شرح قرة عيون الموحدين 76

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 76، ألقاها

مفهوم التنديد والشرك في الإسلام

يناقش المقطع معنى التنديد والشرك في الإسلام مستندًا إلى تفسير الآية الكريمة، ويوضح أن الشرك يشمل الشرك الأكبر والأصغر. بعض الألفاظ قد تعد نوعًا من الشرك الأصغر إذا لم يكن القائل واعيًا لمعناها.

تفسير ابن عباس للآية ودلالتها

فسر ابن عباس الآية بأنواع من الشرك الأصغر مثل الحلف بغير الله، ويستدل بذلك على جواز الاستدلال على الشرك الأصغر بأدلة الشرك الأكبر. كما ذكر أمثلة على الشرك الأصغر مثل الحلف بحياة شخص.

شرك الألفاظ وأمثلته وضوابطه

يتناول المقطع شرح شرك الألفاظ، وهو الشرك الأصغر الذي يحدث من خلال ألفاظ معينة. يُوضح المقطع أمثلة على ذلك مثل قول "ما شاء الله وشئت" وضرورة استبدالها بـ "ما شاء الله ثم شئت".

حكم الألفاظ المشتركة بين الشرك والجواز

لا بأس بقول "لولا الله ثم أنت" أو "ما شاء الله ثم شئت" إذا كان المشار إليه قادرًا على فعل شيء ممكن له. هذا القول جائز ولا يعتبر شركًا إذا استخدم بشكل صحيح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين"، قوله: باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. أولًا، أورد الشيخ رحمه الله تعالى، الإمام محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله، هذا الباب في هذا الكتاب، وهو التبويب بقول الله جل وعلا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، وذلك ليبين رحمه الله تعالى أن العبد يؤاخذ بما يصدر عليه من الألفاظ المخالفة لشرع، كما يؤخذ عليه الاعتقادات المخالفة لشرع. فعقد الإمام محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله تعالى، هذا الباب ها هنا ليبين أن من الألفاظ التي يتلفظ بها من يتلفظ بها دون أن يتفطن إلى معانيها وإلى مقتضياتها وإلى لوازمها، أن تلك الألفاظ تكون نوعًا من الشرك بالله جل وعلا، فتدخل في قول الله جل وعلا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، وإن كانت الآية في الشرك الأكبر، إلا أن الشرك الأصغر كذلك يدخل في معناها. لأن قول الله جل وعلا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، أندادًا نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم، ففيه النهي أن يجعل أو أن يجعل مع الله جل وعلا ندًا مماثلًا ونظيرًا من جميع الوجوه، وهذا هو الشرك الأكبر، أو أن يجعل لله جل وعلا ندًا في الألفاظ دون أن يعتقد معناها، فإن هذا كذلك مما يتناوله هذا اللفظ، فيكون نوعًا من الشرك الأصغر، ويكون نوعًا كذلك من التنديد. لذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال يهودي أو قال نعم يهودي لرجلي من أهل الإيمان: «أنتم القوم لولا أنكم تنددون تقولون ما شاء الله وشاء محمد»، الشاهد: «أنتم تنددون»، فجعل قول القائل "ما شاء الله وشاء محمد" نوعًا من التنديد، فلما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر بذلك، وقال قول: "ما شاء الله وحده"، فدل ذلك على أن قول الإنسان "ما شاء الله وشئته" ونحو هذه الألفاظ أنها تدخل في التنديد، إلا أنه يكون من نوع الشرك الأصغر، نوع من نوع الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. قال: الند المثل والنظير، أي أن الند معناه لغة المثل والنظير، أي لا تجعلوا لله نضراء ولا تجعلوا لله أمثالًا أمثالًا. قال رحمه الله تعالى: وجعلوا الند لله هو صرف أنواع العبادة أو شيء منها لغير الله، كحال عبدت الأوثان الذين يعتقدون في من دعوه ورجوه أنه ينفعهم ويدفع عنهم ويشفع لهم. قال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، وهذا