الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 29، ألقاها
شرح مقولة سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى حول تفسير صفات الله تعالى و منهج السلف في التعامل معها. هذا المنهج يعتمد على تلاوة النصوص و فهمها بمقتضى اللغة العربية دون الخوض في كيفية الصفات.
الأئمة الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس أجابوا على سؤال الوليد بن مسلم بشأن أحاديث الصفات والرؤية، مؤكدين على إثبات المعنى الظاهر دون الخوض في الكيفية. هذا يعكس منهج السلف في التعامل مع هذه النصوص.
شرح معنى قول الأئمة 'أمروها كما جاءت بلا كيف'، موضحًا أنه يعني نفي معرفة العباد لكيفية صفات الله جل وعلا، وليس نفي وجود كيفية لصفات الله. معرفة الكيفية تكون بطرق ثلاث غير متوفرة لمعرفة كيفية صفات الله.
يجب التسليم للخبر القادم من الله ورسوله مع الإيمان بما جاء عنهما والتفويض للمعاني الباطنة. التسليم يكون على المعنى الظاهر الموافق للغة العرب مع تفويض العلم الكامل إلى الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وهو الحاكم رحمه الله، قال حدثنا محمد بن يزيد، قال حدثنا أو قال سمعت أبا يحيى البزار يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته، والسكوت عنه أولى. هذا الأثر من حيث الصحة صحيح، رواه البيهقي رحمه الله كذلك في كتاب الأسماء والصفات، ورواه آخرون بإسناد صحيح. وقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، وهو من أئمة الحديث والفقه والسنة، إمام مشهور، مخرج له في الصحاح وغيرها من كتب السنة، يقول رحمه الله تعالى: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته. ما معنى هذه الكلمة؟ ما معنى هذه العبارة؟ معناه أن ما وصف الله جل وعلا به نفسه في كتابه، فتفسيره أي معناه ما يفهم من تلاوته، بمقتضى اللغة العربية، بمقتضى اللغة العربية التي خاطبنا الله جل وعلا بها، وهو المعنى المتبادر إلى الأذهان الصحيحة ابتداء، هذا هو معنى أي في قوله: تلاوته، فتفسيره تلاوته، أي أن المعنى الظاهر من التلاوة هو تفسير لذلك. المعنى الظاهر من النص، يعني لو قرأ إنسان قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، إذا قال إنسان: ما معنى السميع البصير؟ نقول: تلاوته تفسيره، التلاوة أو تفسير التلاوة واضح. فتفسيره تلاوته، أي معناه معلوم من تلاوته، لأن الله جل وعلا خاطبنا باللغة العربية المفهمة الواضحة التي أفهمها كل عربي. وقوله رحمه الله تعالى: والسكوت عن أي والسكوت عما وراء ذلك، عما وراء ذلك من الخوض والبحث في معرفة الكيفية والكنه لتلك الصفة، هذا يسكت عنه، يسكت عن بل لا يجوز لإنسان أن يبحث في هذا المعنى، أي عن كيفية صفات الله جل وعلا. فعلم أن معنى كلام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: أن صفات الله جل وعلا يفهم منها المعنى الظاهر بمقتضى اللغة العربية، المعنى الظاهر من النص، هو السميع البصير، وهو الغفور الرحيم، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، ثم استوى على العرش، بل يدهما الصفتان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، إلى غير ذلك من نصوص الصفات. معناها ما ظهر منها، وهو الموافق للغة العربية، وهو الموافق للغة العربية، أما المعنى الباطن، وهو الذي بمعنى الكشف عن كيفية الصفة والبحث عن كيفية الصفة، فهذا يسكت عنه، لا يخاض فيه، ولا يجوز الخوض فيه، لماذا؟ لأنه من علم الغيب الذي لم يطلعنا عليه ربنا تبارك وتعالى، فهو بهذا الاعتبار من المتشابه، وإذا كان من المتشابه، فلا يجوز لنا أن نتكلم فيه. بل قال نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: إذا رأيتم الذين يخوضون في المتشابه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم. فأولئك الذين سمى الله، أي في قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. هذه طريقة من؟ طريقة الراسخين في العلم، يثبتون المعنى الظاهر، وأما المعنى الباطن الذي هو بمعنى الكيفية والكنه، فيقولون: آمنا، لا يخوضون، بل يفوضون المعنى إلى الله جل وعلا. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا، من عند الله جل وعلا، وما دام أنه من عند الله جل وعلا، فيجب الإيمان والقبول لخبر الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو الحسين الخفاف، قال حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، قال حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، قال حدثنا الهيثم بن خارجة، قال سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي، وهو إمام أهل الشام، وسفيان وهو الثوري، وهو إمام أهل الكوفة، ومالك بن أنس، وهو إمام أهل المدينة. حتى قال بعض الأئمة رحمهم الله: أئمة الدنيا في زمن هؤلاء أربعة، في زمن تابعي التابعين: مالك في المدينة، وسفيان في الكوفة، والأوزاعي في الشام، والليث بن سعد في مصر، رضي الله عنهم ورحمهم الله. الوليد بن مسلم يقول: وهو من أئمة الحديث والسنة، وإن كان رمي بالتدليس، إلا أنه ها هنا يصرح بالسماع والسؤال، يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الآيات، عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية. في الصفات، أي الأحاديث التي فيها إخبار عن صفات الله جل وعلا، كحديث النزول، كحديث الجارية: أين الله؟ قلت: في السماء. كحديث: ضحك الرب جل وعلا، ضحك ربنا أو ضحك الله من صنيعكم البارحة. كحديث العجب: يعجب ربك. كحديث الفرح: لله أشد فرحا بتوبة عبده، إلى غير ذلك. والرؤية، أي الأحاديث التي فيها الإخبار عن رؤية المؤمنين لله جل وعلا، كالحديث الذي رواه الشيخان من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس، وفي رواية: كما ترون القمر ليلة البدر. الحديث. فالوليد بن مسلم رحمه الله سأل هؤلاء الأئمة لأجل أن يعلم ما قولهم، وينقل قولهم، وقد حصل مراده، حصل مراده ومقصوده، فله أجر الدال على الخير. يقول لهم رحمه الله: عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا الجميعا: أمروها كما جاءت بلا كيف. أمروها كما جاءت بلا كيف، ما معنى هذا الكلام؟ هذا الكلام هو معنى الكلام المتقدم عن سفيان بن عيينة: تفسيرها تلاوتها، والسكوت عنها. أمروها كما جاءت، أي كيف جاءت الصفات، ربنا أو نبينا صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله جل وعلا ينزل، أمروها كما جاءت، نثبتها. أخبر بأن الله جل وعلا يفرح، يضحك، أمروها كما جاءت، أن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، أمروها كما جاءت، أي بمعرفة المعنى الظاهر، كل عربي بعربية يعلم معنى نزل، ومعنى ضحك، معنى فرح، معنى أن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، أمروها كما جاءت، لكن بلا كيف، لا نتصور كيفية، نمثل الله جل وعلا فيها بغيره من المخلوقين. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ويقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ويقول جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. إذن نثبت الصفة كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم، هو الصادق المصدوق، من غير تعرض لمعرفة الكيفية، من غير تعرض لمعرفة الكيفية. أمروها كما جاءت، أمروها كما جاءت بلا كيف. قول هؤلاء الأئمة: أمروها كما جاءت بلا كيف، هل معنى هذا النفي؟ أي نفي الكيفية، معناه نفي ما هي الكيفية؟ أم أنه بمعنى نفي معرفة العباد بكيفية الرب جل وعلا؟ الجواب: أن معنى كلامهم بلا شك ولا ريب، أنه نفي الكيفية التي قد يسعى في الكشف عنها من لم يوفق من العباد، بلا كيف، أي بلا كيف نعلمه، بلا كيف نعلمه، وليس معناه بلا كيف أن صفات الرب جل وعلا بلا كيف، ليس معناها كلام لا، إما رحمهم الله وتعالى هذا المعنى. لأن ما من موجود ولا صفة ولا ذات إلا ولها كيفية، ولكن هذه الكيفية منها ما نعلمها، وهي ما تكون بين المخلوقين من كيفيات، يعني كل إنسان يعلم مثلا زيد من الناس كيفه، طويل قصير، كيفية شكله، شجرة يستطيع أن يصفها، وكيفية تلك الشجرة، سيارة يستطيع أن يصفها ويبين كيفية تلك السيارة. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن معرفة الكيفية لا تكون إلا بواسطة طرق ثلاثة، معرفة كيفية الشيء لا تكون إلا بواسطة معرفة أمور، إلا بواسطة طريق من طرق ثلاثة: الأول المشاهدة، الأول المشاهدة، يعني الإنسان إذا رأى الشيء يستطيع أن يعلم كيفية هذا الشيء. الثاني أن تعلم نظيرا ومثيلا لهذا الشيء الذي تريد أن تعرف كيفيته، يعني مثال ذلك يقول إنسان لك: اشترى زيد ساعة كالساعة التي بيدك الآن، تستطيع أن تتصور كيفية ساعة زيد أم لا؟ نعم. الثالث أن يخبرك مخبر بالوصف الدقيق عن كيفية شيء لم تره. فيقول لك مثلا: رأيت في البحر سمكة هيئتها كذا، ومنظرها كذا، وطولها كذا، ولونها كذا، إلى غير ذلك من الأوصاف، تستطيع أن تتصور كيفية أم لا؟ نعم. إذا رأينا إلى هذه المعاني الثلاث، هل موجودة في كيفية صفات الله جل وعلا؟ هل رأى أحد ربه جل وعلا؟ الجواب: لا. هل له نظير جل وعلا؟ الجواب: لا. هل أخبر مخبر خبر صدق عن كيفية صفات الله جل وعلا؟ الجواب: لا. إذن معرفة الكيفية، أي كيفية صفات الرب جل وعلا، هي موجودة، لكن لا نعلم كيفية صفات الرب جل وعلا، لا يعلم كيفه إلا هو، لا يعلم كيفه إلا هو جل وعلا. فلا يعلم صفات الله جل وعلا إلا الله جل وعلا وحده لا شريك له. إذن قول هؤلاء الأئمة رحمهم الله: أمروها كما جاءت بلا كيف، أي بلا كيف يعلمه العباد، بلا كيف يعلمه العباد، لا نفي لما هي وحقيقة الكيفية، إذ ما من موجود إلا وله كيفية، ولكن كيفية صفات الله جل وعلا محجوبة عنا، لا نعلمها، يعلمها من يعلمها الله جل وعلا وحده لا شريك له. قال رحمه الله: قال الإمام الزهري، إمام الأئمة في عصره، وهو كما قال الإمام الزهري من أئمة التابعين، ويعد رحمه الله تعالى من كبار الحفاظ، وممن دون السنة، وأكثر مدار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدارها عليه على هذا الإمام رحمه الله تعالى. أو قول كثير كثير من السنة مدارها ومخرجها من هذا الإمام، عليه رحمة الله تعالى الواسعة. قال الإمام الزهري: على الله البيان، أي الله جل وعلا، وعلى الرسول البلاغ، يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، وعلينا التسليم. علينا ماذا؟ التسليم، إذا جاء الخبر من الله جل وعلا، أو من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، علينا التسليم، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله جل وعلا، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على ما مر معنا، المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن، الموافق للغة العرب، مع تفويض المعنى الباطن. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.