب في ذلك متعلق. كأن يقول إنسان: «ما شاء الله وشئت». هذا شرك اللفظ، وهو من قبيل الشرك الأصغر. شرك اللفظ، وهو من قبيل الشرك الأصغر. وقوله: «ما لي إلا الله وأنت». كذلك من ألفاظ الشرك الأصغر. ونحو ذلك. قال: «فهذا لا يكفر إلا برجحان السيئات بالحسنات». وهذا من الشيخ رحمه الله تعالى -عبد الرحمن بن حسن- قول وسط. وبعضهم يجعله قولاً ثالثاً في المسألة. باعتبار أن الشرك الأصغر ليس كبقية الذنوب يدخل تحت مشيئة الله جل وعلا. بل ذنب الشرك الأصغر لا يعفى عنه إلا أن تكون عند ذلك الموحد الذي طرأ عليه الشرك الأصغر عنده حسنات كثيرة مرجحة. فتكون تلك الحسنات مرجحة ومرجحة لحسنات على سيئاته. فتكون سبباً لدخول الجنة دخولاً أولياً. قال رحمه الله: قال بعض العلماء: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء. واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم. إذ من كذب رسول الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك. فالمراد من مات حال كونه مؤمناً بجميع ما يجب الإيمان به. إجمالاً في الإجمال، وتفصيلاً في التفصيل. أي: فهو الموحد، وهو المؤمن. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على