التنديد شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة أو شيء من العبادة إلى غير الله جل وعلا، وهذا المعنى شرك أكبر؛ إذ أن العبادة حق لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا من العبادة لغير الله جل وعلا فقد أشرك بالله جل وعلا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا. قال رحمه الله: قال العماد بن كثير في تفسيره: قال أبو العالية: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، قال: عدلاء شركاء، وهو بمعنى المعنى اللغوي، أي عدلاء أي نضراء وأمثال. قال: وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد. قال: وقال ابن عباس: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، قال: أي لا تشركوا بالله شيئًا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر. وقوله: "لا تنفع ولا تضر" هذا من باب الصفة الكاشفة، وإلا فإن كل ما سوى الله جل وعلا فإنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله جل وعلا، فضلًا عن أن يملك لغيره نفعًا أو ضرًا. فالله جل وعلا هو المتفرد وحده سبحانه وتعالى بالملك وبالنفع، أي بإيصاله لمن شاء وبدفع أو منع الضر، فهو سبحانه بيده النفع والضر وحده، كما أنه بيده الملك وحده سبحانه وتعالى لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: قوله عن ابن عباس في الآية، أي: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: "والله وحياتك يا فلان"، وحياتي، وتقول: "لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص"، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: "ما شاء الله وشئت"، وقول الرجل: "لولا الله وفلان"، لا تجعل فيها فلان، هذا كله به شرك. والمتأمل في هذا التفسير، وهو ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه فسر الآية بالشرك، ماذا؟ بأنواع من الشرك الأصغر، بأنواع من الشرك الأصغر. وهذا يدلنا على طريقة السلف رضي الله عنهم أجمعين في الاستدلال، إذ أن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، ذكر هذه الأنواع من الشرك الأصغر واستدل عليها أو جعلها تفسيرًا لقول الله جل وعلا: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾، فدل هذا على جواز الاستدلال على الشرك الأصغر بأدلة الشرك الأكبر إذا تضمنتها، إذا كان المعنى موجودًا فيها كما هو الحال هاهنا. قال رحمه الله تعالى: وهذا من ابن عباس رضي الله عنهما تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى، أي إذا كان هذا يدخل في الآية فغيره مما هو أولى منه من باب أولى، فهو من القياس الجلي وقياس الأولى. قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس في الآية إلى آخره: "أخفى من دبيب النمل" بمعنى أن هذا من الشرك الأصغر؛ إذ أنه أخفى من دبيب النمل، هل يستطيع أحد أن يسمع دبيب النمل؟ لا يستطيع إلا أن يؤتى في هذه الأيام بماذا؟ بالأشياء أو المكبرات اللاقطة الدقيقة لذلك تستطيع أن تلقط شيئًا من ذلك. قال: وهو أن تقول: "والله وحياتك يا فلان"، أي أن الإنسان لو قال: "والله وحياتك" أو كما يقول بعض الناس: "ورأس أبي"، "ورأس أمي"، بعضهم يقول: "ورأس الكعبة"، "ورسول الله" وما شابه ذلك، هذا كله من الشرك الأصغر؛ لأنه حلف بغير الله جل وعلا، ومن حلف بغير الله فقد أشرك، أي الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى: وتقول: "لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص"، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وهذا أيضًا نوع شرك كما تقدم معنا في الدرس السابق؛ إذ أن فيه إضافة النعمة إلى سبب حقيقي، ولكن مع تناسي المنعم وهو الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم، قال: صحيح لغيره، أخرجه الترمذي والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال رحمه الله تعالى: قال: يحتمل أن يكون شركًا، يحتمل أن يكون شكًا من الراوي، أي في قوله: "فقد كفر أو أشرك"، أشرك؛ لأن "أو" تفيد ماذا؟ التردد بين أمرين، أو تفيد ماذا؟ التخيير، لكن هنا تفيد ماذا؟ التردد، فقوله: "فقد كفر أو أشرك"، قال: يحتمل أن يكون شكًا من الراوي، ويحتمل أن تكون "أو" بمعنى الواو، أي فقد كفر وأشرك، فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من باب كفر دون كفر، أي من باب الكفر الأصغر، من باب الكفر الأصغر؛ لأنه كما يقول العلماء من شرك الألفاظ، من شرك الألفاظ؛ لأن الإنسان يحلف يقول: "وأبي"، "والكعبة"، "وحياتي"، "ورأس ولدي" وما شابه ذلك من الحلف، وهو لا يجوز إلا أن يكون لله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ولهذا ذكره ابن عباس رضي الله عنه ما في الأثر المذكور أنه من شرك الألفاظ، وهذا كما سمعتم إذا لم يصحبه اعتقاد القلب في تعظيم ذلك المحلوف به فوق أو مثل تعظيم الله جل وعلا أو مثل ذلك. قال قوله: وقال ابن مسعود: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا»، والأثر صحيح، رواه عبد الرزاق وغيره. قال: ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبًا من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر، أي الشرك الأصغر، وإن كان أصغر كما تقدم. قال قوله عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان»، رواه أبو داود بسند صحيح. قال: وذلك أن العطف بالواو يقتضي المساواة؛ لأنها في وضعها لمطلق الجمع، بخلاف الفاء وثم؛ فإنها لا تقتضي ذلك. بمعنى أن الإنسان لو قال: "ما شاء الله وشئت"، دل على تسوية المشيئتين، على التسوية بين المشيئتين بين مشيئة الله جل وعلا وبين مشيئة العبد، وهذا لا يجوز، وهذا من شرك الألفاظ، وهو من الشرك الأصغر. بخلاف ما إذا قال: "ما شاء الله ثم شئت" في الأشياء التي يقدر عليها ذلك العبد، فإن هذا جائز؛ لأنه فيه ترتيب المشيئتين، الترتيب بين المشيئتين بين مشيئة الله جل وعلا ثم بين مشيئة العبد، ولا يكون إلا ما شاء الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وتسوية المخلوق بالخالق بكل نوع من العبادة شرك، وهذا ونحوه من الشرك الأذا من شرك الألفاظ. قال قوله: وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: "أعوذ بالله وبك" لما تقدم، ويجوز أن يقول: "بالله ثم بك". قال: "ولا تقولوا لولا الله فلان"، إبراهيم النخعي، قال: وهذا فيما يقدر عليه الحي الحاضر، بخلاف من ليس كذلك ممن لا يسمع كلامًا ولا يرد جوابًا كالأموات والغائبين. بمعنى أن الأموات والغائبين لا يجوز أن يقول فيهم ما شاء الله هو شاء الولي الفلان، أو لا أن يقول: "ما شاء الله ثم شاء الولي الفلان"، لماذا؟ لأنه غائب، ولأنه غير قادر، ولأنه ميت، وكونه يقول: "ما شاء الله ثم شاء الولي الفلان" هذا يدل على شرك أكبر؛ إذ أنه يعتقد أن ذلك الميت، وذلك المقبور، وذلك السيد أن له قدرة على سمع أصوات داعيه وإن كان ميتًا وإن كان غائبًا وإن لم يكن موجودًا، وأنه يقدر على نفعهم ودفع ضرهم، وهذا بحد ذاته شرك أكبر. لكن إذا قال الإنسان لإنسان أمامه قادر حاضر موجود يستطيع أن ينفع أو أن يضر بما مكنه الله جل وعلا من ذلك الشيء، فيقول: "يا فلان لولا الله ثم أنت" مثلًا غرقت أنقذهم من الغرق، هذا لا بأس به، أو يقول: "ما شاء الله ثم شئت" في شيء يقدر عليه ذلك العنف، فإن هذا لا بأس به، والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على